القصة القصيرة جدا

مسألة حسابية

عند عودتي من عملي الثاني، أنتظر المصعد وأنا في غاية التعب، يفتح باب المصعد، وأكاد أصطدم بالشخص الخارج منه بسرعةٍ واندفاع، يتوقف عن اندفاعه فجأة، ويحدق بي بوجهٍ غاضبٍ ويقول: كيف تقبل بذلك، كيف، أليس عندك ذرَّة كرامة ؟!
ويمضي ……
أتقلَّبُ في فراشي والنوم يجافي عيني، وسؤاله يمرجحني حيناً، ويهزني أحياناً بعنف، ماذا يقصد بقوله؟ وماذا فعلت أنا ؟!
سؤال أهم يقضُّ ليلي، هل أنا حقاً بلا كرامة ؟!
حسناً، وبحكم كوني محاسباً، ولغة الأرقام هي أكثر ما أفهمه ،سأتعامل مع سؤالي كمسألة حسابية وأرى …..
لنفترض أن الكرامة يُفترض أن تكون عندي 100% إذن سنبدأ بحسابها هكذا، ونرى ما يكون .
عندما أصعد في الحافلة، وأعامل كشخص كامل الكرامة لدفع ثمن التذكرة، وخال منها، بحيث لا يمكنني الجلوس معززاً مكرماً كالبشر على مقعد !ستنقص كرامتي حينها ما نسبته تقريبا ………
وعندما يمضي أقل من نصف الشهر، وراتبي قد تلاشى تماماً، وأقف ذليلاً ماداً يدي لأستدين ما أكمل به الشهر، سينقص من كرامتي حينها ما نسبته ………
وعندما تنظر لي زوجتي شزراً لتقصيري في أمور البيت .. وغيرها ، وأهرب منها إلى أولادي، وإذ طلباتهم التي لا أستطيع تلبيتها، تقضي على البقية الباقية من عزة نفسي، فستنقص كرامتي ما نسبته ..
وعندما أرتجف، إن سألني أحد ما عن اسمي، على حين غفلة، ولم تحملني قدماي، ولسان حالي يقول، اللهم اجعله خيراً، ستنقص كرامتي عندها ما نسبته…
وعندما تتوالى الصور والمواقف التي تنقص من كرامتي على نحو لا يمكنني معه تسجيل كل ما يخطر لي، فأشعر بالعجز والاستغراب، كيف تحملت كل هذا، وهل بعد هذا، أنا حي؟! ستنقص كرامتي ما نسبته …….

وعندما أعاني من الخوف في هذه اللحظة من أن يكتشف أحدٌ ما، ما أفكِّر فيه، وما أدوِّنهُ، وأسارع بيدين مرتجفتين إلى تمزيق الورقة قطعاً صغيرةً صغيرة، ليستحيل معها تجميع الورقة، ستتلاشى كرامتي تماماً، وأنام عندها مرتاح البال تماماً، تماماً ,وبنسبةٍ تبلغ 100%….

السابق
أم
التالي
دمعته

اترك تعليقاً