القصة القصيرة

مدير

إن أول ما أقوم به عند استيقاظي من النوم، هو التوجه سريعا إلى المرآة للنظر إلى وجهي حتى أتأكد من بقاء ابتسامتي سالمة لم يمحها الظلام.، و لم يذبلها النوم. أحرص على بقائها ، و أسعى إلى تلميعها كنوع من التشحيم لتظل قادرة على العمل أطول فترة ممكنة، أبعد عنها صدأ الرقاد و النقد. فأنا أعتبرها طريقة لجلب المحبة و إبعاد نيران الكره. فالابتسامة صدقة كإماطة الأذى عن الطريق ، فهي تميط عن القلوب المتحجرة أستار العتمة فتستبشر بوجهي النظر و ما علق به من ابتسامة رسمت أحرفها بريشة فنان.
لقد نجحت في كسب ود مديري ، و جلب أصدقاء كثر ، كما جلبت أعداء ساخرين من ليونتي و قدرتي على تحمل الأذى و النقد الجارح للذات، و ما علموا أنني بسلوكي هذا أني قد امتصصت غضبا لامحدودا ، فالانحناء للريح فضيلة تسهم في الحفاظ على الشجرة من فقدان أغصانها. استراتيجية تعلمتها من ذكاء الطبيعة.
لقد مارست ابتسامتي على هؤلاء حتى سحرتهم فابتعدوا عن تجريحي، و قد كادت اللعبة تنقلب ضدي لما رآني المدير أبتسم في وجوههم، و هم أعداؤه، فظن لوهلة أني أميل لجانبهم ، و أقف ضده، داريت حرجي باتسامة عريضة نورت وجهي فصار شمسا أذابت غيوم شكه.
كانت ابتسامتي الساحرة فأل خير علي، و مفتاحا لقلوب العذارى، و فسحة مغامرات لذيذة و قتوحات عديدة.
أذكر أني كنت في سوق ممتاز، أبحث عن بضاعاتي ، و إذ هممت بالانصراف، شاهدتني زوجة المدير، و كانت تدفع عربتها تريد التوجه بها إلى سيارتها، فابتسمت لها هي الأخرى، رأيت طيف رضا بدا على محيايها فنادت علي أن اقترب ، ثم رجتني أن أساعدها في حمل متاعها إلى صندوق السيارة ، و لأني فعلت فقد رجتني أن أرافقها إلى المنزل، و هناك دعتني باتسامة مشرقة أحلى من ابتسامتي أن أوصل القفة إلى المطبخ، كانت تتبعني بأنفاسها اللاهثة. منحتني كوب عصير ، ثم دفعتني إلى غرفتها، لست يوسف لأجعلها تقض لباسي من دبر، فقد أقبلت على المائدة بشهية ، أرضت مضيفتي و وصل شهيق رضاها إلى أبعد مدى، أوصل زوجها على وجه السرعة مخطوف الوجه مخافة أن تكون شهقة زوجته الأخيرة، لما وجد اليناعة ظاهرة على وجهها و بينة ، أثنى علي، و دعاني أن أخلص لواجبي الجديد ، و أن أبدي همتي كما فعلت الآن.
يسرع الحارس إلى فتح الباب أمامي كلما اقتربت ، و يحمل حقيبتي إلى مكتبي يسبقني فاسحا الطريق أمامي، و قد رسم على وجهه ابتسامة ملغزة. يقف الموظفون لدى رؤيتي كلهم يحملون ابتسامة متشابهة، حيرني الأمر. اقترب مني البعض و همس في أذني :
_إنك تهدر طاقتك مجانا، ترقيتك نائب مدير لتوريطك في أعباء جديدة.
يقول لي ذلك، ناصحا، شامتا، ساخرا، أو متعاطفا، لست أدري.
أنظر إليه_هم باسما ، كما تعودت، إلا أني أحسست بصعوبة ذلك ؛ تكاد الابتسامة تمزق جلدي..
هذا الصباح ، أنهض فزعا، بقلب خافق، و مزاج عكر، و تعرق ، و ارتعاش في الأطراف، فقد حلمت أني قد بلغت من العمر عتيا، تيبست عضلاتي و أصابها الضمور، و حين أقبلت على الشركة، لم ينهض الحارس، لم يفتح لي الباب، لم يحمل عني الحقيبة، جل ما قام به، أنه دفعني بيده الرفش ، كاد يسقطني، لكني تماسكت بصعوبة. لقد منعني من الدخول. في تلك اللحظة، أقبلت سيارة زوجة المدير، توجهت صوبها لأقدم فروض الولاء كما تعودت، بيد أنها أشاحت بوجهها عني، و تركتني في حيرتي قائما، لاحظت جنبها شابا وسيما لم يسبق لي أن رأيته. سعيت إلى أن أخبرها بما فعله الحارس الصلف، تحركت السيارة و تركتني أستنشق عبير الدخان.
تحاملت على نفسي، و اتجهت صوب المرآة، رجل توجس تجرني إلى الخلف تمنعني، و رجل الفضول تدفعني إلى الأمام لحسم الموقف. رأيت، و يا ليتني ما رأيت، رأيت تجاعيد في جانبي عيني، و انتفاخا للجيوب السفلية، و رمادا يكسو رأسي، و وهن..
تحاملت على نفسي، رجل تجرني إلى الوراء، و أخرى تدفعني إلى الأمام، بالكاد بلغت المرآة..
تحاملت على نفسي..

السابق
غافل
التالي
خيبة أمل

اترك تعليقاً