القصة القصيرة

مشاعر

طرق الكعب العسكري أيقظها من غفوتها. نظرت بإعجاب إلى القادم ؛ كان شابا مفعما بالحيوية، مبتسم المحيا ، صلب الإرادة ، قوي البنية؛ عاد توا من ساحة الوغى، دفاعا عن حوزة الوطن و حرمته؛ هو ابن صاحب الحقل الشاسع و الضيعات المزهرة و العمارات الشاهقة..تم استقباله بحفاوة صاخبة؛ و خص بحفل بهيج على شرفه، إذ لعب دورا كبيرا في دحر الأعداء، نال على إثره أوسمة زينت صدره و منحت أهله فخرا..أحيط بالرعاية و الإهتمام ، و نال حظوة العاشقات بهفو قلوبهن له..
في تلك اللحظة ، شعرت بالغضب من هيأتها المزرية ، و تساءلت مع نفسها : لم أسند لي دور الإخافة ؟ لم أحمل هاته الأسمال السوداء ؟ لقد كرهت رائحة الجنائز، كرهت أن أكون معرضة للهيب الشمس نهارا، و لسعات البرد ليلا، كرهت أن أظل واقفة لا أتزعزع كأني مغروسة في هاته الأرض منذ الأزل لم لا يرحب بي كما رحب بالابن العائد ؟ألا نقوم بالدور نفسه، هو إبعاد الأعداء عن الوطن، و أنا إبعاد الأعداء عن الحقل ؟
صحيح أنني مشكلة من أشلاء متنافرة ، لكنها تكون هويتي ، و انسجامي و إن كانت للأعين الخارجية منفرة.
تمد بصرها إلى بعيد ، فترى الأطفال خائضون في لعبهم بكل مرح، و الماء إلى جانبها متدفقا، و الأهالي يلتفون نهارا حول موائد الطعام الشهي، و ليلا يتسامرون. أما هي، فتظل تعاني قسوة الوحدة، و الجوع و العطش؛ لا أحد يعيرها أدنى اهتمام، و لا يبدي نحوها أي احترام، و كأن لا دور لها، أو أن الدور الذي تضطلع به لا أهمية له، رغم أنه أساس، إذ يحمي الحقل من الإعتداء، و الأسرة من الجوع!
ترغم العصافير على البقاء معلقة في الفضاء، رغم أن جل ما تريده هاته الكائنات الجميلة، هو حبات قمح تسكت جوعها، و تكتم صراخ بطونها..
كم يقلقها أن ترى الرعب في أعين الأطفال لما يقتربوا ، ذات غفلة، منها، يولون الأدبار سراعا، فزعين و قد تذكروا تحذيرات آبائهم، هي التي أحست في اقترابهم ببعض دفء.
تتذكر أنها في ليلة مقمرة أبصرت شبحا يتسربل بجنح الظلام، تبينت في ما بعد ، أنه رب الدار، و يسير باتجاه الغدير، هناك، يعانق بحرارة يافعة، و في الوقت ذاته، شاهدت شابا يتسلل إلى الدارة فالغرفة. هل هو تبادل أدوار؟ كتمت سرها في قلبها، لم تجد لمن يبوح به له. ستصمت، حفاظا على التماسك.
يا ألله ! كم هم جاحدون هؤلاء البشر! تنكسر نظراتها كما لو أن سهما من أكنة قلوبهم قد اخترق صدرها، فنزف حتى المقت.
جالت في خاطرها الرغبة في أن تتمرد على هذا الوضع، على دورها التافه، مادام لا يمنحها مدحا يرفع من معنوياتها، و لا اعتبارا يحسها بأهميتها. خدمات مجانية قاتلة لكرامتها. اقتنعت أنه لا ينبغي لها إفزاع أي كان، فهي مسالمة لا يمكنها إلحاق الأذى ولو بنملة.
الحقل القمحي الممتد على مدى البصر يتحرك راقصا ، الرياح الموسمية تهز سنابله فتتماوج بليونة، و تتراقص ببراعة تنم عن فرحها العارم. رأتها تتضام و تتعانق، و يقبل بعضها بعضا؛ صفرتها الذهبية تجذب إليها الأنظار، أما هي فتظل في غمريتها تعاني ، الكل ينفر منها، يبتعد عنها متأففا، مخافة أن تلتصق به لعناتها. ما كانت أبدا رجسا من الشيطان! لقد جيئ بها، ظنا منها، لتقديم خدمات جليلة، أي نعم، فلم لا تحصل على مقابل يريح نفسها المعذبة مقابل تلك الخدمات؟ لو نفحت أجرا لكان ذلك كافيا لإبعاد ما التصق بها من صفات مرعبة. ما العيب في أن ترفع معنوياتها بكلمة طيبة ؟
لكن الإنسان كنود و جحود و قاس.
تعرف أنه بحلول فصل الخريف ستقتلع اقتلاعا، كما لو أنهم يريدون بذلك اجتثاثها من ذاكرتهم، و يلقى بها كشيء مهمل في الإسطبل بحيث ستعاني من روائح روث البهائم، و رطوبة المكان. لن يعبأ بما ستعانيه من آلام، و من خوف. تدرك أن الحمار الذي يضرب بقسوة ، و يعامل بجفاء ، رغم حمله لأثقالهم، سيترك وجها لوجه معها، و ثالثهم الجوع .
تعلم أن قط المنزل المدلل يحظى بالرعاية و الاهتمام ، و له وضعه اعتباري مهم، رغم أنه لا يقوم بأدوار مهمة، جل ما يطلب منه، و لا يعاقب إن أخل بالدور، أن يبعد هجوم الجرذان و الفئران، و هي وجبة شهية صار ينفر منها، و يتقزز، نفسه عافتها، إذ لم يعد يقبل عليها ، فله من شهي الطعام ما يجعله في غنى عنها.
أما هي ، فتقوم بأدوار جليلة، تحمي الزرع و الضرع. و تظل جائعة، و وحيدة.
و هي سادرة في غيها، تلون الأفق بسحابة سوداء ، ظنت أنها ستمطر نارا ، و لما دنت، تبينت أنها سرب غربان. تأملت المشهد طويلا، فكرت مليا، انتفضت ، جربت أن تفرد جناحيها، جربت أن تحركهما، جربت أن تطير.
صار الحقل ساحة وغى.

السابق
مجرد شك…
التالي
صدق

اترك تعليقاً