القصة القصيرة

مجدرة بالزبد الفرنسي

قبيل موعد الأفطار بقليل أمسك جهاز{ الريموت كنترول} وراح يقلب المحطات الفضائية, إستوقفته محطته الوطنية وقد بدأت بعرض برنامج عن طبق اليوم.
كان يومه صعباً جداً,وشاقاً فأيام الصيام هذا العام جاءت وموجة حر لا مثيل لها.
ـــ برنامج طبق اليوم!!!!
ـــ يا ألهي هذا أخر ما كنت أتمنى مشاهدته وموعد الأفطار لم يحن بعد.
جميلة هذه الحسناء و قد بدت بارعة وهي تقدم{ الشيف} الماهر لمشاهديها الجوعى, راحت تتلو مقادير الطبق:
ــ كيلو ونصف من لحم الضآن
ــ قطعة كبيرة من الزبد الفرنسي الفاخر
ـــ قليل من الزعفران
ــ كوب كبير من الحليب الطازج
ـــ ربع كيلو من الجبن الايطالي المستورد
ـــ توابل , وأشياء يسمع بها للمرة الأولى في حياته.
قهقه عالياً عندما أنتهت تلك الحسناء من تلاوة وصفتها قائلة:
ــ و كوب من الفسدق والصنوبر للتزيين.
كان { الأستديو} منظماً جداً,أواني زجاجية من جميع الأحجام معدة للطهو, وفرن ضخم بدا عليه أنه باهض الثمن خصص لهذه المأكولات الفاخرة, ألة الشواء في ركن خاص من المكان, {خلاطات} كهربائية يبدو انها لماركات معروفة جداً, والطاهي أنيق المنظر بلباسه الأبيض معتمراً قبعته البيضاء الشهيره.
تذكر فجأة طبقه الذي سيتناوله عندما ترحل الشمس وتطوي أشعتها ليرتوى ضمأ الصائمين ,أخذته رجلاه لمطبخه العتيد, يقبع على الموقد المخصص للطهو قدر صغير وحيد, أسرع أليه ورفع الغطاء , وقهقه مجدداً.
ــ يا ألهي{ مجدره}
ــ والمجدرة يا سادة يا كرام من الأكلات الشعبية المعروفة في بلاد الشام , عدس وارز وبدون لحم ضآن.
حمد الله تعالى وعاد مسرعاً حيث تلك الجميلة ما زالت تواصل الحديث عن القيمة الغذائية لهذا الطبق الرائع
في الحقيقة بدا صاحبنا مهتماً جداً , سال لعابه وعانق احلامه وتأكد له ان هذه الوصفة شهية مع انه لم يتذوقها مرة في حياته.
في لحظة الواقع ضغط على زر التحكم لكنه عدل عن قراره وراح يهيئ نفسه لهذ الأفطار الشهي, بينما كان الطاهي وجميلته يرتبان الأطباق على الطاوله.
صمت قليلاً ثم صرخ بوجه تلفازه قائلاً:
ـــوأنى لنا بلحم ضآن, وكوب من المكسرات الفاخرة للتزيين؟؟؟؟!!!!.
كفاكم إستخفافاً بعقولنا, كفاكم ضحكاً على الذقون, وأنى لي النقود لأشتري جبناً فرنسياً باهظ الثمن وأطفالي يتضاغطون حولي من الجوع ؟, عليكم أن تعدوا أطباقاً للمعدمين أمثالنا,أطباق يجيد صنعها الفقراء وبدون لحم ضآن أيضا.
لم نحفل يوما بمأكولات وحلويات وعصائر فاخرة,ولا نملك كقصوركم العاجية, …..لم يقرسكم برد شتاء ولم يلفح وجوهكم حر صيف
ألتفت يميناً و شمالاً, شعر براحة عميقة بعدما تبين له أن النوافذ والستائر مغلقة بأحكام,
وضع جهاز التحكم جانباً في حين بدأت المحطة ببث أغنية وطنيه راح يهتز لها طرباً.

السابق
قراءة في قصة “صمت وظلماء”
التالي
ذبيح

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. الفجوة الهائلة بين اعلام الحكومات , وبين واقع الناس , تلمحها فى هذا النص الجميل . يسيطر رأس المال بتوجهاته التى لا ترى الا فائض القيمة على الاعلام فيسوق الناس الى قيم استهلاكية , عارضا مظاهر البذخ والترف , بينما المشاهد تطحنه الحاجة, ويتضور أبناؤه جوعا , ولا ينتظره بعد يوم صيام مرهق الا الطبق المعتاد , مجدرة بدون لحم . ومن مظاهر براعة الكاتب الجميل أيمن السردى ذلك الخلط الذى يطالعنا فى عنوان القصة بين واقعه ( المجدرة ) وواقع المترفين ( الزبد الفرنسى ) .. أسلوب القصة وطريقة السرد كانا موفقين للغاية , لولا اللهجة الخطابية الزاعقة التى انزلق اليها النص فى الشطر الأخير من القصة , نص جميل يعكس واقع نلمسه جميعا , لكنه يعرضه بطريقة فنية موشاة بروح ساخرة أعطت النص جاذبية , تحياتى للكاتب المحترم .

اترك تعليقاً