القصة القصيرة

مدينة الراحلين

تلاشى كل شيء، ذلك الطنين اللعين في أذني يهزني لأعلى فأصير نقطة سوداء في بياض. بياض يعلوه بياض. لا أدري كيف انتقلت من عالم يحفل بالسواد إلى كل هذا البياض. نصوعه أبهجني و أفرح قلبي، عين واحدة تنظر و الأخرى مغمضة رغم كل محاولاتي لفتح الجفن الذي أغلق بإحكام يأبى أن يطاوعني. ضجرت عيني من كل ذلك البياض، أصبح يؤلمها، أنى أدرت رأسي وجدت البياض. على غير انتظار انشقت قطعة من البياض و تشكلت في هيئة رجل يلبس بياضا من قدمه لقمة رأسه. عرفت فيه أبي. هو ذا يناديني باسمي و يقترب النداء. طاوعني لساني في إجابة النداء و صدر مني شيء كالعويل:
– لبيك يا أبي.
رغم ضعف قاهر و بياض خانق مازلت أستطيع أن أفكر، أتذكر أن أبي قد مات. أمضى حياته في أشرف مهنة مارسها مخلوق. امتهن التدريس. كان فقيها نحريرا يعرفه صغراء القبيلة و كبراؤها على حد سواء. كان يعلم كتاب الله و أصول الدين لناشئة القبيلة و من جاء من قبائل أخرى يلتمس العلم. استمر في ذلك حتى مرض و هرم. هو ذا يقترب و بين عينيه نور غشي عيني المفتوحة. قال بعدما صار قاب قوسين مني:
– بني، ما هذا الضال الذي أنت فيه. أنت اليوم غارق حتى أذنيك و تدعي أنك تسبح. استيقظ. طريقك مرصوفة معبدة، و أنت تأبى إلا أن تسلك سبلا أخرى غير ذات تعبيد. نومك هذا قد طال و قد حان الوقت لتستفيق و تعلن لنفسك انك عائد عائد. طريقك تعرفها و توقن أنها سالكة عكس هذه السبل المخوفة التي تختبرها.

عند ذاك انفتحت عيني التي كانت قد أبت و اختفى جل البياض إلا ما يحيط بأبي. صار النور بين عينيه مشعا أكثر مما كان. انهلت على رأسه أريد لثمه. بخفة سريعة ابتعد و تركني منهارا مكدود القوى. ناديته و هو سادر في ابتعاده:
-أبي لا تتركني، دعني أقبل رأسك، دعني ألثم هذا الجبين الوضاء. لا تدعني فلست بعارف بالطريق التي ذكرت.
غير مبال بي و بنداءاتي المتكررة أوغل في الابتعاد. بدأت أسمع صوته صادرا من كل مكان من حولي و هو يتلو: ” و هدوا على الطيب من القول و هدوا على صراط الحميد”. استمعت و قلبي خاشع، أحسست بسكينة عجيبة لفتني، اعترتني طمأنينة لم أعهد لها مثيلا. جعلتني أتساءل: أين أنا ؟
و كنت في ارتفاع مهول بين السحاب، أردت أن أغرس قدمي في أي شيء جامد يقيني شر السقوط فما وجدت. كل شيء غير ثابت. ما هذه الليونة؟
و لأن دوام الحال من المحال ابتعدت السحابة فهويت من أعلى و صرخاتي تعلو و الأرض في اقتراب، و صرخاتي تعلو و الأرض في اقتراب.. ثم تلاشى كل شيء.

استيقظت و أنا أشكر الله أنني كنت أحلم و إلا لكنت هشيما من سقطة السحاب. وجدت في أذني بقايا تلاوة الآية و هدوا إلى الطيب من القول. ما هذه الزيارة يا أبي ؟ لم تزرني منذ مدة طويلة، أي نداء هذا الذي ينتظر الإجابة؟
كان صباح يوم جمعة، لما فتحت الباب نظرت إلى السماء فرأيت اكفهرارا ينبئ بقطر. أفطرت فطورا سريعا و انتهى تفكيري إلى زيارة أبي في مرقده. في الطريق إلى المقبرة أخذتني الخيالات إلى مناطق بعيدة بيني و بينها مفاوز، فكرت في فلسفة المعري كيف قال: هذا ما جناه علي أبي و ما جنيت على أحد.
يعني أن أباه جنى عليه بجلبه للعالم و هو يعلم أنه قاس، لو كان يدرك كيف يكرم ابنه لتركه هناك في صلبه قال: و إذا أردتم بالبنين كرامة فالحزم أجمع تركهم في الأظهر. لا أدري لم قفزت فلسفة المعري التشاؤمية و استولت على شاشة أفكاري المشوشة.
كان الجو بالنسبة لي رغم اكفهراره بديعا، نسمات الصباح قتلت في كل كسل، أسرعت الخطى لأدرك المكان قبل أن يعج بالنساء الباكيات. بدأت في قراءة سورة يس قبل أن أدرك باب المقبرة المصبوغ حديثا بلون قاتم كالموت. كتب عليه احد المشاغبين بطبشور أبيض “مدينة الراحلين… المرجو عدم الإزعاج”
-أيها المشاكس، ماذا تسمي هذا إن لم يكن إزعاجا-
تدبرت العبارة هنيهة، لفت انتباهي كلمة راحلين لما لها من مدلول متواصل مستمر، فجنسنا الحي إنما هو في رحلة بدايتها صرخة الولادة و آخر خطوة فيها هنا. دفعت الباب فلم ينفتح، كنت أعرف أن الحارس الكهل لا بد أن يكون قد أغلق الباب من الداخل بالمزلاج، لذلك ناديته. هو يسكن بغرفة ملحقة بالمقبرة بنيت خصيصا له. صرخت باسمه مرات دون فائدة تذكر. طرقت الباب بحجر لعله يسمع، طرقته مرارا حتى سمعت صوته و هو آت يتنحنح.
فتح الباب و في يده رفش. قلت: السلام عليكم. رد بوجه متجهم زادته التجاعيد انقباضا. من عاشر الموتى لسنوات لابد لوجهه أن ييبس و يكلح . لا تسأله عن أحد حتى يسارع بالترحم عليه و الدعاء له و لو كان حيا يركض. قلت له إن الوالد في انتظاري و أنا هنا لزيارته. أشار بالرفش ناحية الممددين. قال:
– احذر، فقبل أيام قدمت فتاة تزور أمها فخرجت من هنا محمولة. لدغها ثعبان، و المشكلة أن الثعبان فر منا وولج حفرة صغيرة كانت في قبر أمها و كأنه هي من تحميه.
قال ذلك بوجه ضاحك فاستغربت منه هذه القسوة الجامدة التي قص بها علي هذه القصة المحزنة. ألقاها على مسامعي و كأنها نكتة. شكرته و يممت ناحية الشمال حيث دفن أبي.
تصورت تلك الفتاة و قد حلمت هي الأخرى بأمها، نادتها للزيارة فإذا بها تخرج من المقبرة محمولة إلى المستشفى. إنها رسالة، فيبدو أن الأم لم تكن على وفاق مع ابنتها لذلك كانت رسالتها سامة. تمنيت أن لا تكون رسائل أبي من نفس النوع اللادغ.
بحثت عن قبر أبي ، يكاد المكان يمتلئ بالقبور. قبل شهرين كانت هذه الجهة خالية إلا من قبرين حديثين أحدهما لامرأة و الآخر لطفل صغير. مررت بقبر شيد فوقه شبه صندوق مزين بالرخام، و شاهد القبر على شكل هرم رباعي زوق بالزليج، كتب في شق منه: ” المرحوم علي داوود ساوي”. في أسفل منها كتابة صغيرة لم أستطع قراءتها . كنت مشغولا بتذكر أمور كثيرة ، عندما تشتغل ذاكرتي تمنع العقل من التفكير و من تنسيق الأشياء و تمنع حتى العين من النظر بتركيز. لا أدري إن كان ذلك طبيعيا و لكنه ما يحصل معي. تذكرت يوم كلفني أخي الأكبر بنصب شاهد على قبر الوالد رحمه الله ليكون واضحا عندما نرغب بزيارته. قال إن لوحة معدنية تكفي. فكرت أن المعدن يصدأ و مع الزمن لن يبقى في اللوحة اسم، و يضيع أبي في خلية الراحلين. بحثت عن محل لصنع شواهد القبور، بحثت مطولا حتى عثرت على محل غريب، صاحبه أغرب. دخلت و سلمت عليه ثم انتظرت أن يجيب لكنه لم يفعل. كان ينقش كتابة ما على لوحة حجرية مستغرقا فيها و كأن الوجود ليس فيه غيره هو لوحته و إزميله. أعدت السلام بصوت أقوى لعله أصم . نظر إلى بعين شبه عمشاء و نطق برد السلام في فتور.
قلت له بعد تردد:
– أريد لوحة رخامية تنقش عليها هذه الكتابة.
أعطيته ورقة صغيرة كنت قد أعددتها و كتبت فيها: ” المرحوم الفقيه لحسن البوزنداكي المتوفى يومه السبت 27 مارس 2010 الموافق ل…”
قرأ الورقة بصوت عال. أراد بذلك أن يبريء ذمته من كل خطإ. قال إن ثمن اللوحة يختلف وفق حجمها. أراني لوحة وجدتها أصغر من أن تفي بالغرض. قال إن هناك أكبر منها ولكن ثمنها ثلاثمائة درهم . هززت رأسي بمعنى أنه لا توجد مشكلة. مد يده إلي فلم أفهم. قال: لابد من العربون إذا كنت تريد أن يتم العمل في الوقت المحدد. نفحته مائة درهم واتفقت معه على أسبوع.
رغم أن الرجل الغريب، و الفنانون أطوارهم دائما غريبة، كان دقيقا إلا أنه أخطأ في كلمة الفقيه فصير الهاء دالا. أعجبني الأمر فلم أناقشه فيه عندما تسلمت اللوحة خاصة أنه كتبها بخط كوفي مورق يندر من يجيد الكتابة به.
جثمت بجوار قبر أبي و نفضت عن ذهني كل ذكرى. شرعت في تلاوة سورة يس من جديد. أغمضت عيني حتى تكفا عن التقلب في أرجاء المكان الموحش، و ليتسنى لقلبي أن يخشع مع كلمات قلب القرآن.
” فعززنا بثالث..”، تلوت الآية و تدبرتها و كأنها تشير إلى أولاد أبي الذكور و هم ثلاثة، أستغفر الله الآية طبعا تشير إلى الرسل، لكن عقلي الخرب يحرف الأشياء عن مساراتها الصحيحة. استمريت في التلاوة محاولا أن أركز على الآيات لتدبرها. تعبت قدماي من جلسة القرفصاء فغرست ركبة في الأرض وواصلت ترنمي بتلاوة الآيات.

وفاض علي تبتل اتسع ليشملني فنسيت من أنا و أين أنا و لماذا أنا. ارتعدت فرائصي و كأنني محموم، فانكمشت على نفسي و أزحت أعشابا جافة كانت تحاصرني و انكفأت ببطيء على لوحة الشاهد.

السابق
القداحة الحمراء
التالي
ساعة يد عربيّة

اترك تعليقاً