القصة القصيرة

مرزبان

لم يكن أحد من أهل بيته يعلم إلى حد اليقين إن كانت عائلة (مرزبان) موجودة بالفعل فى قريته النائية ، أو فى إحدى القرى المجاورة ، أو فى المنطقة التى يقيم بها فى القاهرة ، أو أنها غير موجود من الأساس على ظهر هذه الدنيا !
وإن كانت هذه (الكلمة) لشخص بعينه هنا أو هناك؟!
غير أن القليل من أهل تلك القرية النائية كانوا يظنون أن هذه (الكلمة) ربما تكون للاثنين معاً فى أغلب الأحوال!
والثابت يقيناً عند العامة فى كل مكان ، والذين يعيشون على ظهر البسيطة ، أنهم ينطقون هذه (الكلمة) على ثلاثة مقاطع بكل لغات العالم ..
ــ هكذا ..
ــ مـِر .. زى .. بان ــ
هذا ما اكتشفه بنفسه فى إحدى زياراته المتكررة لقريته ، النائية والقرى المجاورة لها مؤخراً .
تلك القرية الواقعة بكل بقعة من بقاع الوجه البحرى ، وبالتحديد بالقرب من ضفاف (ترع) ضيقة ، دائماً ما تحمل مياه المحاياة لكل من يدب فوق دروبها ومسالكها ، والتى تسكنها الكثير من الأمراض المستوطنة بكل شبر فيها .
ولكن المؤكد بكل (قواميس اللغة) وبنظرة يسيرة يكتشفها الباحث المبتدئ ، أن جمع هذه (الكلمة) هو (مرازبة) وليست (المرزبة) التى يستخدمها عمال طائفة المعمار ومن على شاكلتهم كما يعتقد الكثيرون من أهل هذه القرى الطيبين ، وكما رسخ عند بعض أهالى الحى العشوائى الذى يحيا فيه منذ نصف قرن من الزمان بالعاصمة .
(وهى تعنى) ..
(رئيس الفرس ، أوالفارس الشجاع المقدم على القوم ، وهو دون الملك فى الرتبة والمكانة) .
غير أن الكثيرين لم يبحثوا فى يوم من الأيام عن المعنى الحقيقى وراء (الكلمة) فى حد ذاتها ، ولم يقفوا أمامها بالمرة من قريب أو من بعيد ، ولم يحاولوا حتى التعرف عليها ومعرفة جمعها ومفردها ، فعندهم أشياء أكثر أهمية من الاسم والشخص الذى يحملها ، أو حتى إن كانت لعائلة عريقة جذورها ضاربة فى عمق التاريخ .
= دوخته المعاني كلها فى لحظة واحدة .. لم يعرف السبب الحقيقى الذى جعله يتوقف عند هذه (الكلمة) بالتحديد فى هذا التوقيت بالذات .
وكيف لمثله أن يقف كل هذا الوقت أمام كلمة عابرة .
وكيف تأخذ لبابة عقله إلى هذا الحد .
فى حين كان ساعتها مشدوداً إلى شاشة التلفاز على غير العادة ..
يتابعها بشغف .. وهى تبث مشاهد مباشرة لمظاهرة حاشدة بميدان التحرير من بعد صلاة الظهر .
لفت نظره أن معظم المتظاهرين على وجه التحديد كانوا شباباً ” بنين وبنات ” كلهم فى عمر الزهور الغضة .
وهذا ما أكده مذيعو القنوات الفضائية المختلفة التى تنقل بثها عبر الأثير ، وكذا السادة المحللين للحدث المفاجىء .. وما بصرته عينيه ، وأن هؤلاء الشباب هم شباب (الفيس بوك) .
على الفور تيقن أن ابنه (بكرى) معهم .
ــ أخذته الرعدة وانخلع فؤاده لبضع ثوانٍ – على تأخر ولده – خريج كلية الحاسبات والمعلومات جامعة (عين شمس) دفعة 2004م .
خشى أن يطوله ما طال أمثاله من شباب حركات ذاع صيتها فى السنوات القليلة الماضية ، فى ظل فرض حالة الطوارئ على هذه البقعة من بقاع الكرة الأرضية دون غيرها على مر السنين وحتى من قبل الميلاد ، وكأن من تواجدوا على ثراها جنس يخالف الجنس البشرى الذى كرمه الإله الخالق ، وما أكثرهم فى هذه الدنيا .
فى نوبة استرجاع خاطفة ، تنبه لأحاديث ابنه المتكررة على مدار شهور كاملة حول المتوقع حدوثه ، بحكم الناموس الإلهى ودوران عجلة التاريخ .
ساعتها كان لا يبالى ككل الآباء والأمهات لما يقوله أبناؤهم ليلاً ونهاراً!
ــ تذكر ــ
واجتر كل شرائط القص والحكى الذى كان يسردها ابنه على مسامعه من هموم الشباب التى كانت تشغل بالهم فى هذه الأيام المنصرمة .. ولهو الآباء والأمهات عما يقولون , بل أنهم كانوا لا يعيرونها إهتماماً بالمرة .. لكونهم مربوط بأعناقهم حجر ثقيل كبير على مدار سنين عديدة ، لكسب لقمة عيش كريمة ؛ تسد رمقهم ورمق من يعولون .
ــ غير أنه متأكد كما يرى الشيبة التى تملأ جل رأسه ، أنه لم يعنفه فى يوم من الأيام على ما كان يقصه أو يحكيه ، وأنه لم يعترض البتة على رأى أبداه ذات ليلة ، أو وجه بنظرة مخالفة لرأيه .
ــ ليس هذا وحسب ــ
بل كان يزيد فى (التطنيش) من باب أن معظم الشباب دائماً ما يكونون مندفعين فى معظم أحوالهم ، ويغلب على تفكيرهم الطيش والحماسة المشوبة بالتهور فى كثير من الأحيان .
مع علمه علم اليقين أن ولده (بكرى) لم ينضم من قبل ولا من بعد إلى أى جماعة دينية أو أهلية ، أو حتى تشكيل حزبى من الأحزاب المتواجدة على الساحة ، سواء كانت ذات أغلبية تروج لها الآلة الإعلامية الجهنمية ، أو كانت من الأحزاب (الكارتونية) التى تدور فى فلك الأغلبية ، أو حتى الأحزاب التى
كانت ملفاتها تنتظر البت فى أروقة القضاء الشامخ منذ سنين طويلة .
ليس لضعف فيه أو خذلان منه , ولكن لعيب فى ترزية القوانين (المفصلة) على مقاس خاصة الخاصة من البطانة المتاجرة بأحلام البسطاء ، الباحثين عن مكان لهم تحت قرص الشمس .
ــ طفى على سطح عقله الواعى مقولة ابنه البِكرى (بكرى) فى مروره العابر منذ أيام قليلة ، بأن كل (جروبات) الشباب على صفحة كلنا (خالد سعيد) عبر الجهاز الرهيب والشبكة العنكبوتية المعروفة بـ (الفيس بوك) حددوا مناسبة (عيد الشرطة) موعداً لانطلاق احتجاجهم السلمى ، وتوصيل رسالة حروفها قاطعة للممارسات الخاطئة والمستفزة من بعض أفراد (رجالات الشرطة وأمن الدولة) والتى أودت بحياة الشاب السكندرى (خالد سعيد) وغيره .. تحت حجة الحصول على المعلومات والاعترافات التفصيلية ، والتى تضمن للمسئول الترقى ، وبعض الجنيهات التى تحفظ مكانته وكينونته بين جيرانه من علية القوم .
ومحاولة رؤسائهم بتبرئة (الشرطة وأمن الدولة) وإلصاق تهمة تعاطى المخدرات (للشاب) كى يضمنوا خروج المؤسسة من ورطتها نظيفة اليد ، وأن (الشاب) ما هو إلا مدمن ، وإدمانه السبب وراء موته ، وبحثهم الممجوج عن حادث يتخذونه ستاراً يغطى على مقتل الشاب (خالد سعيد) والآخرين أمام الرأى العام والعالمى .
لم يمض وقت طويل حتى تفاجأ الشعب المطحون كعادته بعنصريه ، بتفجير هائل بكنيسة (القديسين) فى يوم احتفال أهلها بليلة رأس السنة الميلادية ، ليذهب الكثيرون من الطائفتين يمصمص الشفاه فى بلاهة منقطعة النظير ، ويكيل الاتهامات الخاطئة بالداخل والخارج ، ويبحثوا فى الألغاز التى تطلقها وسائل الإعلام المختلفة عن الفاعل الحقيقى .
غير أن غالبية الشعب المصرى بعنصريه مربوط بحبال رقيقة وشفافة ، مفتولة وملفوفة حول عنقه فى رحلة وجوده منذ توحيد الآلهة فى إله واحد ، وكذا رحلة البحث المضنى عن لقمة عيش كريمة ، غير اللقمة المغموسة بالويل والثبور وأعاظم الأمور .
ظناً منهم أن هذا الشعب (نساىّ) كدأب وسائل الإعلام العاملة على مدار الثلاثين عاماً الماضية أو يزيد ، والتى تبثها ليل نهار ، ويغذيها كل من فى السلطة كبر مقامه أو صغر .. الكل يسير فى نفس الاتجاه .
متناسين صلابة وقوة هذا الشعب ، وشدة صبره على الشدائد كما الجمال الحمولة ، وقدرته وحلمه على التحمل كعقيدة راسخة رسوخ الجبال الراسيات ، والمتوارثة مع جيناته الوراثية منذ آلاف السنين ، التى هضمت كل محاولات التهميش والتحويل والمحو ، التى حاول استخدامها كل المستعمرين الذين مروا عليه عبر العصور السحيقة ، وعجزهم البين عن تغير هويته المتفردة على
مستوى العالم .
= تبسم ابتسامة مقتضبة ، وترك مشاهدة التلفاز عندما رأى الشباب المتظاهر يهدى كبار الرتب من (رجالات الشرطة) المنتشرين في كل شبر بالميدان الفسيح ، والمدججة عساكرهم بكل أنواع أسلحة القمع الحديثة باقات الزهور دليلاً على سلمية التظاهرة .
وتقبلت هذه الرتب بسن ضاحك كل الباقات ، وهم يحمون مسيرتهم السلمية ، أو هكذا بدا للجالسين مثله أمام شاشات التلفاز ، بل تجاوزوا كل هتافات الشباب النارية (كتكتيك) شرطى بإملاءات فوقية , ليفوتوا الفرصة على هؤلاء الشباب (السِيس) التى تملأ كل وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية على مدار الثلاثين عاماً الماضية أو يزيد ، وتفادياً لانفجار الموقف كعادتهم الدائمة ..
ــ عاد إلى ذاته يجتر كل ما كان يحيق بنفسه منذ قليل بتؤدة وعلى مهل ، ويعاود التحليق من جديد فى الفضاء الفسيح من حوله ، ويواصل لفلفة الدنيا من أقصاها إلى أقصاها دون توقف بحثاً عن ماهية كلمة…
” مرزبان ”
وعن معنى يخالف المعانى الموجودة بـ (القواميس) التى بين يديه .. وأين قابلته هذه (الكلمة) بالضبط؟
فهو غير مصدق أن تفوته مثل هذه (الكلمة) الغريبة (الجَرْس) على أسماعه التى تعد من سيماته المميزة دون العامة .
(فهو من هو؟)
فهو صاحب (العاهة) التى وجد نفسه عليها منذ ميلاده ، وجعلت منه ذا قوة خارقة فى حفظ (الوشوش) مع الأسماء .. وصدقت فيه المقولة الراسخة بالمجتمع العربى :
(كل صاحب عاهة جبار)
فكانت عاهته تتمثل فى [عور خفيف بالعين اليمنى ضعيفة الإبصار ، والتى (تقفل) جفنها تلقائياً مع أول شعاع للشمس المباشرة ، أو الضوء المبهر] .
ولكونه كان يقوم بأعمال الإشراف للتعليم الفنى بإحدى (مراكز التدريب) التابعة لوزارة ما ، ومن مهام عملة تنظيم (طابور) الصباح وتحية العلم ، وتهيئة الطلبة ليوم دراسى كامل بنشاط قوى .
ــ ليس هذا وحسب ــ
بل كان يمارس أيضاً دور الأخصائى الاجتماعى ، بجانب متابعة ما يحصله الطلبة داخل المعامل والورش المختلفة ، من تجارب وتمارين صناعية ، وكذا قاعات المحاضرات للمواد الفنية ، علاوة على دور الأب المعلم التربوى ، والمقوم لسلوك أبنائه فى هذه المرحلة السنية الهامة ، التى تتكون فيها الخطوط الرئيسية للرجولة الحقة .
فإن صح الغرس فيها , صح العمر كله .
فكان من ضروريات عمله النظر على الطلبة فى كل موقف يكونون عليه .
وكان يعى تماماً (علته) .
فإن أراد توجيه الطالب الخامس فى (الطابور) الثالث أو (الدسك) الخامس أو (تازجة) ما…
أرسل إليه بصره قبل صوته , فيقع (عوار) بصره على الطالب المجاور له من الجهة اليسرى ، فيحدث تضارب وبلبلة بين الإثنين .
ولكى يتفادى هذا (اللبس) الذى يخرج عن إرادته ، فكان عليه معرفة أسماء الطلبة جيداً مهما كان عددهم .. وقبل يوجه وينادى على الطالب المراد توجيهه .. يذكر اسمه أو لقبه قبل أن يرسل إليه بصره ، حتى لا تحدث البلبلة بين الطلبة أنفسهم ، ويصير أضحوكة بينهم .
ــ هذا بخلاف التغلغل فى المشاكل الخاصة للطلبة إلى حد النخاع بحب ، ومصاحبتهم إلى أبعد حد ممكن ، وتقويم سلوك المعوج منهم بالمناقشة الحرة وإتاحة له الفرصة للرد كيفما يشاء ، ومراجعة من يخطئ فى حق الطلبة من زملائه ومرؤوسيه ، حتى صار يطلق عليه (نصير) الطلبة .
ــ مما أثار علية حفـيظة زملائه ورؤسائه على حـد سواء .
ــ لم يبال بهذه الصغائر ، فكل ما كان يشغله لابد لعود البان حتمية الاستقامة ، مهما كانت الظروف المحيطة به .
= أعياه البحث واللف والدوران عن معنى كلمة (مرزبان) دون جدوى .
ــ خاف أن يكون قد أصابته لوثة ما ، أو أصابه مرض (الزهايمر) عندما لم يستطع تذكر صاحب هذا الاسم الذى هاجمه فجأة رغماً عنه ، وقلب عليه حاله من حال إلى حال أسوأ منه .
ــ تبسم خلسة من وراء نفسه النابهة ، مخافة التصديق بالهاجس الأخير الذى ملأ نفسه إلى حد كبير .
ــ فتش فى كل ما يحيط به ليتعرف على الأمر عن بينة !
قال فى نفسه :
إنك لم تتخط بعد الستين إلا بشهور معدودة ، ومعلوماتك الطبية المحدودة حول هذا المرض اللعين تقول بالفم المليان :
أن مرض (الزهايمر) لايصيب الشباب , بل يصيب الشيوخ الطاعنين فى السن فى معظم الأحوال .
ــ تبسم أكثر من ذى قبل إلى حد القهقة!
وجاءه هاتف بسرعة البرق يقول فى روعة : هذا فأل حسن ..
سوف تبلغ أرذل العمر يا (خلبوص)*
ولن يصيبك هذا المرض اللعين أبداً .
ــ مع هذا لم يترك الأمر يمر هكذا مرور الكرام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جذزور نبات البوص البلدى
جلس منفرداً من جديد بحجرته ، وأغلق على نفسه الأبواب .
عزم أن ينقب عن هذا (الاسم) فى كل العائلات المتواجدة بقريته النائية ، والحى
المقيم فيه بالقاهرة .
ــ فى البدء مر بتؤدة على كل الشوارع والحارات ، والأزقة بقريته النائية , بادئاً من ديار الناحية القبلية من جوار (المدافن) مروراً بالديار المطلة على أرض (السويقة) بجوار الكوبرى الذى يربط القرية بباقى المعمورة ، ثم الديار الواقعة على جانبى شارع المدارس الذى يقسم القرية إلى نصفين حتى (الترعة) التى تمر ببحرى البلد .. منتهياً بـ (مركز الأسرة) الذى لم تدخله امرأة واحدة منذ إنشائه بغرب البلد بجوار (صهريج) المياه الذى يغذى القرية والعزب المجاورة بالمياه الحلوة .
ــ فتش فى كل الديار عن اسم لعائلة أو شخص يحمل هذا الاسم الغريب على الأسماع ” مرزبان “.
فلم يجد!!!
ــ فى بحثه المتأنى ، قابلته أسماء لعائلات كبيرة يفوق تعدادها الآلاف ، وعائلات كاملة لايزيد عدد أفرادها على الخمسة أفراد ، وعائلات اندثرت وتحولت لأسماء عائلات مغايرة ، عندما تخلوا بإرادتهم عن الاسم الخامس ، وأسماء لعائلات غريبة ومبهمة أكثر من التى يبحث عنها .
ــ ضحك كثيراً لهذه الأسماء .
وعلا صوت (قهقهته) من كثرة التعجب!
ــ خاف أن تسمعه أم الأولاد وبناته بصالة الشقة ، فيحارون فى قوة عقل أبيهم بعد إحالته للمعاش ، وجلوسه شبه الدائم طوال اليوم والليل بالبيت ، يقلب فى كتبه ودفاتره القديمة .
فالأسماء التى طوف بها ما أنزل بها الله من سلطان ، وكأنه يعرفها للمرة الأولى (العتارسة .. والنوايهة .. والطوايخة .. والبدايرة .. والبنايين .. والصقاروة .. والزع .. والفوايدة .. والعبادلة .. والبراهمة .. والنجايمة .. إلخ).
وهذا الاسم الأخير فى حد ذاته وجده أكثر غرابة من اسم (المرازبة) الذى أكل دماغه فى تلك الساعات القليلة .
ــ نظر إلى نفسه لبعض الوقت ، وكتم صوت (قهقهته) بداخله ، ثم تنصت على بناته وأمهم خارج حجرته ، وعندما وجدهم مندمجين أمام شاشة التلفاز ، طرح على نفسه السؤال تلو السؤال حول أسماء العائلات التى يعرفها فى الحى المقيم فيه بالقاهرة .
وجدها كلها لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة ..
فى لحظتها تيقن له صدق حدسه الذى كان عليه ، وعشش فى أم رأسه منذ نصف قرن مضى من يوم رحيله عن قريته النائية للقاهرة ، باحثاً عن فرصة عمل ، ورسخ المعنى الثابت فى ضميره منذ لحظتها إلى الساعة ، أنه لم يبرح ديار قريته النائية سوى بجسده فقط ، وأن روحه ساكنة ومستقرة بنفس أوكارها القديمة .
وأن (الغربة مُرَّة)
ــ استقرت كل الأسئلة المتماوجة فى رأسه ، فى سؤال محدد الأبعاد :
ــ ما لك أنت بهذه (العائلة)؟
ــ وماذا تزيدك هذه فى بحار الثقافة ، وأمواجها المتلاطمة والتى يعاركها الكل لحد الاقتتال صباح مساء؟
ــ وهل معرفة كنهها ستخفف عنك قسوة المعيشة الضانكة التى تحياها ، وتنقلك من حالة البؤس التى تكتنفك إلى حد الغرق ، فى بحار بلا شطآن وبحبوحة العيش الرغد؟
= فى لحظة واحدة توقف بلا مقدمات عن الخوض فيما كان فيه !
صرف النظر بالكلية عن البحث حول ماهية كلمة ” مرزبان ” التى أكلت جل وقته (ولحست دماغه) .
خرج ليلحق بأهل بيته ليتابع آخر الأخبار – أحداث 24ساعة – بالتلفاز كالمعتاد منذ يوم إحالته للمعاش ، وقبل قيامه بأداء صلاة قيام الليل .
ــ ما أن خرج من محبسه المحبب إلى قلبه .. فإذا به يجد زوجته وبناته فى أماكنهن بصالة الشقة على غير العادة ، مشدودين إلى شاشة التلفاز يبحثن فى كل قنواته الفضائية الأجنبية قبل المحلية عن أخبار جديدة ، تميط التعتيم الحادث من قنوات التلفاز الحكومية حول الاعتداء الوحشى الواقع من عسكر الأمن المركزى على شباب الـ (فيس بوك) المتظاهر بميدان التحرير فى هذه الساعة المتأخرة من الليل .
ــ قبل أن ينهر زوجته وبناته للجوء إلى القنوات الفضائية الأجنبية للتعرف منها على أخبار ما يحدث فى وطنه ، قَلّب فى كل القنوات المحلية .. وجد الأمر وكأنه لا يعنيها من قريب ولا من بعيد ، وكأن ما يحدث لايحدث على بعد أمتار من مبنى الإذاعة والتليفزيون ومحل إقامته .
فى حين كل القنوات الأجنبية تشيد بموقف وسلوك الشباب المصرى كعادته ، فى تعليم شباب العالم معنى التحضر والرقى ، والمطالبة بالحقوق المشروعة بمنتهى السلمية .
ــ أمسك بهاتفه المحمول وظل (يهاتف) ولديه مدة طويلة .
بعد فتره دخل عليه ابنه (الأصغر) الذى تعدى سن الرشد سليماً معافى .
وعرف منه أن شقيقه (بكرى) سوف يعتصم بميدان التحرير , حيث شركة السياحة محل عمله تقع على إحدى جوانبه ، وسيحتمى بها إن لزم الأمر .
ــ تبخرت كل الكوابيس والوساوس التى هاجمته فجأة حول عائلة ” مرزبان ” وضرورة البحث عن معناها ، والوصول إلى كنهها وكينونتها .
ــ هذا كل ما استطاع أن يفعله فى حينه ، كتفريغ شحنة الغضب التى هيمنت
عليه فى تلك الدقائق .
ــ شغلته المشاهد القمعية الوحشية التى يراها على القنوات الفضائية الأجنبية ضد (الشباب المسالم الأعزل) ومحاولتهم اليائسة لتفريق هؤلاء الشباب بالعنف المفرط ، وإصرارهم على إخلاء الميدان من كل (الشباب) المعتصم .
= لم يدرِ كيف بات ثلاث ليال وهو لايعرف شيئاً عن أحوال (الشباب المسالم الأعزل) .. وحال ولده الغائب أمام جبروت وترسانة الأسلحة ، التى تفوق ترسانة عُصبة دول مجتمعة من حيث العدد والعدة ، والتى كرست كل جهدها خلال الثلاثين السنة المنصرمة لحماية الفرعون الأعظم .
ــ إذ فجأةً..
بولده البِكرى (بَكرى) قبل صلاة فجر جمعة الثامن والعشرين من يناير عام الفين وأحد عشر ، يفتح عليه باب الشقة سليم البدن ومعافى الهيئة .
ــ لم يستطع أن يرفع عينيه فى عين ولده .. فهو يعلم علم اليقين بأن (بكرى) على حق ، وهو من بذر البذرة ونفخ فيها طيلة الثلاثين عاماً الماضية ، وأن خوفه وخذلانه الشخصى ، هو وأمثاله الذى أوصلهم لتلك الحالة .
ــ شد على ساعده …
وعرف منه أن الشباب (السيس) لم ولن يتركوا الميادين للحظة واحدة ، حتى تصل مطالبهم الشرعية مسامع وعقول من فى الدنيا .
= بعد أداء صلاة جمعة هذا اليوم ، والتى أسماها (الشباب) بـ (جمعة الغضب) خرج شباب (الفيس بوك) وكل الحركات والجماعات الأهلية و(الأغلبية الصامتة) حتى الأحزاب (الكارتونية) كلها هرعت إلى الميادين للحاق بنوبة الاغتسال المجانى ، والتطهر أمام هؤلاء الشباب (السيس) .
ــ وإذا بملايين الشعب يخرج عن بكرة أبيه للشوارع ، وبكل ميادين الوطن تهتف بهتاف واحد وفى نفس واحد :
(عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية)
فى بادئ الأمر .. حوصرت الجماهير بكل الميادين كل على حدة ، بعشرات عربات الأمن وآلاف الجنود المدججين بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات الحديثة ، وقنابل الدخان المسيل للدموع .. دارت مواجهات غير متكافئة .. صمدت الجماهير وسالت الدماء الطاهرة على أسفلت الشوارع .. سرعان ما نفدت ذخيرة الجنود , فدهست العربات المدرعة بعض (الشباب) المتظاهر للخلاص من الوضع الجديد الذى يفرض عوده على أرض الواقع .
ــ بعد ثلاث ساعات وفى تمام الرابعة ، حل وضع جديد فى كل ميادين المحروسة ، ولم يكن هناك مناص من الهروب بعد فتح السجون بأيدى عملاء بالداخل والخارج ، ولفرض حالة الهلع بين العامة دون النظر لأمن وسلامة التراب الوطنى .
ــ قبل السادسة مساء ، نزلت الدبابات والمدرعات ومجنزرات الجيش إلى
الميادين العامة بالعاصمة وعواصم المحافظات الرئيسية ، كخطوة أخيرة للحفاظ على وميض الكرسى البراق .
= كان هو فى تلك الساعة يجلس وحيداً أمام شاشة التلفاز يتابع الصور التى تنزف دماً ، فكل أهل داره خرجوا مع الخارجين لنصرة الحق .
ضاق صدره من كثرة الدخان الداخل إلى غرفته المحببة إلى قلبه ، اندفع خارج المنزل عله يلتقط بعض الأنفاس النقية ، الخالية من الغازات المسيلة للدموع ..
فى وسط الشارع تدفقت الجماهير من حوله ، راح يبحث فى كل الوجوه عن أحد أفراد أسرته .. تاه بصره عن كسم ورسم ولده (بكرى) .
ــ حدثه عقله النابه : كل من حولك أبناؤك .
.. اهدأ..
ــ بالقرب من الميدان الكبير للحى المقيم فيه ، زادت حدة إطلاق القنابل المسيلة للدموع وهديرالطلقات المطاطية .. أجلسته إحداها أرضاً بجوار سور مدرسة الأولاد فى سن الإلزام مغشياًّ عليه .. رآه شاب يافع الطول فى عمر ولده (بكرى) اقترب منه .. عرفه تماماً .. حمله فى سيارته الخاصة إلى مستشفى بأول طريق السويس ..
عند مدخل المستشفى تلقاه فتيان آخران …
عندما وقع بصر أحدهما على المكوم على كنبة السيارة ، صرخ صرخة اهتزت لها أركان المستشفى بالكامل :
ــ مين؟!
الأستاذ (نصير) الطلبة؟!
حمله بين يديه العفيتين ، وأدخله قسم الاستقبال دون الحاجة إلى (التروللى)..
ــ بعد ثوانى كان الأطباء يقومون بعملهم على خير مايرام .
= فى أول لمحة من بصره بعد الإفاقة مما ألم به لثلاث ليال كاملة .
إذ به يجد لفيفاً من أبنائه الذين تم تعيينهم بالمستشفى من خريجى (المركز)
ــ قبل أن ينطق بكلمة تذكر (عاهته).
تفادى الوقوع فى الخطأ .. حاذر فى تثبيت نظره على أحدهم .
ــ فى نفس اللحظة ، ربت الفتى الذى حمله من جوار سور المدرسة الإلزامية على يده فى حنو يفوق حنو الأم على ولدها …
ــ ماذا حدث؟
ــ أنت الذى حملتنى؟
ــ نعم …
ــ أنا ولدك .. أسامة شوقى .. تلميذك وجارك …
ــ انفرط عقد السؤال الحائر فى حلق الرجل منذ سقوطه مغشياًّ عليه .. تذكر أن ولده البِكرى (بَكرى) كان على مقربة منه ، لا يفصله عنه سوى خطوات قليلة ، عندما تلقى بصدر مفتوح رصاصة (رئيس مباحث القسم) المقيم فيه.
ــ بسن ضاحك ، وكأنه عائد من كهف عميق .. أو كطائر حرمه أصحابه من ممارسة هوايته الوحيدة بالطيران الحر لسنين طويلة ، وسبابته تشير على الواقف بجوار السرير المكوم عليه .. كنت أبحث عنك!!
ــ أنت (حسين أحمد مرزبان)
أليس كذلك؟
ــ تلميذك وابنك (البِكرى) كما كنت تهوى أن تنادينى به يا أستاذ …
لكم منذ الساعة ما شئتم .

السابق
خضراء الدمن
التالي
عاشق بخبل

اترك تعليقاً