القصة القصيرة جدا

مشاكسة

قاطعتْ مرة أخرى سفري في أجواء الدرس بهمسها إليّ:
– إنها قصة جميلة ستروقك، أحضرتها من أجلك، اِقرأها واحتفظ بها…
طفقت أناملي تتصفحها، اِلتقطت عيناي صورا بالألوان بدت رائعة، لكني لم أنسَق مع تشكيلاتها المثيرة، فقطعت التصفح ووضعت قصتها على كراستها جانبا دون أن أنبس بكلمة، ثم ركبت نقل الدرس المثبت على السبورة. كنت مستغرقا في الحروف والكلمات أطوف حولها، عندما أحسست بأصابعها تتسلل من جديد إلى مقلمتي تتناول أحد أقلامي. لقد اعتادت الاِشتغال بأدواتي، تسِرّ لي دائما بأنها تروقها ولا توثِر غيرها. في الحقيقة لم تكن لديّ أدوات بالمعنى الحقيقي، فهي مجرد أقلام معظمها فاض مداده، قلم الرصاص أقصر قزم في العالم، مِمحاة قضم منها الزمن ومحا بياضها، شِبه مسطرة تصلح لكل شيء ماعدا أن تسطّر بها… تُرى ماذا يروقها في أدواتي التي أكل الدهر عليها وشرب ! عدت من جديد للدرس، لكن لم تمر لحظات معدودات نقلت فيها سطرين اِثنين بالتمام والكمال، حتى تسرب إليّ دبيب لكزتها من تحت الطاولة، ألفيتها تمرر لي صورة بالألوان، طفلة في مثل سنها بشعر أشقر منسدل على الكتفين، وخدين حمراوين مثل التفاح الذي أحبه، وعينين صغيرتين متوقدتين، إنها هي، هي… ! نظرت إليها بعلامات استفهام، فهمت قصدي وعلى وجه السرعة، كان ردها على وُريقة منكمشة الجوانب خطّت عليها: ” أتريد الاِحتفاظ بها…؟ “.
بدا سلوكها ضبابا يحجب عني الرؤية عما ترومه بتصرفاتها المزعجة، وغدت أفعالها تضايقني وتصادر انتباهي في كل لحظة أتابع فيها الدرس، ضِقت ذَرعا بسلوكها، لم أعد أطيق بلاهتها ولا هذه المشاكَسة التي لا تكاد تنتهي. قبل أن أعود إلى عالمي من جديد، فكرت في أن أتحلّى بشجاعة نادرة، فأرجو من معلمي تحويلي إلى مقعد آخر يوفر لي راحة الاِبتعاد عنها، وقد أطلعه إن طلب مني السبب، على ما تقترفه في حقّي من تشويش يقتلع انتباهي من الفصل ويلقي به بعيدا خارج التحصيل.
جذلت لصوت الجرس، هممت بجمع عُدّتي المدرسية في عجلة من أمري حتى أنصرف بعيدا عنها، أخبر معلمي بما يخططه تفكيري. وأنا غارق في اختيار وترديد الكلمات والعبارات التي سأبوح بها له، أحسست بيدها تعانق ذراعي وهي تحدّثني:
– ما بك ! أراك مسارِعا في جمع أدواتك، رويدك… !
أوْغَلت يدها في محفظتها واستلّت منها علبة من الشوكولاته، فكّتها من غلافها الذي طغى عليه بياض كالحليب، وأمدّتني قطعة بُنية في شكل مربّعات صغيرة مسطّحة وأردفت:
– تناولها، إنها لذيذة… هيا تناوَلْها.
حدّقت في القطعة، رفعت عينيّ إليها، رسمتُ نظراتي على نظراتها، ثم قضمت جزءا منها. بادرت بإمساك ذراعي مرّة أخرى وهي تسألني:
– كيف تجدها..؟
– لذيييييذة…
تهللت أساريرها وانفرجت على ثغرها ابتسامة قلما ظهرت عليها ثم أردفت:
– أتمم قطعتك، أنت تحب الشوكولاته كثيرا، وأنا أحضرتها لك.
إننا الأخيران اللذان يغادران القسم، يقودنا انشراح وتراقصنا سعادة تحت حثّ خطانا حتى عتبة البوابة، حينها كبحتْ جماح اندفاعنا، أمسكت بيدي، وبصوتها الخافت سألتني :
– هل تحفظ الأسرار؟
– نـ..عـ.. ممم…
– أفضّلك عليهم جميعا سامي، لن تجد صديقة مثلي، لنحافظ على العهد بيننا… إلى الأبد، اِتفقنا…
اِبتلعت ما تبقى من الشوكولاتة الذائبة في فمي، غمغمت في وجهها، ثم أطلقت ساقيّ للريح في اتجاه بيتنا، وتركتها وحدها تقول لنفسها كلاما.

السابق
غسق
التالي
الشكيمة

اترك تعليقاً