القصة القصيرة

لم أسرق رغيف الخبز

دَقَت الساعة الثانية عشرة ليلاً وهو يُقلب ويبعثر أوراقه وكلما كَتب سطراً في قصاصاتِه الصغيرة دَعسها بيديه ورماها خلفه لكن بعض الوريقات فلتت من بين أصابعه، أبعد الكتب التي أمامه، عناوين كثيرة منها من أكمل قرائتها والأخرى لم تتعَدَ عشر صفحات، تذكر بأنه قضى الليلة السابقة يَدرزُ حزمة من الورقِ، بكت الحروف والكلمات حتى اختلط الدمع مع الكحل من عينيها, هربت منتفضة بعد إن فاقت من نومِها مفزوعة، تلك الكوابيس المخيفة كحجرٍ ثقيل جثمَ على صدرِها، نظرت الى والديها كانا غارقين في نومٍ عميق عن تعب نهار طويل لم يذوقا طعم الراحة، جلست في حديقةِ الدار تبكي بحرقةٍ، فكرت بطريقةٍ للأنتحار بأية وسيلة، كلما ارتسمت صورته أمامها توقفت عن التفكيرِ السوداوي، أصوات غريبة بدأت تسمعها من بين الأشجار الكثيفة، التفتت الى الوراء شاهدت رجل يجري بسرعةِ البرق الى داخلِ الدار وحركة شخص ينادي عليها لاتستطيع تمييزه، فركت عينيها بباطنِ كفيها كان يتخفى من شجرةٍ الى أخرى طوله المعتدل وعينيه تبرقان في ذلك الليل المظلم كالنجوم المضيئة، غمرتها فرحة بداخلها ربما عاد لي الرجل الباسم ولم يتركني وحيدة! ..دَخلتَ على حياتي عند أول مرة شاهدتكَ تبتسم في سطحِ داركم وتؤشر لي بحركات توحي بالإعجاب ساعتها أرتسمت صورتك في كل خلية من جسدي، سَمَعت من أهلها عن تلك العائلة التي سكنت تلك الدار المجاوره لهم ولم يعرف عنها أي شيء فهم لا يختلطوا مع أي جار لكنها لم تتمكن من الالتقاء به أبدا فهو يلازم سطح داره كلما أرادت رؤيته كان بإنتظارها لتبادل الابتسامات حتى مضى عام كامل كل يوم ترقب باب دارها لعله يأتي لخطبتها ..بدأت أغصان الشجرة تتحرك ..
– أرجوك مرة واحدة فقط ألمس يديك حتى أقبْلها بشفتي التي أضناها العطش.
وقفت حائرة، تركت مكانها..نعم هو اللقاء الذي كنت أنتظره منذ عام عندما تقابلت عينينا بنظراتٍ وحملت نسمات الهواء قُبْلاتي لك وأنت تبتسم !
ألم تخبرك خيوط الشمس التي تُشاكس خصلات شعرك كم أنا أحبك؟
ألم تسمع تغريد العصافير التي نقلت أشواقي وحنيني اليك؟
كل يوم أتعطر لكي أراك أحببتك دون أن أعرف عنك أي شيء! ألم تخبرك نظراتي كم زرعت من الورود في طريقك وطرزت الأماني وأشتريت الملابس الجديدة حتى باتت خزانتي تشكي هجرها!
حبك ياهذا جعلني أعيش كالأميرة التي تمتطي صهوة جواد أبيض ويقودها آلاف الحراس وتغوص في الأعماقِ لتلتقطُ اللؤلؤ والمرجان من بحر عينيك!
ياهذا أتعرف معنى أمرأة وأدها أهلها في دارٍ مظلمة وحبك كان فيها كالشعاع الذي يخترق شغاف قلبي!!
اقتربت من ذلك الخيال الذي تحت الشجرة وصرخت بأعلى صوتها..يارجل أين أنت ألم أقل لك أحبك ألا يكفي ذلك!!
أفاق والدها إثر صوت تسلل الى مسامعه، ركض مسرعاً إلى فراش مريم فلم يجدها، هَزَّ كتف زوجته التي صحت مرعوبة خائفة ..أين هي ياالهي ؟
خرج الاثنان يبحثان عنها كانت مريم تمسك بالشجرة وتبكي كالطفل الذي تركه والداه ..أبنتي اتركي هذا الهاجس الذي يلازمكِ ألم نقل لك بأن ذلك الرجل الباسم الذي تعلقتي به وأحببتيه مجنون وأن أهله منعوه من الخروج وجعلوه في سطح الدار هو مبتسم دائماً.
لا ياأبي أنتم مجانين … هو عاشق لي وأخبرتني عيناه بأنه لايستطيع العيش دوني..
َهَمَسَ الاب لزوجته نحن بأي حال أني أفكر هل أحصل على عمل لتوفير رغيف خبز لكم . لابد لنا من عرضها على طبيبٍ نفساني غداً.
التَفَت الى كومةِ الأوراق والقصاصات التي كَتب فيها قد إمتلأت بالكلماتِ تنظر اليه بحزنٍ وخوف،
أعاد قراءة القصة التي كتبها نظر الى مريم وجنون الحب الذي أفقدها عقلها، هَزَّ رأسه أهكذا يفعل الحُب باصحابه فلم تعجبه مزقها الى أجزاءِ صغيرة تناول كتاب البؤساء الذي أمامه.((وقد أمضّه صراخ أطفال أخته الجوعى، مد يده ليسرق بعض الأرغفة من دكان خبّاز وقد لحق به الخبّاز ليوقعه في يد الشرطة التي لم ترحمه ولم تهتم لبؤسه وأسبابه التي دفعته الى السرقة وحكم علية قضاة ذلك العصر بخمس سنوات في السجن مع الاشغال الشاقة))..أغلق الكتاب وقال الفقر والحب لايجتمعان في مكانٍ واحد كلاهما يجهز على الاخر حتى يصرَعَهُ قتيلاً.
رفع (جان فالجان) يده صارخاً لم أسرق رغيف الخبز من أجلي.

السابق
لعبة جديدة
التالي
لأنك مني

اترك تعليقاً