القصة القصيرة

لوحة الجمال

في زمن الخوف ، استسلم العالم لسلطة القبح الذي نشر جنوده في زوايا الكون ، ينتزعون اثواب الجمال التي كانت تكتسي بها الموجودات المتعلقة بأذياله ، تمادى أكثر حتى طلب من الجمال نفسه أن يتنازل عن عرش مملكته ويتحول إلى قبح ، أو يذبح ، طلب ذلك وهو يعلم أن الاستجابة مستحيلة ، كيف يتحول الإيثار أو الإخلاص أو التضحية إلى قبح ، أن الأشياء التي تتزود من الجمال حتى تصير جميلة ليس من السهولة أن تتحول إلى قبح كيف بالجمال نفسه .
الكل كان على موعد مع الجمال في بيته ، يأتون ليتزودوا منه لعله يسقط عليهم رذاذا منه تطهر أجسادهم ، لكنهم هذه المرة ، سمعوا أنه قرر الخروج إلى مدينة الحب – خوفا من الذبح – يريد أن يرسم لوحة كبيرة على أرض المدينة ، يجسد فيها جمال الكون بأبهى صورة ليشع نوره في العالم كله ويزيح القبح فتطهر الموجودات من أكوام القذارات التي نشرتها جنوده في كل مكان .
الكل صار يتساءل
– الجمال ترك بيته خالياً وخرج ، هل يمكن أن نتزود من بيته وقد خرج منه يطلب مكان آخر ؟ هل يعني ذلك أننا يجب أن نلحق به أذا أردنا أن نتزود منه ؟ يقولون أنه يتجه نحو مدينة الحب ، وهل أن مدينة الحب غير المدينة التي فيها بيته ؟
تجمعت عناصر الجمال ، وبدأت الرحلة ، كان الإيثار بارزاً بينهم ، وكأنهم يحتمون به ، ويطمئنون عندما يرونه بينهم ، وصلوا مدينة الحب ، التفت حولهم جنود القبح وكان الخوف والطمع والخذلان أكثرهم شراسة ، قال القبح
– يجب أن يقُتلوا قبل أن يرسموا اللوحة التي فيها نهايتنا جميعاً،
قتلوهم وسالت دمائهم ، لكنهم اخذوا يرسمون لوحتهم بدمائهم . القبح تملكته الدهشة وساوره العجب لأنه لم يتصور أن ذلك ممكن أن يحصل ، كيف ترسم لوحة الجمال بالدم ، كان مستغرباً لأنه لايعرف الفرق بين أن تسيل الدماء من التضحية أو الإيثار وبين أن تسيل من الجشع والطمع .
تناثرت دماء عناصر الجمال وملأت أرض مدينة الحب ، حيث جسدت بأول الدماء أجمل صورة للتسامح وقبول الأعتذار ، وقرب نهر حزين جُسد الإيثار ، وسالت دماء الإخلاص والتضحية والفداء وبقية عناصر الجمال ، واكتملت اللوحة بعد أن خط الوفاء خطوطها الأخيرة .

منذ سنين أكتملت اللوحة وشع نورها ليضيء العالم كله وأصبح الجمال واضحاً والكل يستطيع تمييزه بسهولة وأفتضح القبح ، لكنه مازال موجوداً .
أستغرقت في تفكير عميق بانت لي خلاله صور كثيرة وتساؤلات اكثر
– أيعقل أن كل تلك التضحيات لم تكن كافية لإزالة القبح المخيم على هذا الكون ؟ هاهو ، مازال يحاول أن يطمر معالم هذه اللوحة الخالدة ، ليحجب نورها ويخفيها عن الناظرين لولا أن السيوف التي جرحت عناصر الجمال وأسالت دمائها كانت قد جرحت قلوب العاشقين أيضاً فسالت دماء الحب دموعاً تتساقط كالمطر وتزيل الغبار الذي حاول القبح أن يطمر به معالم اللوحة .

أتجهت بنفسي نحو مدينة الحب لعلني أجد أجابه لتساؤلاتي ، وعندما وطأت قدماي حدود المدينة ، أبصرت اشخاص يتنازعون ، تجتمع الناس حولهم وقد أمتلأت وجوههم بالحيرة التي جعلت عيونهم مفتوحة ببلاهه ، أقتربت من المتنازعين ، تناهت إلى مسامعي أصواتهم ، يبدو أن كل منهم يدعي أنه صاحب مدينة الحب التي رسمت عليها اللوحة لذلك فهو يمثل الجمال ويجب أن يكون باباً له ، حيث لايستطيع أحد أن يعرف الجمال إلا من خلاله . الناس يتساءلون بحيرة ،
– من منهم صاحب الحق ، من صاحب المدينة ، من يمثل الجمال؟
يبدو أنهم ينتظرون أن يحكم بينهم القضاء ، قلت في نفسي
– حتى الجمال يحاولون أن يسلبونه الحرية ويملكونه بالقوة ويقيدونه بقيود مرهقة ، قيود ثقيلة من الظلم والاستعباد ، ومازالت الناس ترزح تحت عبء تلك القيود الثقيلة
لم يدانيني الشك لحظة في أنهم جميعا كاذبون ، لأن الجمال خلق للكون كله ولايختص بفئة معينة ولو تعالت أصواتها ، ثم أن صاحب الجمال من يكتسي بثوب الجمال ، بل يكون قطعة منه بحيث يعرفه من يراه .
أنطلقت راكضاً نحو لوحة الجمال أزوغ من بين الحشود التي مازالت تزحف نحو المتنازعين بأمواج متدافعة . دخلت المدينة , وبينما كنت أسير أحسست بأنني أنقل قدمي بصعوبة كبيرة ، لم يكن بأستطاعتي أقتلاعها من الارض بسهولة فقد كانت تغوص في الأوحال وتمتنع عن الانتقال من بقعة إلى أخرى ، أخذ التعب مني كل مأخذ حتى لم أعد قادر على ذلك المسير الشاق ولم يعد بأستطاعتي تمييز الطريق . وفجأة ، كدت أسقط ، عندما أقتربت مني حشود كبيرة كانوا يجتازونني غير آبهين بي ، تفحصتهم ، رأيتهم يرتدون سرابيل الجشع والظلم والطمع ويتقلدون قلائد الحقد والكراهية ، يتجهون نحو اللوحة بدعوى أنهم يريدون أزالة الغبار عنها ، لكنهم عندما يتزاحمون حولها تتناثر من ثيابهم القبيحة غبار كثيفة تزيد ماينشره القبح عليها ويملئون الأرض بالأوحال التي اعاقت حركتي وحركة العاشقين أصحاب القلوب السليمة واللذين مازالوا يجاهدون القبح .

أجتمعنا سوية بقلوبنا السليمة وأستطعنا أن نستوقفهم ونبين لهم حقيقة أمرهم ، وعندما حرروا أنفسهم من قيود البؤس والشقاء بانت أمامنا اللوحة ، بيد إننا لم نصدق مارأيناه لم يكن الغبار الذي ينشره القبح وحده مايغطي اللوحة ، هناك مجاميع أخرى يرتدون سرابيل النفاق العريضة ويجتمعون فوقها بتزاحم ويغطون معالمها ويمنعون نورها مدعين أنهم يستمدون الجمال وينطلقون منه ، عندما أزحناهم عنها شع نور عظيم مزّق أشلاء القبح وأنتشر الجمال ليغطي جميع الأشياء في هذا الكون .

السابق
استخفاف
التالي
أجنحة

اترك تعليقاً