القصة القصيرة

ليلة رفقة مصابيح السماء

تسللت تلك الأشعة الباهتة عبر ظلمة الليل الموحش،مخاطبة إياي عن بزوغ شعاع الشمس بنوره على ربوع أرجاء الأمكنة ،و حدثتني عن بهوت ضوئها وشحوبه،فبدت بذلك متضائلة صغيرة، نورُها خافِت أمام سطوع تلك الأشعة الملتهبة المنبعثة من قرص الشمس ،الذي يجعلها كمتلاشيات متناثرة في سماء الكون .
كنت كذلك أريد أن أنصت إلى كلامها وأنا أمتطي ذلك البساط الذي يحملني عبر أفياء السماوات.
قلت في نفسي : أيكون لي هذا الشرف الكبير أن أحل ضيفا على هذا المكان؟
أنا أعرف أنه ما من زائر لربوع هذه الكائنات الفضائية ،إلا وكان ممنوعا من الإنتظار أو الوقوف أو المكوث إلى جانبها، وما من وسيلة تمكنه من ذلك، ولو اجتمع كل البشر لهذا الغرض.
كنت محظوظا لمَّا آن لي أن أسبح رفقة تلك الكواكب والأجرام السماوية ، اقتربت من قرص الشمس فقال لي :ما بك تَتَصَبَّبُ عرقا!! ،لا تقلق ولا تضجر، فإنني جُعِلت ضِيَاء وفي وجودي حياة…….،تركت حديثي مع قرص الشمس لمّا اشتد الحرُّ ونفذ صبري، ولم أعره اهتمامي.
رحت أجوب المكان بين النجوم ،وبين تلك الأجرام الصغيرة، سمعت صوتا هاتفا يقول لي :ما كنت لأستوقفك للحديث ،لو لم أجد فيك هذا الصفاء الذي يلازم فكرك ويملأ سماءك، فَتعَالَيْتَ عمَّا اعتاده العوام من بني الإنسان لتعرج إلى سمائنا ،وخالفت في ذلك الناس في تفكيرهم ،وفي مقدرتهم ،وفيما يلازم حياتهم وزمانهم .
قلت :لقد اعتادوا أن يحَدّقوا في الأشياء التي ملأت تلك الأماكن من المدائن ، فالمَارّة منبهرون، وتلك هي البهجة المصطنعة التي انبعثت من أعمدة النور، ومن واجهات المتاجر ….فازَّيَّنَ المكان بالألوان والأضواء …..،تلك الأماكن كانت ذاكرة ،جمعت أجسادا عابرة في هذا الكون المليء بالأسرار.ثم تردد على مسمعي صوت آخر يقول :أجد فيك الوحيد الذي خاض في حقيقة الأشياء التي نأت عن كل مألوف ،وسَرَتْ بين خشخشة تلك الأوراق الصّفراء التي تساقطت حين أتى الخريف،هُمْ كذلك بقوا حَبِيسِي انبهارهم بالقوة والعظمة والألوان ،و….، غاب عن عالمهم سِرُّ الأشياء التي تفرض نفسها من المغيبات أو نوادر الأشياء، وأسرار أخرى ،أحْكمَت قبضَتها على هذا العالم الصغير من الأرض، وذلك العالم الكبير ،الذي جمع أسرار كل شيء .
الآن وقد تعاليت عمَّا اجتمع عليه الناس، وكانوا بذلك أذنابا لِمَا تَوَارَثُوه من أفكار سابقة، وأوصاف خُطَّت في ذاكرة الكل،سأصغي إلى حديثك معي جيدا .
قلت :إن الأمر كله كان من حالة المرء وأحواله ، ومن هواجسه وخيالاته ، ومن حقيقته وحقيقة ماضيه ومستقبله ، و…
وما تَعَالِيه وسمُوّه أو وَضَاعَته ، إلا مرآة عاكسة لعالمه، وعالم تلك الذّات التي فضّلت أن تُفصِح عن حالِها في هدُوء وسكون ،أوفي صخب وضَوْضَاء .
تفاجأت بصوت خافت يوحي بالوهن يقول : كنت أنصت إليك،و تهت في متاهات الأحزان والأفراح ، وجُلْتُ في مسارات الأنفاق الكونية ، ولم أجد أصْدَق من أن أقول لك :إنني كائن عاجز أمام عظمة هذا الكون ،أُرسِل ذلك الشعاع الخافت، مثل شعاعك الآفل في هدوئك وطبعك ، فكنا أنا وأنت ،كائنان من أجل أمر أعْظَمَ، تعالى وسَمَا سُموّا كبيرا ، وأغدق في الجمال ،وملأ العقول حيرة ،فكل منّا قاصِر أمام من ملأ الدنيا بسمائها وأرضها عبقا ونورا بهيًّا و….. فجأة سمعت صوتا يناديني،يطلب مني أن أستيقظ ،فتحت عيني ،وجدت نفسي في غرفة نومي ،بعد عروجي في السماوات ،عبر حلم في ليلة حَملَت كلّ معاني الطُّهر والجمال .

السابق
النور يسطع عى المسيلة
التالي
انسحاب

اترك تعليقاً