القصة السلسة

مذكرات عانس (3)

..و أخير اشترى لي أبي اللوح الخشبي ,و أخذته بين أحضاني, فلطالما غرت من الصبيان الذي كانوا يمرون ببيتنا في طريقهم إلى كتاب الفقيه “علال”,و هم يتأبطون اللوح مزهوين به, تمنيت لو يكون لي مثله, و ها قد صار الحلم حقيقة . شعرت بسعادة لا مثيل لها, فالفتاة التي تذهب إلى الكتاب في قريتنا لها قيمة و قدر بين قريناتها, فلم يكن يذهب إلى الكتاب إلا أولاد الأعيان؛ أقصد طبعا القائد و الشيخ و خطيب الجمعة و التجار الأغنياء ,أما الباقي فيشتغلون مع أبائهم في الزراعة و الحصاد و لا يعرفون من العلم إلا سورة الفاتحة و المعوذتين وهذا حرام و ذاك حلال !!
في اليوم الموعود ألبستني أمي التنورة الحمراء و القميص الأسود اللذان أحضرتهما لي خالتي حين عودتها من بلاد المهجر.كم كنت أحبهما.. !! لكن أمي كانت تمنعني من ارتدائهما و تقول : “هذه الثياب للمناسبات فقط..”
المناسبات كانت شحيحة و أنا كنت أكْبُر.. !!
المهم أين كنا..؟؟
آه ..نعم.. يوم ذهابي للكتاب..لو تعرفون كم كنت سعيدة فبالإضافة للوح و التنورة الحمراء فسأرافق أبي ,سأمشي معه جنبا إلى جنبٍ لأول مرة, لم يكن يصطحبني لأي مكان ,كنت و أمي نخرج لوحدنا..و كأنه كان يخجل منا.أمي لم تكن جميلة لكنها كانت مليحة سمراء البشرة بشفتين مكتنزتين وأنف أقنى, لكن أجمل ما فيها عيناها العسليتان التي ورثتهما عنها ,و حمدا لله لم أرث الأنف !!..غير أن أسوء ما كان بي شعري المجعد الذي يأبى أن يطول, رغم وصفات الحناء و الثوم التي كانت تغرق بها أمي شعري كل أسبوع ؛ بقي شعري مجعداً و لا يكاد يصل إلى حلمة أذني. أ لا يقولون نصف جمال المرأة شعرها إذن فقد ضاع النصف و بقي نصفٌ لا داعي للخوض فيه.. !
أين كنا؟..ذهبت إلى الكتاب مع أبي و نحن على الطريق كنت أقفز من هنا إلى هناك مثل الفراشة و اللوح الخشبي بين ذراعي أحضنه بقوة, الابتسامة لا تفارقني إلا حين ينهرني أبي مؤنبا لأني حدت عن الطريق أو تأخرت أو تقدمت عنه بضع خطواتٍ.
استقبلنا صوت المتعلمين و هم يتلون القرآن بصوت عالٍ على بعد أمتارٍ من الفناء المحاذي للمسجد حيث كتاب “الفقيه علال”.قدمني أبي إليه, لم يهتم بي رمقني بنظرة فاترة و أشار إلي بالجلوس في صف البنات,الذي يبعد عن صف الفتيان بثلاثة أمتار.لم أعبأ بالنظرات التي بدأت تقيس جسدي الضئيل , و لا بالضحكات الخفية التي تسخر من شكلي أو بالأحرى من شعري.فجدتي رحمها الله لم تلقبني بالبعوضة عبثا. !!
“الفقيه علال” كان رجل طاعنا في السن, محدودب الظهر,أشيب الرأس, عهد إليه تدريس أطفال القرية نظراً لبعد المدرسة بعشرات الكيلومترات .نجده دائما يتوسط الفناء متلفعا بعباءته المهترئة و بيده سبحته يحرك خرزاته غارقا في التمتمة على يمينه قصبة طويلة يزجر بها المتهاونين في الحفظ أو المشاغبين أمثالي.كم تورمت يدي من وقع ضرباته !.
مر شهر حفظت فيه سورة الفاتحة و المعوذتين, و كنت كلما عدت أتلو ما حفظت على أمي فأرى الرضا يكسو وجهها و الدموع تطل من مقلتيها فتمسحها بطرف كمها, و كلما انتهيت من التلاوة تأخذني في حضنها مرددة “ابنتي صارت معلمة..”
يقال دوام الحال من المحال , والأشياء الجميلة تمر بسرعة.. و تعود حليمة لعادتها القديمة..في الشهر الثاني طردني الفقيه لأني نتفت شعر إحداهن. !!
تضحكون؟؟..هي من عيرتني بالشعر المجعد, و سخرت مني أمام الجميع فما كان مني إلا أن انهلت عليها ضربا و نتفت شعرها نتفاً.في قرارة نفسي كنت أنتقم من شعرها الحريري المسبل و كنت ألفه حول أصابعي و اقتلعه من جذوره بغل . ! بعد ما أشبعني الفقيه ضربا, عدت إلى البيت فكسرت أمي على جسدي أعواد القصب كتتمة للعقاب.أما ضريبة إخفاقي من أبي فقد دفعتها أمي, فيما اختبأت أنا في خم الدجاج و بقيت فيه محتجزة لساعات يطويني الجوع و البرد, حتى غفوت بين الفراخ. حين صحوت مفزوعة كنت بالغرفة و بجانبي أمي نائمة على خدها الأيمن أصابع أبي مطبوعة.
كم أحبك يا أمي, وكم كرهتك يا أبي في تلك اللحظة !!.

السابق
نَسْرٌ
التالي
رعونة

اترك تعليقاً