القصة القصيرة

مصر بدون نقاط

(1)
حينما كان كاتبنا الكبير يتثائب قبل ان ينام، وكان كما تعود في العصر الحديث من ظاهرة انقطاع التيار الكهربي، وكان يشعل شمعة ضعيفه صغيره تكاد تلفظ انفاسها الاخيره، وكانت الشمعه تتثائب ويتراقص ظلالها علي جدران الغرفه البسيطه وشد قدميه وتحرك نحو مخدعه البسيط…ودق جرس الهاتف، وأخبرته السيده….مرحبا..اين مقالك الاخيرسيدي
تلعثم الرجل وظل يفكر في إجابه مرضيه
وجعل يسعل وهو يفكر في الرد ثم تعلل انه لحظات حيث يطار حشره سامه
وجلس علي المقعد الوحيد المتهالك
ونظر في السقف فوجد بعض من خيوط العنكبوت تتدلي
قاب قوسين من رأسه وأرتبك
وفجأه الصوت:
– سيدي هل رحلت
– لا أسمعك
– قال لا….أنا هنا ولكن متعب، هموم الوطن تؤرقني
ضحكت ضحكة طويله وقالت:
– هذا اولي ان تكتب، البسطاء ينتظرون منك الامل
ظل الرجل يفكر وقال لها:
– نعم سيدتي سأمسك ورقتي الان وأحمل السطور علي ورقتي الاخيره، وأضع الحروف، ولكنني لا أري الحروف جيدا
ولا النقاط، ولكن سيدتي سأكتب كلمة واحده، سأكتب مصر، وعلي الناس أن تضع النقاط.

(2)
كان رد الكاتب مفاجئا وغامضا:
– سأ كتب كلمة مصر، وسأترك للناس ان تضع النقاط
سكتت السيده علي الطرف الاخر، تنهدت، وأخذت نفسا عميقا
– سيدي اي مصر تتكلم
– أعني مصر
– نعم، كنت أظنك تتكلم عن مصر
ضحك الكاتب وقد بدأ يستفيق من نعاسه وقال:
– لاعليك أبنتي، الوطن الان به ضجه..به عله…به مرض، الأطباء به كثيرون، وكلهم يصفون الدواء وكلهم ظانون أنهم علي الحق.
– قالت: ماتفسيرك
– قال: أبنتي كلنا مخطئون، كلنا نائمون ..كسالي…متواكلون، صحونا فجأه، كلنا نبغي قضاء الحاجه لم نجد الا الوطن
والوطن مريض، حزين ونحن متمردون، جائعون، ومنا حاقدون، ومنا مشردون، ومنا خائفون، ومنا ناقمون.
– قالت: سيدي لاتتسرع توقف .. وأرتفع صوتها؛ ربما اخرون لنا سامعون، يتهامسون، ولكنهم يتصنطون
– قال: لاعليك ابنتي فنحن الان متحررون وليتهم تركو القيد بيدنا أو كنت أنا مسجون الحريه أفسدتنا وأفسدت الصامت
وأفسدت السكون.

(3)
السيده علي الطرف الأ خر تتعجب:
– هل الحريه كانت وبال علي الوطن سيدي، هل الحريه شئ سئ، لا أفهم

تنفس الكاتب طويلا وصمت، وأردف..يدق بأصبعه علي الطاوله وبأصبع السبابه يحك أعلي أنفه، ثم يقول:
– سيدتي هل مازلت هنا
– قالت بصوت متسرع ومنفعل: نعم أسمعك تفضل
– قال: نحن أفسدنا الحريه، هي ليست حريات شخصيه للمواطن، كنا نطلب حريه وطن، ومع حرية الوطن نحصل نحن علي حريتنا ولكننا لم نحصل علي أي من الحريتين، فقط تحصلنا علي الفوضي الخلاقه كما وعدونا أو كما خيرونا، أنا أو الفوضي، فتاهت الحريات وأرتبكت المسؤوليات وكانت فوضي ونزل كل مواطن يحمل حريته علي كتفه، ويحرق الوطن
يقول أنا مع الأحرار، أنا من الثوار وكانت أم كلثوم تدندن، ثلاثون عاما وأنا أبحث عن هويه عن بندقيه.
– صدقت، فالمواطن يحمل الأن بندقيه ضد أخيه، بل يقتله بدم بارد وكل قاتل يظن أنه قتل الظالم والمقتول يظن أنا شهيد في الجنه والأهل يتقدمون لطلب أثبات الشهاده، والحكومه تبصم مرغمه، وتقدم، تاهت الدوله، وضاع النظام والأمان.
صمتت السيده برهة علي الهاتف ثم اردفت تتكلم وقالت:
– سيدي الناس متفرقون، مختلفون، مصر إلي أين تمر وأين ستكون
– قال لها: هي فتنه أبنتي، الثوره كانت فيضان، هادر قوي، حمل الكثير معه، ورفع الكثير وأطاح بـأخرين
ولكنه سينكسر ويعود وستذهب الشوائب ويتبقي الماء الطاهر في الارض كي تنمو مصر، فلا تنزعجي.
– قالت: الشعب منقسم
– ضحك برهة وقال: سبحان الله بجانبك نافذه أبنتي
– قالت بلهفه: نعم وهي مفتوحه سيدي
– قال: هل تري القمر في السماء
– صمتت وقالت بصوت يقترب من الهاتف: نعم أراه جميلا
– قال: الم ينشق القمر………..نصفين
– قالت: نعم
– قال: الشعب سيلتئم كما التئم القمر
– قالت: والخلافات؟
– قال: تحدث في كل بيت وتنتهي
– قالت: سيدي هناك صراع
– قال: أعلم…وأتمني أن يكون صراع علي الاحسن
– قالت: ان الشعب مخنوق
– قال: المهم أن يصحو المارد الراقد في الصندوق
– قالت: تقصد الموجود في مصباح علاء الدين
– قال: لا ابنتي….المارد هو الانسان في مصر المسجون في سجون الجهل.

(4)
تكلمت السيده علي الطرف الاخر:
– سيدي…….هل تخشي أي أخطاء
– قال: لها لا، أنا لاأخشي شئ أبنتي
– قالت: ولاتخاف ضياع الوطن
– سكت قليلا وقال: الوطن كطفل يسكن داخل الرحم داخلنا أبنتي، فلو نحن ضعنا……….ضاع الوطن، وإن ضاع الوطن…..فنحن ضعنا، نحن كعنقود عنب بري وردي، لو إنفرطت حباته اضاع العنقود والوطن والجمال، الوطن والناس
نحن مرتبطون بنيتي الصغيره، والكثير لايعي هذا، كثيرون طماعون في الكيكه، والطعم اللذيذ، يريدون ربحا سريعا يزينون أنفسهم أمام البشر، يقولون نحن المستقبل، وهم يقطعون بأظافرهم في جسد الوطن الواهن بالاوجاع.
– قالت: السيده: هذا حال الوطن، فما حالنا نحن
– قال: نحن؟؟، ثم صمت يفكر ويدخن غليونه قال: بعد فيضان الثوره تغيرنا، لم نعد نحن، اصبحنا إناس أخرون
غرباء داخل الوطن، غرباء داخل البيت الواحد، غرباء داخل النفس الواحده، الست سيدتي غريبه بداخلك
– قالت ربما سيدي، ولكنني أحس بالغربه في وطني، وأردفت تبكي.

(5)
أردفت السيده تبكي وتجفف ألامها، قال لها الكاتب:
– مايبكيكي سيدتي
– قالت اصبح الوطن غريبا وأصبح يتيما واصبح لقيطا يتنافس علي أبوته ثلاثون رجلا، هم يبحثون عن ماورثه الوطن من أمه، هم لايبحثون عن مصلحه للوطن، هم يبحثوا عن مال الوطن اليتيم عندما كان الوطن مسجونا، مقهورا، ثلاثون عاما
كانو هم يتثائبون، الان بعد أن أصبح الوطن حرا، وريثا، إصبحو متمردون، ثائرون، طامحون، يبحثون أنني أبكي سيدي علي وطني اليتيم
– قال الكاتب: نعم أبنتي؟، هذا الوطن اليتيم لديه ثروه مدفونه تحت الجدار، بناه الخضر قديماعندما كان مع النبي موسي
الم تقرأي القرأن؟
– قالت سيدي أعلم
– قال لها ستخرج هذه الكنوز الان، لذلك فالوطن اليتيم، ظهر له ثلاثون أبا، ومنهم من يعتبر الوطن أبن شرعي
ومنهم من يعتبر الوطن أبن غير شرعي، المهم هو والد هذا اليتيم، وزاغت عيون الوطن، وترقرت دموعه وهو الان في المحكمه يبحث عن أب له.

(6)
– قالت السيده: وهل يتكلم الوطن، ولو تكلم هل ننصت له أم يحركنا الهوي
– قال: نعم الوطن ينتظر حكم المحكمه، من أبوه الشرعي، ومازالت القضيه منظوره وللأسف لا أحد يستمع إالي نحيب الوطن، كلنا يستمع إلي نفسه ويشرب من كأسه ويتلذذ بخمره.
– قالت: ماهو حكم المحكمه
– قال الكاتب: القاضي الشرعي غير متوفر، غائب، يصرخ مع الناس، يبحث عن صوته وكأسه
– همست السيده وقالت: ماذا تقول؟؟، هل القاضي يتوه مثلنا سيدي
– قال الرجل: أسالي القاضي ….لما تسألينني
– قال: أتخشي العقاب
– قال: ربما أخشي الحساب
– قالت: هل تخاف مثلنا سيد
يبتسم وقد أخرج سيجار جديد وبدا كأنه يبحث عن مخرج للسؤال ويلف ويدور ويبحث بأصابع دقيقه علي طاوله عتيقه
– قالت السيده: ماذا تفعل
– قال: لاشئ، ولكنني أجرب أحتكاك أصابعي بهذه الطاوله، هل ستعيد لها حركاتي شبابها
– وماذا وجدت
– قال: وجدت أنه ربما كلماتي لم تعيد للوطن شئ
– قالت تكلم
– قال الكاتب: عن أي شئ؟
– قالت: عن قلبك والهم المدفون
– قال: وقومي ….هل يعقلون؟
– قالت ربما يكونوا وربما يدركون
– قالت بعد أن وضعب كوب ماء بارد بين كفتي يديها وأرتوت، هل سيبقي في صدرك هم لوطن مسجون
– قال لا، ولكني متعب ابنتي وأنا من سأكون.

السابق
متعنترٌ
التالي
الزمن سر مكنون

اترك تعليقاً