القصة القصيرة

مدد .. مدد

تجشمت عناء السير نصف ساعة على الأقدام حتى وصلت العزبة مع أصدقائى .. رغم أنى لاأحب الموالد لبيت دعوة عبد الرحيم زميل دراستى بالثانوى.. وهو بالمناسبة إبن صاحب المقام والخليفة المنتظر ..
أسرعنا الخطى لنلحق المولد من بدايته .. وأيضا للتدفئة من برد الطريق ..ومع ذلك فاتنا كثير من أحداثه ..
تهلل وجهه ورحب بى .. قائلا :
– أنا مبسوط جدا إنك جيت .. إعمل حسابك العشى مع الشيخ ..
– الله يكرمك يا عبده .. يجعله عامر إن شاء الله ..
فى ساحة كبيرة تشبه ملعب كرة قدم متوسط .. وأمام بيتهم الكبير (الدوار) الذى يجاورمقام ومسجد أبو عودة الكبير .. جدهم العاشر كما يقول عبد الرحيم .. ينعقد المولد كل عام .. أسبوع من الإحتفالات ينتهى بالليلة الكبيرة التى نحضرها الآن .. من حسن الحظ أنها ليلة الجمعة .. يعنى غدا أجازة ..
تركنى عبد الرحيم لأنشغاله .. إنطلقت مع أصدقائى وسط رواد المولد .. الذين أتو من معظم قرى المركز .. بل ومن محافظات أخرى .. لا أدرى مدى معرفتهم بكرامات أبو عودة الكبير .. أو الشيخ ياسين والد عبد الرحيم ..
المولد عالم آخر تماما .. مراجيح وحاوى وبمب ونشان .. وبحوارهم بائعى فواكه و نصبة شاى وغرزة بلدى فى طرف الساحة .. وناس تبيع سندوتشات و حلويات ولعب أطفال .. المعلم حسونه الحلوانى وما يصنعه أمام الناس حلاوة مستوية وعسلية (الآلبندا ).. ولاتنسى لعبة الثلاث ورقات والكوباية والعاب حظ كثيرة ..
نسير وسط أطفال تجرى و تتقاذف بينها كرة شراب .. خلق تضحك بصوت عال .. و شباب يتسكع بالمولد .. وبائعين لأشياء لا لها علاقة بالمولد .. باحثين عن أرزاقهم بكل وسيلة .. كل يبحث عن بغيته ..
وبحلقة الذكر أمام المقام تكتمل لوحة المولد النموذج .. يجلس الشيخ أبو عودة فى صدر الحلقة .. يغطى وجهه بشاش أبيض والكل يسلم عليه .. ومعظمهم يقبل يديه و يعتقد فيه كرامات كبيرة ..
وهناك بحوار جلسة الشيخ يقف المنشد الأعمى محمد أبو زيدان .. ممسكا بعصاه المعدنية الصفراء الجميلة .. يطرق عليها بخاتم فضى ضخم فيصدر صوتا جميلا .. وينشد على ألحانها بصوت رخيم ابيات شعر مجهول المؤلف .. فتصبح كأنها ترانيم سيرانية قديمة ..
اقف بعيدا أتابع تمايل الذاكرين مع صوت الشيخ أبو زيدان حتى يقف أبو عودة معلنا إنتهاء الذكر وبداية تقديم العشاء .. يدخل رجال من العزبة مع نساء تحمل صوانى الطعام .. تضعة أمام الغرباء بالساحة ..
ينطلق الشيخ داخلا المندرة فى صدر الدوار ورائه أتباعه .. يشدنى عبد الرحيم معه للمندره ..
غرفة ضخمة بحجم ثلاث غرف .. بها مجلسان بينهما مسافة فارغة .. تم فرش سجادة كبيرة فيها وعليها صوانى الطعام وبها ما لذ وطاب .. ووضعت اطايب الطعام كلها أمام الرجل (الشيخ أبو عودة) ليوزعها على الحاضرين.. جلست أنا وعبد الرحيم إبنه فى صدر الجلسة بجوار الشيخ وبجواره من الناحية الاخرى الشيخ الهادى وباقى الجوقة الخاصة بأبو عودة .. راح يحكى مناقب جده الكبير فى زهو غريب لامبرر له ..
تسمع أحيانا ترنيمات يطلقها محمد ابو زيدان .. فمه ملئ دوما بالطعام .. يداه تغوص فى صدور الطيور أمامه .. إفتقدت موسيقى عصاه الصفراء .. امتدت جلسة الطعام فترة كبيرة وبالكاد إزدردت بعض اللقيمات وتوقفت .. الكل فى تركيز مع فم أبوجودة وصوت أبو زيدان وصوانى الطعام التى قاربت على الفراغ مما كان بها من جبال من كل انواع اللحوم .. قضيت الوقت مستمعا بضجر شديد .. لحديث تاريخى ممل وشعر غريب ردئ .. وأصوأت إرتطام الملاعق بالصحون وبأسنانهم بنهم شديد .. ومضغ الطعام والتجشوأ اللاارادى .. وانقلبت معدتى تماما ..
حاولت الانصراف بعد الأكل .. غمزنى عبد الرحيم بأن أبقى لآخذ هديتى .. حاولت التملص منه متعللا بتأخر الوقت .. وعدنى بتوصيلى بالمهرة لباب بيتنا .. قبعت وحدى بعيدا بركن الغرفة .. فرصة لمتابعة باقى الحكاية ..
فجأة وجدت من بالقاعة ينتفض واقفا .. دخل أربعة من ضباط شرطة .. سلموا على الشيخ الذى وقف يستقبلهم بحرارة وأجلسهم بجواره .. لاحظت أن أحدهم أعطى الشيخ لفافة صغيرة .. تناولها منه بإمتنان .
نادى الشيخ إبنه الكبير .. جهزوا مائدة عامرة .. إنهمك أربعتهم فى إلتهام الطعام والحديث مع الشيوخ .. بدا الود واضحا فى حديثهم .. حين إنتهوا من الطعام والشراب .. غادروا متعللين بإكمال باقى الدورية ..
بعد خروجهم تقلص العدد إلا من المقربين فقط .. كلهم إنتظارولهفة .. يجلس أبو عودة بوسط الحلقة منتفخ الأوداج .. يخرج من جيبة قطعة بنية صغيرة .. ناولها لحسونه .. يأخذها بشغف وإعجاب ويسأله :
– منين الهدية النميسة دى يا مولانا ؟
– أرزاق يا إبنى .. من أبواب الله المفتوحة .
تأملت علاقة الشيخ أبو عودة بحسونه الحلوانى .. رغم فارق كل شئ بينهما .. أتعجب من زياراته الليلية .. يمر من أمام منزلنا راكبا مهرته الجميلة .. فى مواعيد شبه ثابتة ذهابا وعودة .. الحياة تجمع المتناقضات ..
أقول دوما لله فى خلقه شئون .. حتى الشيخ الهادى وجوده غير طبيعى رغم قرابته بأبو عودة .. الفارق كبير بينهما .. ازهرى يخطب الجمعة وله مريدين كثر منهم أنا وأبى .. أبو عودة ومحسوب على الصوفية .. بل يعتقد أنه صاحب مقام وكرامات ..
تعبت من افكارى و تفسيراتى .. صمت وعدت لمشاهدة السيرك .. وبدأت جلسة غريبة ..
خفتت الانوار وعم الدخان الأزرق المكان لما دارت الجوزة بين الجالسين .. كل يشد منها بقدر طاقتة .. فيما تخفت النار يتعهدها الحلوانى بالتغيير كل لفتين .. فيما انتهت فترة التسخين بعد أول تغيير للنار .. إشتدت المنافسة بين المتشادين .. أشعلها أبو عودة بشدة طويلة رفعت لهب الحجر لأعلى .. إنتشى الحلوانى وقام يرقص .. وبدأ يغنى بصوت ردئ :
– إحنا معلمين إحنا معلمين ..
وانبرى أبو زيدان ينشد بصوت رائق هذه المرة ويضرب بخاتمه على عصاته :
– وأنا طاير زى الريشة .. مع حتة حشيشة .. محطوطة على أحلى شيشة ..
فيما ضج الحضور بالضحك .. وجاء دور الشيخ الهادى ليدلى بدلوه .. و بشدة عميقة أقوى من أبو عودة .. أضاء الحجر وجهه .. إنتشى لها الجميع وأوسعوه ثناءا .. أطربه ذلك فأنشد شعره فيها :
– ثلاثة يمنعن الحذر .. الجوزة والماشة والحجر .. قالها وضحك وعلت ضحكات الجميع بالقاعة .
وضاعت الاصوات فى التهليل والتكبير وتهنئة الشيخ على شعره اللوذعى .. واستمر دوران الحلوانى بالجوزة .. وزادت قوة الشد ومعها بدأوا فى أحاديث مليئة بكل ما هو .. فانتازيا محزنة ..
فيما أصبت بذهول مما أراه أمامى .. لم أعهده من قبل .. لم تترك الدهشة مكانا بعقلى إلا طرقته بشدة .. قاومت دهشتى وقلت فى نفسى .. تجربة جديدة تضاف لى .. تمنيت أن تنتهى بسرعة وألا اعود اليها أبدا .. صمت الجميع على وقع أصوات خناقة بالخارج .. فجأة دخل عبد الرحيم يشتكى لوالده من أخيه الاكبر .. يرفض أن يعطيه أى شئ من النذور لكى يوزعها على أصحابة .. أذهلنى ما سمعت وشعرت بالخجل .. قال له والده أن يؤجلها للغد .. ذهبت نشوة الجلسة وعم الوجوم على وجوه الجالسين .. بدأ البعض يتململ ويحاول المغادرة .
وقام الشيخ الهادى محييا الجالسين .. قال لى وهو يغادر الغرفة .. كأنما تذكر وجودى فجأة :
– أنا لسه فاكر سؤالك عن علامات الساعة .. إطمن يا بنى لسه شوية .. ربنا مأذنش لسه .
نظر الجالسين للرجل ببلاهة شديدة .. صمتوا وكأنما على رؤسهم الطير.. أما أنا فقد باغتنى بما قال ..
السؤال قديم وأنا نسيته .. لم أتوقع الإجابة فى مكان وظرف كهذا .. رددت بلا تفكير :
– ربنا يستر يا مولانا .
– هأخطب الجمعة عندكم فى البلد .. أشوفك بعد الصلاة إن شاء الله .
تلكأت بالاجابة برهة .. قلت وكأننى لاأريد الرد ..
– إن شاء الله .. يامولانا
أعجبن

السابق
خصـــام
التالي
إيثار

اترك تعليقاً