الخاطرة الطويلة

لعنة الأقنعة

للسماء عين حوراء واسعة، ترصد أدنى دبيبنا، ترقب تحركاتنا على وجه الأرض ندنسه بشرورنا، فتحدق فينا، تكاد تخترقنا. عين نصفها سواد قاتم، ونصفها الآخر بياض باهت.
كل يوم، تجردنا من ردائنا، تكشطنا من لحافنا، تعري عوراتنا، تكشف سوءاتنا، وتعكس صورتنا قاتمة على أديم النهر، وسطح البحر، وأحراش البر ، وفوق أوراق الشجر٠
عين السماء، منذ الأزل، تقتحم علينا المجامع، تسرق همسنا في المضاجع، تعد نقائصنا ونفاقنا في الجوامع، وتحصي ما نرتكبه من جرائم في الصوامع، نتعمد إخفاء أسرارها تحت العمائم٠
فنتحداها، وبها نستهين، فنفعل كل فعل مهين، وبدون خجل أو وجل، فالشر عليه جبلنا٠
لعنة اللعنة، لعنتنا- نحن – البشر٠٠٠ لعنة يستنكرها الحجر و الشجر، فلا بها نشعر، ولا منها نتدمر٠
ريح العصيان ريح سموم، تنفث بيننا السموم، تخلع أوراق التوت عن عوراتنا، فترمينا في فراغ الفكر والتفكير٠ وقتها، نتيه في متاهات بحر الخطأ والخطيئة، فنرتكب بكامل قوانا العقلية الفعل المشين والجريمة٠
. تلتوى الحية على جذع الشجرة، تعصر أجساد البشر المقهورة، وتخرج من الأماكن المحظورة، نقضم التفاحة، بعضا من التفاحة، تتنهد السماء: إلى الأرض، هبوط اضطراري بلا مكابح، سببه وشوشة أفعى لنفس جوعى، فتنزل لعنة اللعنة.
اللعنة، تسقط الأقنعة:
تستباح حرمة الشجرة المحرمة، يضعف القلب، يغيب العقل، تترهل الإرادة، تشتعل شهوة الشهوة، تحتدم اللذة، يعلن الشيطان انسياق الإنسان – أبد الدهر- وراء الإغواء والغواية٠
اللعنة، تسقط الأقنعة:
يتبخر طهر البشر، تنكشف حقيقة هذا الكائن المتخم بفوضى الفوضى في عالم كله فوضى٠ في محكمة التاريخ تنعقد الجلسات، تفتح الملفات، تقرأ كلمة كلمة، سطرا سطرا:
منطوق الحكم : البشر مذنب، فلتسحب منه هالة القداسة، وليغص في حمأة قاذورات الجريمة إلى الأذنين، ولتسقط عنه الأقنعة، كل الأقنعة:
يهدي قابيل أخاه هابيل إكليلا معطرا بروائح الموت، فتوزع الأكاليل- بالمجان- على كل البشر، وتعزف أنانية الإنسان معزوفة الخطيئة:
القتل٠٠٠ التخريب٠٠٠ التعذيب، وتتفشى الجريمة بين الناس٠
تطارد اللعنة البشر في البر والبحر، في الأرض والسماء، في الماء في الهواء٠ ومن لحمه ودمه يولد العداء٠٠٠ عداء الإنسان لأخيه الإنسان ٠٠٠ من الغراب يتعلم ستر السر، دفن الحقيقة، وإخفاء معالم الجريمة، وهذا أول درس يتعلمه الإنسان الهلوع الجزوع٠
يخيم الإفك والبهتان، ويسود الظلم، ويعم الظلام. لكن، رغم الألم، تعلن طبيعة الإنسان متناقضة: شريرة وخيرة، يكره ويحب، يعدل ويظلم، يفعل وينفعل، يؤثر ويتأثر، في جدلية صراعه الطويل بين الأمل واليأس٠
نسيح، نتيه في عالم تيهنا، ونحن عراة ٠٠٠ حفاة ٠٠٠ لا مأوى يأوينا٠٠٠ لابحر٠٠٠ لا نهر ٠٠٠ لا بر يسترنا، لا مرج يسد رمق جوعنا، ولا تراب يواري عيوبنا:
الحبة المهترئة من الفاكهة ،حتما، تفسد كل الحمولة ٠
قلوبنا هجرها الصبر، استوطنها الشر ٠٠٠ مفتاح الخطيئة : قتل ٠٠٠ قتيل ٠٠ قاتل ٠٠٠ مقتول : فلا عيب في أن يتساوى القاتل والمقتول، الجلاد والمجلود في قواميس الظلم ومعاجم والاستبداد في كل جنبات الأرص منذ فجر التاريخ٠
الجريمة العظمى/ الخطيئة، ترتكب تحت عباءة الأخوة:
أفعى تأكل نفسها، تبتلع نفسها من ذيلها إلى الرقبة، القاتل يتذوق ملوحة لحم أخيه المقتول٠٠٠ يستعذبها ٠٠٠ يستسيغها ٠٠٠يستطيبها٠٠٠ فيدمن بكل جوارحه على أكل اللحم المالح٠
عين السماء حوراء، تتقن غض الطرف ٠٠٠ تلاحظ ٠٠٠لا تتكلم ٠٠٠تمهل ولا تهمل:
كرونوس قاتل بامتياز : أكثر منه رحمة وشهامة الحوتة في أعماق البحر، يتغذي عليها صغارها، تتشظى في بطونهم، فيعيشون، وتموت، فهي الشمعة التي تنتحر احتراقا لتضئ سبل الآخرين، وهذه قمة التضحية والإيثار٠
كرونوس قاتل بامتياز : يأكل أبناءه الخمسة خوفا على عرشه، فيفتح سجل ظلمات ظلم ذوي القربى، فينشد الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند٠
لعنة حب الكراسي- منذ فجر التاريخ – يزهر في النفوس، ومن أجل الحفاظ عليها تجيش الجيوش، وتسفك الدماء بسيوف الأغبياء، يسود الدمار، ويفتك بالأبرياء، ومن أجل البقاء، تمارس التغريبة القسرية في البراري و الصحاري.
قمة الندالة/ الأنانية ، يطبعها كرونوس قبلة ساخنة على جبين البشرية، ويعلقها أوسمة على العروش منذ القدم٠
أعذروني، فأنا لا أقول إلا علموني، فالقول ما قالوه٠
الذئب ضحية، أشرس وأذكى منه الذئب البشري:
ضحية أكذوبة، من جنبات الجب تفوح روائح خيانة الأخ لأخيه٠ الذئب بريء من دم يوسف، شهادة البئر لا تجوز، لذلك الذئب ألبسوه عمامة الشر، وهو البريء من كل شر٠
الدخان في غزة فلسطين، وصنعاء اليمن، وبغداد العراق، وحلب وإدلب سوريا، وفي كل غيد العرب، تخنقنا روائحه، تزكم أنوفنا، لكنها ممزوجة بنبيد الخيانة في مؤتمرات السلم والسلام الوهمية… روائح اغتصاب تاريخي مجنون أشرنا (بتصعيف الراء) عليه، فألمت جروحه منا البصرة ٠٠٠ وأعمت منا البصر والبصيرة٠
مرضى العظمة، مجانين الكراسي قتلة بامتياز :
من بيوت روما تفوح روائح الدم ولحم الأطفال يحترق تحت رماد أرض محروقة، نيرون يشرح جثث الأبرياء ٠٠٠ يلعق خنجره المسموم، يمسحه بالجثث، يرقص رقصة السلعوف المنتصر على جسد الذبابة المهزومة ٠
لندن، سلحفاة بدون قوقعة، لندن حلزون بدون صدفة، فيها تعيث عظمة الفويهرر وجنونه فسادا، تتشظى جماجم البشر كبعر الارآم تحت سطوة أزيز الطائرات، وفرقعات المدافع وأحدث أسلحة الدمار التي تقتلع الساكن والمسكون من الجذور، أخف منها سيوف المغول والتتر فتكا وتدميرا، على الأقل تقطع٠٠٠ وتقطع ٠٠٠ ولكنها تترك أثرا للمقطوع٠
باريس تحترق، العالم يحترق من البحر إلى البحر، من الشرق إلى الغرب، من الشمال إلى الجنوب، تتضخم عقدة الأنا، عقدة جنون العظمة في نفوس مجانين التاريخ٠ فما قتلنا – عبر التاريخ – غير مجانين التاريخ، من محارق العالم القديم الكبرى إلى محرقة روما، إلى محارق غزة وصبرا وشاتيلا، إلى محارق العواصم العربية، ما قتلنا غير عبدة الكراسي، ومجانين ومعتوهي السلطة والسطوة٠
وبركب روما تلتحق عواصم العرب: تحترق من الداخل بما فيها من إنسان وحيوان، وشجر وحجر، فالحرب ناقة عمياء، تضرب، تخبط وتمعن في الخبط بلا تمييز، كذلك الأعمى الذي لا يميز الألوان٠٠٠٠ فما قتلنا غير زناة الليل ومعتوهي التاريخ، لكن اشهد يا تاريخ، ها نحن- كل يوم – وبفخر نمارس انبعاث العنقاء من تحت رمادها، فنبعث من تحت رماد مدننا العربية المحروقة، فنحيى من جديد٠
يشربون نخب إعدام الشاعر، تتسلل قوافي القصيدة من بين أيديهم الملطخة بدم الشعر والشاعر كماء زلال، تورق وتزهر حروفا تتغلغل في الأحاسيس، تستوطن منا الأدمغة، فتحيى القصيدة، ويحيى الشاعر، يموت الجلاد، يحيى في أدمغة الناس المجلود، فتتغير معالم العالم والتاريخ، وحروف القصيدة تجر أشواك زقوم في حلوق ومن صدور القتلة وسفاحي الشعراء، وتعيش-أبد الدهر – القصيدة، وينخر الصدأ الحسام والمقصلة، وتحترق أعواد المشنقة٠
ريح صرصر عاتية قادمة من تاريخ التاريخ :
ستعري عوراتنا ٠٠٠ستكشف ضعفنا ٠٠٠ستفضح حقيقتنا ٠٠٠ ( وظفت هذه السين اللعينة رغم أني أكرهها لأنها مقولة من قواميس السياسيين الفاشلين )٠ فواقعنا الإنساني في هذا العصر أحسن منه حياة الكلاب، واقع مجروح كئيب ٠٠٠تحكيه عين السماء، وهي باستغراب تحملق -كل يوم- في ما أصاب الأرض من كوارث بشرية٠ وهي – كل يوم- تعد جرائمنا ٠٠٠تحصي أعداد قتلانا ٠٠ فيقبح تاريخنا القاتم الأسود وجوهنا ٠لكن، دعوني أتساءل علي أجد إجابة شافية لمنجزات القتلة والسفاحين :
– لماذا نفتخر بإعدام الكلمة ؟ بحرق الكتاب؟ بقتل الشاعر ؟ بشنق الفيلسوف ؟
– أه عفوا، لا مكان للفيلسوف و للشاعر بيننا٠ فهما عنصرا خلل يحركان صفحة مائنا الراكد، ويخلخلان رتابة واقع رضينا به آسنا، قبلناه -مكرهين- تفوح منه روائح العفونة ٠
فنحن شعوب مهووسة بما تحت الحزام، يهزنا هز ثقل أرداف الغواني، و طقطقة الكعوب العالية تجمعنا، و القضايا المصيرية العظمى وهروات القمع تفرقنا٠ فنحن أشبه بقط يضيق بذيله درعا، فيظل يعضه ويعضه، يريد استئصاله، لكنه لا يستطيع لذلك سبيلا٠ فيدور – كل حياته- في حلقة مفرغة، وإلى أجل غير مسمى٠
فنحن – بني يعرب – شعوب مقهورة ٠٠٠مظلومة٠٠٠ مأزومة ٠٠٠ مهمومة ٠٠٠ ممنوعة من الفكر والفلسفة ٠٠٠ محرومة من الحرية، ربما لذلك نتوق للرقص والغناء، وننفر من سماع الشعر، ونكره الفلسفة

السابق
نُكُوص
التالي
أنقاض

اترك تعليقاً