القصة السلسة

مذكرات عانس (1)

يحكى أني ولدت في يوم ماطر, بل يوم فيضان منقطع النظير, يوم تقطعت فيه السبل و هاج الخلق فيه و ماجوا, و خفقت القلوب خوفا, و ارتجفت الأوصال و ارتعدت. اكفهر الأفق و سالت الأودية, و فاضت الدروب.
أمي..رحمها الله من خوفها جاءها المخاض و بدأت تذرع في البيت جيئة و ذهابا تعصر بين يديها فوطة صغيرة.الأوجاع تتزايد و أبي غائب و ليس سوى جدتي العجوز تشاركها الوجع و الهم, تردد بين الحين و الأخر على مسامع أمي:
يا لك من سيئة حظ أ لم تجدي يوما لتلدي فيه غير هذا اليوم..؟
أمي المسكينة تتوجع, و تتحسر, و تتأوه على ضربات معول لساني جدتي..ما ذنبها إن كنت أنا الشقية التي قررت أن تحل بالعالم في يوم كثير المطر.
أخبروني أن أبي عاد إلى البيت مبلل الملابس, لاهثا غارقا في الوحل حتى ركبتيه, فألف أمي تصرخ في ركن غرفتها و قد اشتدت بها أوجاع المخاض و ظهرت علامات الطلق عليها,و جدتي قد اشتعل الكلام في لسانها حتى عادت كالمسجلة التي أصابها عطب تكرر الكلام مرات و مرات. أبي من هول ما حل به لم يدر ماذا يفعل, أمسك رأسه بكلتا يديه و صار يطوف في البيت كالأحمق, يضرب على الحائط تارة و تارة أخرى يضرب الكف بالكف, كيف سيأخذها إلى المستشفى كل الطرق مسدودة و قد التقى ماء السماء بماء الأرض فأين السبيل إلى الخروج.اقترحت عليه جدتي أن يحضر المولدة “أم حيدر” امرأة عجوز في الستين من العمر أمضت عمرها في توليد نساء القرية هي لا تبعد كثيرا على بيتنا ,على يديها ولد أبي و أمي فكتب لي أن أولد على يديها أيضا.
قالوا أن ولادتي كانت عسيرة و رهيبة أمي تصرخ بالداخل و البرق يصرخ في الخارج..و لولا رحمة ربي و حنكة الولادة الخبيرة لطويت عمر أمي في ذاك اليوم, جدتي لم تستبشر خيرا بي كانت تنتظر مولودا ذكرا, لم تقبلني و لم تبارك لأبي و لا لأمي بل غطتني ببعض الخرق و انصرفت تتمتم بعبارات شؤم..أبي المنهوك لم يستشعر من التعب متعة انه صار أبا أخذني بين ذراعيه و ووضع قبلة باردة على جبيني و أعادني إلى حضن أمي هذه الأخيرة كانت متعبة ومجهدة هي الأخرى نظرت إلي نظرة خاطفة ثم غطت في نوم عميق.و لم تعر اهتماما لصراخي الباحث عن رائحتها.
أخبروني أنهم لم يقيموا لي حفل عقيقة فالفيضان أتى على الأخضر و اليابس ,فسد المحصول و ضاع تعب شهور فلا بيع و لا شراء.
تسألون ماذا أسموني…ماذا تعتقدون؟ روميساء.سلمى…شامة..ربى؟؟
لا هذا و لا ذاك..جدتي سامحها الله لحنقها على أمي و عدم رضاها بالأنثى كأول حفيد, ناهيك على أنها اعتبرتني نذير شؤم بسبب العوز الذي حل بأبي بمجرد مولدي, قررت تسميتي على اسم والدتها..
تفكرون الآن أم جدتي فماذا سيكون الاسم؟.. زبيدة, فاظمة ,حادة…طبعا هي أسماء الأجداد.مرة أخرى لا هذا و لا ذاك…!!

السابق
يهود
التالي
تطور خطير

اترك تعليقاً