القصة السلسة

مذكرات عانس (2)

قد عدت من جديد..أين توقفنا ..؟ الذاكرة لم تعد تسعفني..الزهايمر على الأبواب على ما يبدو .. آه نعم عند اسمي..جدتي المسكينة التي شاركتها فقط أربع سنوات من عمري قبل أن نواريها التراب, أنيطت بها مهمة تسميتي باعتبارها كبيرة العائلة .هكذا كانت العادة, نوع من التبرك بكبار السن. فبعد وفاة جدي صارت جدتي هي كبيرة العائلة و صاحبة الأمر والنهي و مصيبة على رأس أمي !!فلم تكن تفوت فرصة لتمرغ وجهها في التراب و تمارس سلطتها علينا بنوع من التلذذ و الشغف.
على أي.. هي ماتت و يقال: اذكروا موتاكم بخير.
أين كنا..؟
نعم في اسمي, جدتي المسكينة, قررت أن تسميني على اسم أمها فأطلقت علي “حليمة”..
خاب ظنكم..؟؟ كنتم تنتظرون اسم أكثر بشاعة كحادة و شنيبحة و زيتونة..؟؟
حمدا لله أن جدة أبي كان اسمها حليمة, ليس بفتح الحاء و إنما بتسكينها: “حْليمة”..
لا يذكركم هذا الاسم بشيء..أ لا يذكركم بمثل معين؟..
نعم هو ذاك “و عادت حليمة لعادتها القديمة” أنا هي.. و ستعرفون حكايتي و عادتي أو عاداتي القديمة في باقي الحلقات.
يحكى أني في طفولتي كنت كثيرة الصراخ و أكولة رغم أن جسدي كان هزيلا فكانت جدتي تناديني بالبعوضة و تردد كلما مرت بأمي وهي تطعمني::
هذه البنت يسكنها جن يشاركها الطعام.. و كأني كنت آكل ما لذ و طاب؛حليب المعزة و خليط جزر و بطاطس مهروسين !! هي لم تكن تستلطفني,و لم تحملني يوما بين ذراعيها بحنو, و لم تدللني. طبعا فقد كسرت حلمها بحفيد ذكر .. غير أني أعذرها فقد ترملت مبكرا و لم تنجب غير أبي فتمنت أن ترى له أولادا ذكورا كثر. غير أنها ماتت و في قلبها غصة ؛فعلاوة على أني ولدت في يوم الفيضان و كانت ولادتي عسيرة ,و كنت نذير شؤم ؛فقد تسببت لأمي بمشكلة منعتها أن تحبل لسنوات طويلة , فزدت الطين بلة !و لم يبق لي أمل في مودتها.رحلت المسكينة و لم تحقق حلمها.
أين كنا؟..
نعم.. طفولتي المحرومة .في البيت كنت آخر شيء يهتمون به ,أقضي طوال النهار في ركن بفناء البيت مربوطة بحبل من الكتان إلى رجل طاولة. فتجدني أدور في حلقة مغلقة و حين يشتد بي الجوع أطلق صفارة الإنذار, فتهرول أمي إلي متذمرة, تدس في فمي بعد اللقيمات و تعيدني سيرتي الأولى, و تعود لعملها في النسيج, فقد كانت حرفية ماهرة تصنع زرابي يبيعها أبي في السوق الأسبوعي,كانت امرأة دؤوبة تساعد أبي على ويلات الزمن.و بعد وفاة جدتي صارت أخيرا سيدة البيت و الآمرة فيه -طبعا في غياب أبي- على ذكر أبي ؛أظنه كان ينسى أن لديه ابنة !! يعود آخر النهار من العمل منهكا, كظيم الوجه ,خاصة إن فسد المحصول. يتبادل مع أمي بعض الكلمات محورها وجبة العشاء يأكل و ينام .حتى حينما تتحرك بداخله مشاعر الأبوة و يهم بحملي و تقبيلي أخرب تلك اللحظة, فأبلله فيرمي بي إلى الأرض صارخا في وجه أمي:
لقد بللتني ابنتك خذيها عني..فينهض متأففا مرددا ما طاب من الشتائم..
يحكى أني حين بلغت الخامسة من عمري قررت أمي أن ترسلني إلى الكتاب ليس الكتاب الذي تعرفونه بل كتاب “الفقيه علال”.المسكينة كانت تقول لي يجب أن تتعلمي يا ابنتي ..لا أريد أن تكوني مثل أمك “بهيمة”.
قضت أمي ثلاثة أيام تخطط كيف ستفاتح أبي بذلك, في اليوم الرابع مهدت للموضوع بقصعة ” كسكس” مع بعض التوابل؛ خليط من ضحكات و كلام حلو و كحل في العيون.أبي كان يرفض فكرة أن تتعلم الفتاة فهو يقول المرأة خلقت للبيت و تربية الأولاد ورعاية الزوج ,لكن أمي و إن قالت على نفسها بهيمة غير أنها كانت ذكية, و لها عدة “تكتيكية “تستخدمها ضد قسوة أبي ,أهمها مهارتها في الطبخ.
بعد ساعات من المناقشة و المفاوضات صادق أبي على قرار إرسالي للكتاب,و أخيرا سأخرج من الدائرة المغلقة !!

السابق
بائعة اللبن
التالي
حرمان

اترك تعليقاً