القصة السلسة

مذكرات عانس (5)

..ها هي ذي أعمدة الإنارة الطويلة تلوح لنا على مشارف المدينة، دقات القلب تتسارع، و العيون تزداد اتساعا، و الأنفاس تتلاحق لاهثة.أخيرا.. سأعانق حلمي،أخيرا.. أيتها المدينة سأتنفس هواءك، سأمشي في شوارعك الفسيحة،سأرى أبنيتك العالية و أعمدتك الرخامية،سأشاهد زرقة البحر،ولون الشفق على صفحتك عند المغيب. سألتقي فتياتك الجميلات الأنيقات، و السيقان العارية، والشعر المسدل الملون؛ القصير و الطويل الذي لا يحجب لمعانه منديل, تطير خصلاته في الهواء بحرية. كما في تلك المسلسلات المكسيكية الرخيصة التي كانت تبثها قناتنا الوحيدة. ! أخيرا.. سأنعم بنوم هادئ لا صياح ديك يعتريه ولا نهيق حمار..سأكون من اليوم ابنة المدينة المتحضرة !!
خفف السائق سرعته حين ولجنا المدخل ,لم أطق صبرا لاكتشاف هذا العالم الجديد الذي يدب حماسة داخلي, أطل من النافذة و كلما رأيت أحدهم ألوح له بالبنان في بلاهة… بالقرب مني أمي مطأطئة الرأس تلوذ بالصمت، رغم ثرثرة السائق و أحاديثه الطافحة بالحكايات المضحكة ،لم ينجل شعاع واحد للبشاشة في وجهها,بعيون شبه دامعة شبكت أصابعها ببعض و غاصت في بحر من الحزن..آه يا أمي لو فهمتك حينها.. !
وصلنا و قد انتصف النهار و اكتظت المحطة فلا موضع لقدم..إلهي ما هذه الدنيا ..ما هذا الصخب ؟ !!
مضينا نشق الطريق وسط خضم هائل من البشر، تحت وابل من الصراخ و الضوضاء ؛منبهات السيارات تصرخ من هنا و نداءات بائعي التذاكر من هناك و صراخ الحمالين و هم يجرون العربات متسابقين نحو المسافرين. أبي في المقدمة يمشي بخطى متسارعة يرتطم به المارة فيوبخ هذا و يشتم ذاك، أمي المسكينة تقبض على يدي بكل قوتها و أنا كالبلهاء فاغرة الفم ومعلقة الأنظار فيما حولي ، وجوه و وجوه , تقاسيم و سحنات مختلفة ,روائح مختلطة و أدخنة متصاعدة من الأفواه كما السيارات، حافلات طويلة مصفوفة، لوحات إلكترونية عجيبة…عبثا نحاول اللحاق بأبي في خضم الزحام و هو كالثور يشق الطريق و من حين لآخر يلتفت إلينا ناهرا أمي:
– بسرعة يا امرأة.. !
خرجنا من المحطة و كأننا عبرنا الصراط ! عند الباب أحدهم يلوح لنا صارخا:
– هنا يا ابن العم..
إنه جلول بن عم أبي و صاحب الفضل في جلبنا إلى المدينة ،بعدما استطاع أن يتوسط لأبي عند صاحب عمارة ليشغله عنده حارسا لها. التقى القريبان و تعانقا و تبادلا السلام و التحية , في حين انزويت وأمي التي كانت ترمقه شرزا، في نفسها تلعنه ألف مرة،ألقى عليها التحية فردت في فتور ثم التفت نحوي وانحنى إلي بصلعته المستديرة المتفحمة , حياني قائلا:
– أهلا أيتها العفريتة لقد كبرت ما شاء الله.
رغم أنه في المدينة منذ عشر سنوات إلا أن تقاسيم الرجل القروي لم تغب تماما. ركبنا معه في السيارة وظل طوال الطريق يتحدث وأبي عن المدينة كالعارف بالأمور, و بكثير من المّن شرح كيف توسط له للعمل لدى صديقه صاحب العمارة و كيف أقنعه بأن يمنحنا بيتا يؤوينا ويكفينا شر أحياء الصفيح.
وصلنا أخيرا والجوع يعزف في بطني سيمفونية صاخبة, تسمرت أمام مبنى العمارة العتيق أعد الطوابق.مددت بصري إلى آخر طابق فتخيلت نفسي أطل من إحدى نوافذه الكبيرة, سألت أمي في حماسة متناسية جوعي لأول مرة:
ـ في أي طابق سنسكن..؟ فرفعت منكبيها في وجوم،ولم تنبس بكلمة، عاودت طرح السؤال على العم جلول:
ـ في أي طابق بيتنا يا عمي..؟ انطلقت منه قهقهة ساخرة حتى بان حلقه و بدت أسنانه الصفراء المتآكلة من الدخان كأطلال “وليلي” :
ـ تحت الأرض.
انغمسنا في ممر مظلم انتهى بنا إلى قبو العمارة ،فتح بابه فثار الغبار في وجهنا وانطلقت رائحة التعفن والرطوبة تغزو أنوفنا حتى كدنا نختنق.
وأخيرا..مرحبا بكم في بيتنا الجديد.. !

السابق
واجب
التالي
تسلط

اترك تعليقاً