القصة السلسة

مذكرات عانس (4)

سأحكي لكم عن يوم تقلبت فيه الأحوال, و انقلبت حياتنا رأسا على عقب..
مازلت أتذكر, كان يوما خريفيا رائقا ,صحوت من النوم و قد صار شعري المجعد فوق رأسي كشجرة عوسج,اتجهت مباشرة إلى المطبخ لأبحث عن كسرة خبز بائتة لأخرس أفواه الجوع في بطني. حقا يسكنني جن أكول, كما كانت تقول جدتي رحمها الله ! رغم أني أظل اليوم بطوله أمضغ إلا أني كعود القصب نحيلة, طويلة…نقبت طويلا بين الرفوف و في الأكياس فلم أجد شيئا فعدت خائبة..
كان الصمت يسود المنزل,لم أشم رائحة القهوة و لا رائحة الخبز فوق التنور, لم أسمع صوت المدرة في مشغل الزرابي, و لا دندنة أمي التي أستيقظ كل صباح على إيقاعها. هالني الموقف,فطفقت أبحث عنها في الغرف و البهو ..لم أجدها ,بدأ صوتي بنحيب خفيف سرعان ما انقطع حين لمحتها في فناء المنزل جالسة القرفصاء تمسك رأسها بكلتا يديها, و تحركه ذات اليمين و ذات الشمال و كأنها تتأهب للولولة,اقتربت منها, أفرك عيني متصنعة النحيب , ومرددة بصوت مزعج:
أمي…أمي أنا جائعة..أنا جائعة …رفعت عينيها نحوي و كان الشرر يقفز منهما و بضربة واحدة من كفها ألصقتني بالأرض..
يا الاهي..لم أر أمي الحنونة بذاك المنظر يوما ,و قد اشتعل لسانها لهيبا بألفاظ لم أتعود سماعها منها , من هول المفاجأة صمت قليلا قبل أطلق العنان لحبالي الصوتية بصراخ سمع من آخر القرية,,لم أدر ماذا حصل بل حتى أني لم أنتبه لملامح أمي حينها ,كان همي أن آكل ,لم انتبه للنظرة الحزينة في عينيها ,و لا للدموع المعلقة في أهدابها ,و لا للعبوس الذي يكسو وجهها على غير العادة فلطالما كانت الأم البشوش القانعة الصبورة,رغم جور الفقر و قسوة الزوج ,ما الذي غيرها, ما الذي أسكن الكمد في قلبها..؟ لم أنتبه,لم أهتم..
مرت دقائق عدة و أنا أجهش بالبكاء على عتبة المنزل قبل أن أحس بيدها تربت على كتفي و تحضنني بنظرة حنونة محت في ثوانٍ ألم الصفعة.ناولتني قطعة بسكويت,تهللت لها أسارير وجهي, مسحت دموعي بظهر كفي راسمة بسمة طفولية ,فغمغمت و أنا ألتهم قطعة البسكويت:
– أين أبي يا أمي؟
– فليذهب إلى الجحيم…أجابت بنوع من الغضب و الحنق,و انصرفت في عجل,دارت بعض الأسئلة في رأسي الصغير ,لم أجد لها جوابا فانصرفت عنها بلامبالاة.
ظلت أمي طوال اليوم شريدة الذهن, عصبية تنتقل من غرفة إلى أخرى تجمع أغراضا و تحمل أشياء و تضعها في صناديق, و أكياس, من بعيد كنت أراقبها و أنا ألعب الحجلة في الفناء. فجأة مرت بعقلي فكرة جف لها حلقي و ارتعدت لها أوصالي..فهمست:
يا الاهي هل طلق أبي أمي و ستغادر البيت مثلما فعلت تلك الممثلة في المسلسل..؟ !!رميت حجر الحجلة من يدي و هرولت إليها و أنا أجهش بالبكاء في بلادة:
لا ترحلي يا أمي..لا ترحلي ..أرجوك..لا تفعلي مثل ما فعلت ” ماريا “.. !!
انحنت إلي في وجوم و انكسار تربت على رأسي و الابتسامة تشق بعناء طريقها في منحنيات وجهها العابس .فغمغمت :
لن أفعل يا ابنتي..فسألتها باهتمام:
لما تقومين بجمع أغراضك إذن؟ أخرجت من جوفها زفرة مخنوقة و قالت و هي تعتدل في وقفتها, موارية دمعة خرجت من عينيها خلسة:
سنرحل جميعا.يا بنيتي..ابتعدت بضع خطوات عني . فاستطردت بنبرة يملؤها الأسى:
سنهاجر إلى المدينة ..هكذا قرر والدك ..
بقيت لبرهة فاغرة الفم و العينين, قبل أن ينطلق مني مزيج من قهقهة وصراخ و على عكس أمي انطلقت أنط هنا و هناك و أنا أردد بحماس:
سنذهب إلى المدينة..سنذهب إلى المدينة…
نعم المدينة ..بلد الأحلام ..حيت الأضواء الساطعة تضاهي بنورها نور الشمس.بلد الألف شخص و الألف لسان..حيث الكهرباء..و الحياة المفعمة بالألوان..و أخيرا سأكون ابنة المدينة المتحضرة..سأنسلخ من جلد القروية الساذجة ذات الشعر المجعد التي تقضي جل يومها في الكنس و التنظيف و الغسيل..سأكون من اليوم مثل تلك الفتيات الأنيقات التي نراهن على شاشة التلفاز بتنانير قصيرة و شعر مسبل تزينه “اكسسورات” لطيفة ..أخيراً.. !
لم أفهم غضب أمي..بل قلت حينها في قرارة نفسي ما هذا الغباء؟ بدل أن تجن فرحا تحزن و تغضب. !.لم أفهم لوعة أمي إلا حين كبرت…
أمي لم تكف عن الدموع لأيام, و أبي رغم قسوته شعرت بتأوهاته التي يخفيها وراء سحنته الصارمة و هو يودع معوله,و بتلك الدموع التي زجرها على أعتاب مقلتيه حين باع حماره , رفيق عمله.. جمعنا أغراضنا القليلة في صناديق و أحلامنا البسيطة في قلوبنا, ودعنا الجيران و الأحباب, و انطلق بنا الركب إلى بلاد الأحلام حيث المصير المجهول ينتظرنا.

السابق
انتظار
التالي
بقاء

اترك تعليقاً