مقالات

لغتنا الأم أقوى من كل التحديات

خاضت اللغة العربية حروبا كثيرة ضد من حاولوا تشويهها ومحوها منذ أقدم العصور ،ولعلّ أشد هذه الحروب ضراوة كانت في العصر الحديث حيث أعد لها أعداؤها جيوشا لوأدها فصمدت في وجهها وجعلت آمالهم بالنصر تنتحر على أسوار قلاعها.
للغة العربية مكانة متميزة بين لغات الأمم، لا لأنها من أقدم اللغات الحية فقط ، وإنما لأن تكوينها وخصائصها يسرا لها القدرة على التعبير عن مختلف الأشياء المادية وأدق الأفكار المجردة يكفيها فخرا أن القرآن الكريم نزل بها.
وكلنا ندافع عن اللغة العربية ليس كونها لغة فقط بل لأنها:((صورة تاريخنا ووعاء تراثنا ومرتسم حضارتنا أيضا))* والقرآن الكريم عندما نزل بها :((ازدادت رسوخا في أذهان الناس ، واحتراما بين نفوسهم ,فعاشت بين العرب والمسلمين تتردد في مختلف العصور والبيئات لغة للثقافة والعلم والأدب وسفيرا بين الأجيال يربط حاضرها بماضيها))0
ونحن لورحنا نستعرض جميع محاولات القضاء على اللغة العربية لطال بنا المقال ، ولكننا سنذكر أهم أشكال تلك المحاولات التي يمكن تقسيمها إلى قسمين :أولهما:-ما قام به المستعمرون الأوروبيون من تشويه وطمس لهذه اللغة حين أسسوا مدارس ومعاهد خاصة بتدريس اللهجات المحلية ، ففي إيطاليا أسست مدرسة نابولي للدروس الشرقية 1727م وفي النمسا مدرسة القناصل 1754م وفي فرنسا مدرسة باريس للغات الشرقية الحية 1759م وفي روسيا مدرسة لافروف في موسكو 1814م وفي بريطانيا بجامعة لندن كانت تدرس لهجات القبائل العربية التي تخرج منها الجاسوس البريطاني (لورنس) الذي كان يتقن لهجات القبائل العربية.كما ألفوا العديد من الكتب الخاصة باللهجات العامية نذكر منها :1-لهجة بغداد العامية للمستشرق ماتسون.2-عامية دمشق لبراغشتراسر3-عامية بيروت لماتسيون4-لغة مراكش العامية وقواعدها 5-اللهجة العامية في مصر لسدن ولمور6-اللهجة العربية الحديثة في مصر لكارل فولرس.ثانيتهما:-الدعوات المشبوهة التي تعد من أهم الأسافين الاستعمارية في بناء اللغة العربية ومن بينها :
• -الدعوة الفرعونية في مصر •
-الدعوة الفينيقية في بلاد الشام /لبنان•
-الد عوة إلى عبرنة فلسطين العربية من خلال المخطط الصهيوني الهادف إلى طمس وإذابة كل ما يمت إلى العرب بصلة.
ومن أشكال الحروب على اللغة العربية نرصد أيضا :
• دعوات الألماني (ولكوكس ) إلى ترك العربية الفصحى في مصر والاتجاه نحو(البونية)حيث قال:((إن البونية هي أساس لغة العصر الحديث في مصر ، وهي لغة دخلت مصر قبل أن تدخلها العربية الفصحى بألفي سنة وإنها انحدرت من الهكسوس ثم يقول:((إن دراسة اللغة العربية مضيعة للوقت وموتها محقق كما ماتت اللاتينية )).
وقد لاقت دعوته نجاحا في مصر وتبنت مجلة( السياسة المصرية) هذه الدعوة وركزت في أغلبية أعدادها على الفرعونية والترويج للأفكار الانعزالية الإقليمية حيث برز من كتابها (محمد زكي عبد القادر )و( عبد الله عنان) الذي كتب في ملحق السياسة عام 1932 يوضح القومية المصرية بقوله:( (إنها قومية أصيلة وجدت منذ أقدم العصور واقترن اسمها بحضارة من أقدم الحضارات.))
• كما لمعت أسماء بارزة في سماء مصر كانت بمثابة الإطار المحلي لهذه الدعوة الاستعمارية ساهمت في خلخلة الوعي الوطني والقومي ووجهت للأمة العربية سهاما أليمة نذكر منها على سبيل المثال:
• -طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر).
• -لويس عوض ألف ديوان شعر بالعامية المصرية (بلوتلاند).
• -محمد حسنين هيكل في كتابه (ثورة الأدب).
• -أمين خولي في كتابيه:(الأدب المصري-مصر في تاريخ البلاغة).
• -أحمد ضيف (بلاغة العرب).
وغيرهم من أمثال: توفيق الحكيم-لطفي السيد –يعقوب صنوع، ولا ننسى ما قام به دعاة الفينيقية في لبنان من محاولات تشويه ومسخ على أيدي رموز هذا التيار، وكان للشاعر (سعيد عقل) دور في هذا المجال عندما أنشأ مطبعة هي الأولى من نوعها في الوطن العربي لكتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية مع إضافة بعض الحروف إليها ،وفيها قام (عقل) بطباعة مجموعة من كتبه منها ديوانه (يارا) إضافة إلى ذلك فقد عمد (رفائيل نخلة) إلى إصدار كتاب باللغة العامية هو:(قواعد اللهجة اللبنانية السورية)._
-أما على صعيد النزعة البربرية في المغرب العربي ولاسيما في الجزائر: فقد حاول الاستعمار الفرنسي انتزاع البربر من الإسلام بأساليب متعددة منها محاولة تنصيرهم وتمييز أصلهم ، وتثبيت قانونهم المحلي ،والأخطر من ذلك كله تقوية لغتهم ومحاولة إحيائها بالكتابة والنشر لجعلها حاجزا بين البربري والعربي. بينما أن البربرية في الغالب هي لغة شفهية، وليست لغة ذات قواعد وأسس ثابتة .كما أسسوا ببلاد القبائل مدارس متعددة لتنصيرهم(1873-1880م)إذ أخذ المبشرون يوزعون في بلاد القبائل الأناجيل باللغة البربرية المكتوبة بالحروف اللاتينية ،ومن محاولات الفرنسيين أيضا أنهم أقدموا على كتابة اللهجات البربرية بحروف لا تينية.
أما في فلسطين المحتلة فطبيعي أن لا تخرج القوانين الصهيونية حيال العرب هناك عن الطابع الاستعماري الوقح، باعتبار أن الحركة الصهيونية هي حركة استعمارية استيطانية تنحصر مهمتها المركزية في سلخ الأجيال الصاعدة عن تراثها وتاريخها وآدابهافقد أطلقت سلطات الاحتلال في المناطق المحتلة 1967 منذ الأيام الأولى للاحتلال يدها في مناهج التعليم العربية تغيرّها وتشّوهها ،وتملؤها بالمغالطات التاريخية التي تخدم أهدافها التوسعية والعدوانية.
ومن خلال ذلك: يجب أن لا يفهم أننا ضد اللغات الأجنبية كلغات، فليس للعلم لغة واحدة ، وليس حكرا على أمة دون أخرى ، وإن إتقان لغة أجنبية واجب لا بدّ منه لمتابعة التقدم العلمي، ولكن شتان ما بين إتقان لغة أجنبية وبين استخدامها بديلا عن اللغة القوميةإن في إتقان اللغة الأجنبية رافدا للثقافة ودعما لها في كل ميدان من ميادين العلم ،وأما استخدامها بديلا فعزل للغة القومية ووأد لها.- ورغم كل المحاولات أثبتت اللغة العربية منا عتها ووجودها ، ولولا ذلك لما اضطر المستشرقون في مؤتمر لهم في اليونان إلى إصدار قرار جاء فيه :(إن اللغة العربية الفصحى هي اللغة التي تصلح للبلاد الإسلامية والعربية للتخاطب والكتابة والتأليف…)).بعد هذا العرض نستطيع القول :
إن جميع المحاولات التي استهدفت ولا تزال اللغة العربية للنيل منها والحط من قيمتها بهدف القضاء عليها كلغة موحَّدة وموحِّدة هي بحد ذاتها محاولات شعوبية بثوب جديد تسعى للإساءة إلى القرآن الكريم ، والإساءة إلى الأمة العربية بقصد إحداث هزات في كيانها بغية هدمها والقضاء على كل ما تحمله من تراث وقيم وحضارة وتاريخ عبر ابرز مقومات القومية والتي تتمثل في اللغة.
إن لغتنا العربية هي جوهرة صافية لا يؤثر عليها غبار المارقين ، ولا مثالب الأعداء، ولا يمكن أن يعتريها الصدأ والشوائب القاتلة إذا أحيطت بالعناية الفائقة.

السابق
القراءة الأنثروبولوجية للنص الأدبي ذهب مع المطر
التالي
برقية عاجلة إلى وطني

اترك تعليقاً