القصة القصيرة

مذكرات المنسي

ما أعلمه قبل رحيلي أني تنبأت بالطوفان ولم يصدقني أحدا، كانوا يهزؤون مني ومن أقوالي. لقبوني تارة بالمجنون وتارة بالمنسي لكني في الأصل كنت رجلا هادئ الطباع،. محبا للجنس البشري تؤرقني مآسيه.
قبل أن أبلغ الحلم كنت كثير التأمل للأشياء حتى أدركت لغتها وتباينت لي تصرفات أهل كفرنا الحمقاء التي توقّف عند حدودها الاجتهاد يوم ما وصفوني بالمجنون. حاربت البدع وأحرقت بذورها في نار اليقين.أيوبي في صبري انتظرت حتى ينبت الفرج من الملح ولم ينبت. وأنا في سن النبوءة لم يفارقني أمل أن يزهر الصبّار مع فجر آت بعد غروب طويل واسترد كرامتي واعتباري.
انتظرت ولم أيأس وبعد سنين من الانتظار والترقب وخلافا لكل التوقعات، فجأة تبلورت أمامي فكرة كانت في الأصل أمنية لازمتني منذ إدراكي للأشياء، ظلت معالمها غير واضحة، محفورة عميقا في نفسي.تبلورت لما أحسست أن الكفر لن يتغير، قررت الرحيل بعيدا لعلني أجد لي مكانا في مدينة لا تشبه المدن، سلبت عقول رحالة سبقوني إليها عبر العصور.مدينة لا تنام تجمع بين كل الأعراق تعايشت فيها كل الأديان تدعي مدينة النور ولدت الحكمة فيها ، أنجبت الفضيلة وفي أحضانها ترعرع الحب وتفجرت منه عيون المحبة، إنها المدينة الفاضلة…
أحرقت كتبي القديمة مع خيوط الفجر الأولى وخرجت متخفيا ترافقني خيبتي.عند منعطف درب الأمانة صادفت عمدة الحي في طريقه للمصلى حذرته من الطوفان وحملته أمانة التبليغ.متأكد انه يدرك سلامة عقلي وصحة أقوالي متأكدا أنه لن يفعل شيئا خشية أن أفتك منه الزعامة التي لم تكن تعنيني ما دمت في عيون أهل الكفر مجنونا
على بعد خطوات مني التقى به رجل قال: مسكين تفاقم مرضه، عن أي طوفان يتحدث ونحن في بداية الصيف؟. لم يرد عليه وتثبت تهمتي.وأنا في طريقي المجهول،المحفوف بالأشواك تسلحت بعزيمة المصارعين وصبر الأنبياء.سلكت دروب وعرة مليئة بالمخاطر، اجتزت أنفاقا مظلمة واحتملت كل ما هو غير محتمل.بأنفاس متقطعة وإصرار قوي كلفني عقدا من عمري وقفت على مشارف مدينة النور ولم يبق لي إلا مسلك أخير مهترى ومتآكل كامتحان.عسيرة علي هي خطايا التي تحملني في هذه اللحظات الصعبة حيث الصقيع والريح والمطر والسيول الجارفة التي تأكل من تحت قدماي كل ما هو حي من زرع أخضر تمكن من النمو والإفلات من غياهب الأرض المظلمة ومن مخالب الديدان الجائعة التي ألفت أن تجعل منه لقمة صائغة بعيدا عن الأنظار.
دخلت المدينة وجدتها تسبح في ظلام دامس،على أطلالها تحطمت أحلامي.جبت أرجائها فلم تصادفني إلا آثار الحرب ومظاهر الدمار. لم أجد من يعطيني تفسيرا عما جرى. انهارت قواي من شدت التعب واستسلمت للنوم تحت زيتونة تعمر الساحة تجنبها الدمار.
نمت جيلا ولم أفق إلا على ضجيج ينبعث من بناية مهجورة، اقتربت من نافذة مفتوحة فقدت زجاجها فأدركت أنهم وجهاء المدينة في مجلسهم.رأيت رجلا طاعنا في السن تبدو عليه صفات الوقار يعتل منصة تنيرها شمعة، تآكلت أطرافها من كثرة الخطب، نسجت العناكب في سمائها مساكن لها. رأيته يخطب فيهم بأسلوب لا يختلف عن أسلوب أعيان كفرنا وبنبرة متقطعة أبلغهم عن خطورة الظرف وما آلت إليه المدينة بينما هم غير مباليين به منهمكين في ثرثارا تهم العقيمة والمحمومة حتى خيل إلي وكأهم في سوق للمعاملات. صعّد من لهجته بحثا عن الهدوء فلم يجده. ذكرهم بمركزه فلم ينفعه، انفضّ الجمع في فوضى عارمة، ضاع صوته ولا أحد يسمعه.تشكلت تكتلات حسب المصلحة، ومن خارج المجلس أنا المنسي أدركت أشياء كثيرة كانت تخفيها المدينة.ما جمعته الأحلام فرقته اليقظة،أفلاطونية أمثالي خرافة لن يصدقها إلا يشرمن أمثالي. من كنت أظنهم جنودا في خدمة العامة بمثالية ما هم سوى مرتزقة تجمعهم المصالح الخاصة تفرقهم الأنانية المفرطة.لا وجود لمدينة فاضلة إلا في عقول متحررة من قيود المادة إنها حقيقة ماثلة أمامي مجردة من ثوب المثالية تعرض مفاتن جسدها العاري في وقيعية فاضحة فمن يشتري؟
عدت لكفرنا قبل فوات الأوان لعلني أفعل شيئا، وجدتها مدينة كبيرة ابتلع الاسمنت بساتينها اليانعة.بحثت في وجوه العابرين عن وجه عاصرني فلم أجد واحدا. سألت غلاما يعرض على الرصيف سجائر أمريكية عن حي سيدي الشامي أين توجد رفات أبي و مسكني الذي ورثته عنه أبا عن جد.ابتسم في وجهي مصححا قائلا : (( يا عم يبدو أنك غريب عن المنطقة لعلك تقصد حي سيدي المنسي العتيق الذي يحمل اسم ذلك الرجل المشرقي الصالح الذي سكن البلدة قبل أن يضربها الطوفان.يقال أنه تنبأ بالطوفان ولم يصدقه أحد.اتهمه أهل الكفر وقتها بالجنون واعترافا بعبقرية الرجل فيما بعد وتكفيرا عن ذنوبهم أقاموا له هيكلا وشيدوا فوق أرضية بيته قبة أصبحت مزارا ومأوى للغرباء تقام فيها الولائم وفي موسمه تلقى الخطب كالتي تلقى في ذكرى وفاة زعماء القوم أظن أن الرجل كان عظيما فعل.
ا… لم أعلم أنهم بعد اختفائي سيشيدون لي هيكلا وقبة تتوافد عليها نساؤهم الحوامل قبل المخاض، آملين أن تنفرد إحداهن بالاستثناء وتنجب لهم قبل نهاية التاريخ قطبا ذكرا في مرتبة المنسي يخلصهم من لعنة الضمير..
وفي طريقي للمكان قلت لنفسي ما دام البسطاء يذكرون التاريخ فان حال الأمة بخير لكن عجبي ممن يزورونه ويضربون علينا الحصا ر يوقعون شهادات وفاتنا ونحن أحياء كيف بهم يبنون لنا قببا وهياكل يتاجرون فيها بأسمائنا ونحن أمواتا !! ؟
سأحطم الهيكل وعلى أنقاضه أبني مدرسة لأجيال تذكر تاريخ الأمة بالخير وتتطلع بواقعية لتاريخ أمة بديل. سأخاطب وجهاء حينا الجدد وأقول لهم المنسي حي يرزق في أفكار العقول النيرة. كفى تبذيرا، كفى خداعا، حتى وان اتهموني ثانية بالجنون لن يصدقهم أحدا سينصفني التاريخ ومعه من يتخرجون من مدرستي. من هنا، من فوق أنقاض الهيكل تبنى صروح المجد وتبدأ معركة بناء الأمة المثالية بعقول مثالية

السابق
قراءة
التالي
صهيل

3 تعليقات

أضف تعليقا ←

  1. موسى مليح موسى مليح قال:

    هي ملحمة ترصد تحولات مجتمعاتنا والوعي الشقي الذي يهيمن على مثقفينا ..لكن رؤية النص تؤمن بالتغيير وتساهم فيه أدبيا وعمليا ..دمت متألقا

    1. روان علي شريف روان علي شريف قال:

      موسى مليح شكرا لك على المرور حتى وان جاء الرد متاخرا.

  2. هي معركة حامية الوطيس بين الجهل والخرافة، علينا أن نجد كل الوقت وكل الجهد وكل المال من أجل تعويض الاوثان التي تعشش في العقول بمدارس العلم.

اترك تعليقاً