القصة القصيرة

ما وراء الامكنة وأنسنه الاشياء

كان المكان ، ومازال مصدرا مهما في الثقافات وفي الاعمال الفنية والادبية والنقدية لما له من بعد ميتافيزيقي وارض خصبه للامتداد الفكري ، وسبر غور العقل الباطن. في غياب المكان وزواله ، نوقظه حين نلتقي برفاق الطفولة.
الامكنة بناسها واهلها وحكاياتها ، بإطارها الجغرافي يجمع فيه الماضي بأسراره وخفاياه وأساطيره ، يثير في ساكنيها احساساً قويا بالتشبث والانتماء وبلوره هوية الفرد ، له معنى خاص في نفوس ساكنيها او الوافدين اليها ، عن طريق استعراض التجليات المكانية المختلفة ووصفها ، فالإحساس بالمكان والتعبير عنه يتناسب تناسبا طرديا كلما اتسعت ثقافة الفرد ووعيه ، ازداد الشعور و الاحساس وتأصل جذوره في الانتماء للمكان فهو مصدر ابداع والهام المبدعين . ان طبيعة المكان وطريقة الالفة والتعبير فيما بينهم تعكس طبيعة هذه العلاقة ومتانه اواصرها ،فهنالك علاقة جدلية في التأثير والتأثر ما بين المكان وبين قاطنيه فهو يمنحهم سماته وطبيعته ، فهو بمثابة الام الحاضنة ، فله الفضل في تشكيل مزاج الانسان ورؤيته الفنية والابداعية ،فهم يستنشقون عطر المكان ،شخوصه ، قهقهات اطفالها، ضجيج نسائها، الابنية ، الازقة ، اضرحة الاولياء ، المكان التأريخ، الناس والذكريات ، الاصوات ، واشكال البيوت والوجوه، فمن فارق حبيبا ، يرى صورته على الأبنية وعلى الاشجار ، وفي وجوه الناس ، يكاد ان يسمع صوته ويشم عطره ، كل ما عاشه من فرح وسعادة ، من ألم وحزن ، كلها ادوات مهمة في العمل الابداعي . والمكان هو ذلك البقعة من الأرض أو المبنى الذي يُمكّن للإنسان على الأرض، أي أن يجعله مكيناً قادراً على الحياة على الأرض. فالمكان بدون حركة لا يصبح مكاناً وإنما قطعة أرض فضاء. فالذي يعطي المكان حياته هي الحركة ، للأمكنة ايضا بعدا ميتافيزيقيا على المبدع في أنسنه هذه الاشياء سواء كان نصباً ،او شجرة ، نهرا او بقايا اطلال ، فهو يحاكيها ويستنطقها وكأن لها روح فيرى الاشياء تارة تذرف الدموع وتارة تضحك او ربما كانت محطة للأسرار المبدع . وكلّ هذه الأشياء تقدم مادة أساسية للمبدع في صياغة عالمه سواء كان فضاءً سردياً خاص بالقاص او الروائي باعتبار المكان مكوناً من مكونات التحليل السردي ، او فضاءً منظورا فنيا مجسدا بلوحة فنية او تمثالا بأبعادها الثلاثة او فضاءً لقصيدة شاعر..

السابق
بنت الحلال
التالي
قارئة الكفّ

اترك تعليقاً