الخاطرة الطويلة

مرثيّة طفلٍ بائع

ذَبَحَتْـني عيناكَ بدمعةِ شوقٍ
حين نَظرتُ إليك
تَركَتْ قلبي ناياً مثقوباً
تصفرُ فيهِ الرّيحُ الشَّتويةُ و الأحزان
جَعَلَتْ روحي ظِلّاً مصلوباً
ما بينَ هَجيرِ الَّلوعةِ و الأشجان
تَرَكَتني غصناً
سَحَقَتْهُ الرّيح بغير ورود
أَلقَتني دمعاً مضطرباً
يَسّاقَطُ في الآفاقِ بغيرِ حدود ..

حينَ نظرتُ إلى أشلائكَ يا عصفوراً بريّـاً
قد كان على الأسلاكِ الشائكةِ ينادينـا
و يَمُـدُّ يديهِ و بسمتِهِ
و يُغَنّـينا
يَهْجُـرُ قريتهُ الدّامية الألحـان
و يجيءُ يزقزقُ فوق الأسلاك
يلتقطُ الرِّزقَ
يبيعُ الشَّـوكَ
يسـيرُ على الأشواك
يتركُ صبيانَ الحارةِ و القرية
و يُبَعـثِرُ كلَّ صباحٍ بسمَتَهُ الورديّة
تَسقُطُ نوراً و زهوراً فوق الخوذات
أَصْـدَأتِ الشّمسُ على الجبهةِ كلَّ الخوذات
إلّا خوذتكَ البشريّة
خوذتكَ البشريّة السَّـمراء
لم تَصْدَأْ فيها البسـمات ..

حافي القدمينِ ، بسيطاً كان
بلا آمال
و نحيفاً كان ، كَـعودِ ذُرة
شيطانياً فوقَ رمالِ الأرضِ نمـا
تُثمِـرُ في عينيهِ حبوبٌ غِـلال
ينثرُها في كلِّ مكان
لا يَعرِفُ وَطناً محدودَ الأبعاد ..

حينَ تَسـيلُ الشّمسُ شعاعاً مُبتسماً
يَنسـابُ مع الخيطِ الأوّلِ صَيفاً أخضر
فيهِ سذاجاتُ الصبيان
لَحنـاً أخضر
يَترُكُ بين عروقِ رجالِ الحقِّ
لَهيبـاً أحــمر ..

حين تَغـيبُ الشّمسُ
يَتَعَلَّـقُ في آخرِ خيطٍ منها
طفلاً يَتَعَلَّـقُ في ذيلِ الأُمِّ فلا يَبْـعُدُ عنها
لكـنَّ الشّمسَ تجـيءُ و تَذهبُ بعدَ اليوم و لا تلقاه
فَـتَعودُ مُلَطَّـخةً بالدَّم
و تَظلُّ مُضَرَّجةً بالدّم
حتّى يأتي مَـنْ يثأرَ لفؤادِ الأُمّ
و يُعيدَ العصفورَ الأسمرَ فوق الأسلاك
ليَعودَ يغـنّي
و يُمَـزِّقَ جِلدَ الأشواك …

السابق
غداً سأرحل
التالي
حوار

اترك تعليقاً