القصة القصيرة

محاكمة داخل الانا

عقلي هو الرئيس في الانا وضواحيها ، يبدو متوترا جدا وهو يدخن ويبحلق الى التلفازالذي كان ينقل على الهواء مباشرة محاكمة لاحد المتهمين بالخروج على القانون وهو العملاق الحب ، كانت المحكمة مستمرة وعقلي كان ينتظر صدور الحكم بفارق الصبر لان الحب اتعبه كثيرا وذلك لعدم تناسبه مع وجود الاختلافات الكثيرة بعد وفاة الاخوين -الحوار الموضوعي وقبول الاخر- مما ادى الى التضارب بين المفاهيم العقائدية والاسس المعرفية التي تبناها العقل من خلال مسيرته التفكيرية المستمرة ، لكنه كان متاكدا من ان الحكم سوف يكون باعدام الحب شنقا حتى الموت ، لعمق الاختلافات .
المحكمة مستمرة والحاكم وهو الزمن يجلس بكل ثقة على مقعده الخاص واضعا يده على طاولة عريضة تحمل بعض الاوراق ومطرقة تبدو ثقيلة ، اما الحب –المتهم- فقد كان داخل القفص غير مكترث لماحوله ، واقفا بقوته وشبابه ، وهذا ماجعل المحامي وهي السيدة -المشاعر الانسانية- تبتسم ابتسامتها ذات الطابع الحزين وهي تنظر الى الحب المتفائل .
اصطف الشهود ، وهم كثيرون ، المصالح الخاصة والتقاليد والاعراف والمسلمات وكذلك الدين ، وقد حضر المحاكمة ايضا سيدنا المبدا الكريم ، وتخلف بعض الشهود لضيق المكان . اما المدعي العام وهو الاختلاف فقد كان منشغلا بترتيب اوراق متناثرة على طاولة يقف خلفها .
المحكمة مستمرة ، مازالت السيدة المشاعر تتكلم بصوت ملائكي وهي تصور الحب ، وتبرهن على انه اساس الحياة وبذرة كل معانيها واهدافها وهو اساس كل ابتسامة صادقة وكل دمعة صادقة واساس الصدق والصداقة والتضحية ، لكن احد الشهود ، يبدو عليه تعب شديد وهو من التقاليد الاصيلة قاطعها بصوته الابح بعد ان اهتز يسعل بخشونة وبدا يلقي عليها مقالة من كتاب قديم ، فسكتت واخفضت راسها وعندما عاد يسعل مرة اخرى استرسلت بالكلام ولكن سرعان ماقاطعها شاهد اخر ، كان من المصالح الخاصة ، اخذ يشرح عن القدرة واهمية المال في تحقيق جميع الاهداف والمشاريع التي غالبا مايتعارض تحقيقها دون الغاء الاخر ، وتكلم ثالث عن اثر المستويات والالقاب والطبقات على المجتمع واستمر الشهود بالقاء ماعندهم واحدا بعد الاخر حتى قام الدين بكل ثقة وعلى وجهه ابتسامة امتنان ابوي مشيرا للحضور الذين قاموا جميعا اجلالا له بالجلوس
– اما انا فكلكم متفقون باني الاكثر تاثيرا على مستوى التفاهم والتقارب بين الناس ، فمثلا هل يتصور احدكم ان يبقى شئ من التفاهم او التقارب اذا مست احدى المقدسات .
بينما استمر الدين بالقاء الامثلة التي لاتنتهي ، ادارت المشاعر وجهها ، واتجهت نحو المبدا تستنجده ، وقد بدا على وجهها سيما خوف وحزن ، قال لها بكل هدوء
– انا ثابت لااتغير مهما تغير الواقع لكن يبدو اننا لانستطيع تجسيد كل مبادئنا ، لنجاري الواقع ،
خفضت المشاعر راسها بانكسار وبدات بالبكاء والنحيب ، وهي تلقي اللوم كله على المدعي العام –الاختلاف-
– دائما اخسر كل القضايا الانساتية بوجود هذا الاختلاف البغيض
عم المكان الهدوء ، اقترب منها الاختلاف ببطء واخرج من جيبه منديلا ومسح به دموعها برقة وحنان
– انا اسف
نظرت اليه نظرة متسائلة وهي تتذكره تلك الليلة ، حين صارحها بانه يحبها ولايستطيع العيش بدونها ، اما الان وبعد وفاة الحوار الموضوعي وقبول الاخر اصبح وضعه عصيبا جدا
لكن …. ومن اثر صوت المطرقة الجديد ، خفض الاختلاف راسه وابتعد عنها متداركا البكاء .
تحولت نظرات الحضور نحو القاضي وهو يتهيأ لاصدار الحكم النهائي ، اما عقلي فقد كان يضحك ضحكات هستيرية امام الشاشة لان الحكم اصبح محسوما الان ، لكن هذه الضحكات اسكتتها كلمات القاضي الذي اصدر الحكم بالافراج عن الحب الى الابد .
بعد ايام اتضح بان رجل الاعمال الكبير قلبي كان يرشي القاضي فاستقال عقلي من الرئاسة .

السابق
خناقة بلدي
التالي
ضجيج

اترك تعليقاً