إبننا يكتب

مفاجأة وسط الأعماق

كان يا مكان في قديم الزمان و سالف العصر والأوان طفلتان توأم تعيشان مع أمهما المريضة في بيت عمتهما بعد وفاة والدهما في إحدى الحروب.
نشأت الشقيقتان منذ نعومة أظافرهما وسط كابوس الرعب و الخوف من جبروت العمة التي جعلت منهما خادمتين مستغلة مرض أمهما و عجزها عن حماية فلذتي كبدها’ مرت الأيام رويدا رويدا وازداد مرض الأم وللأسف انتقلت إلى جوار ربها مودعة بذلك ابنتيها إلى الأبد. حزنت الفتاتان حزنا لا يوصف لأنهما فقدتا ذلك الصدر الذي يأويهما وذلك العطف الكبير الذي يسقيهما بينبوع الحب و الحنان فلم تتحمل إحداهما هذه الصدمة المؤثرة فأصيبت بالعمى تماما . مرت الأيام شيئا فشيئا و ازداد ظلم العمة و غطرستها فقررت الشقيقتان الرحيل دون تردد لأن الحزن أصبح سيد المكان دون شك.
-ترافقت الفتاة و أختها العمياء و الحزن يملأ قلبيهما البريئين إلى مصير مجهول فقطعتا مسافة مديدة حتى لمحت إحداهما من بعيد بريق البحر فاقترحت على أختها العمياء أن تقيما في خيمة على الشاطئ .
لازمت الفتاة العمياء الخيمة أما الأخرى فذهبت للبحث عن عمل ما لعلها تكسب بعض الدنانير فتصد جوعها وجوع أختها. باشرت الفتاة بالبحث لكنها لم تجد أي عمل فلجأت للتسول وطلب يد العون من المارة لكنها ملت من هذا لأنها تتعرض لمضايقات كثيرة من الصبيان الطائشين’ بعد يوم شاق عادت الفتاة صوب الخيمة وبكل أسف تقول لشقيقتها; للأسف يا عزيزتي رجعت بيدي خاويتين فليس هناك ما نتناوله هذه الليلة; فردت عليها شقيقتها قائلة ; هوني عليك يا شقيقتي فما علينا إلا الصبر و التفاؤل لأن الله عز وجل هو الرزاق لجميع المخلوقات ; ثم ابتسمت الفتاة وفكرت بعملية الصيد لكنا وللأسف لا تملك حتى صنارة فأخذت غصنا طويلة و أوصلت بها خصلة من شعرها المسترسل الجميل وأخيرا أضافت ورقة خضراء كطعم للأسماك وفي الصباح اتجهت نحو البحر و جلست على إحدى الصخور ورمت الصنارة في الأعماق و بقيت تنتظر و تنتظر لكن دون جدوى ولما رآها الصيادون الصبيان تصطاد بهذه الصنارة الغريبة أخذوا يسخرون منها وينعتونها بالغبية لكنها لم تهتم لما يقولونه و اكتفت بالصبر وكانت دائما تدعو الله أن تبصر أختها من جديد فتتمكن من رؤية الطبيعة الخلابة .
في إحدى الليالي الممطرة ترافقت الفتاة و أختها العمياء نحو شاطئ البحر وجلستا على الصخرة ورمت الفتاة الصنارة الغريبة في البحر لعل الحظ يوفقها هذه المرة ثم أمسكت كل فتاة بيد الأخرى وسكن كل شيء تماما و كأن الزمن توقف عن الجريان لكن قلبهما مازال يدق بنبضات التفاؤل و الأمل الباسمة ثم إذ بقوة جبارة تجذبهما إلى الأسفل عن طريق الصنارة صرخت الفتاتان في آن واحد ; يا إلهي سمكة سمكة لأول مرة ثم إذ بهما تنجذبان بقوة نحو الأعماق فأخذتا بالصراخ وتيقنتا أنهما ستغرقان لا محالة لكــن الــمفــاجــأة ؟؟؟ منظر باهر و فاتن في غاية الروعة و الأناقة ثم إذ بأسماك مضيئة تقترب نحو عيني الفتاة العمياء وما هي إلا لحظات وأبصرت من جديد آه آه… إنها أسعد و أثمن لحظة على الإطلاق ثم إذ بهما وسط منظر فاتن مليء بالأسماك الملونة الأصداف و الأحجار الكريمة التي هي في غاية الرونق حيث قضت الفتاتان التوأم أحلى اللحظات و تزينتا بحلة مميزة من الأصداف و الورود البحرية ونسيتا كل الأحزان و الأوقات الصعبة التي مرت عليهم و الحياة الضنكا التي كانت كابوسا يراودهما سابقا وكل هذا بسبب تحقق حلم رجوع البصر الذي هو بمثابة المعجزة ثم إذ بهما أمام قصر جميل حل مكان الخيمة السابقة وعاشت الشقيقتان التوأم في ســــعـــــــادة أبــــــديــــة وتيقنتا أن الله عز وجل يفرج كربة كل صبور وأدركتا أن بالتفاؤل و الأمل يتحقق المستحيل و تــبـتــــســـــــــم الحيـــــــــاة من جـــــــديــــــــد .

السابق
مفارقة
التالي
مرآة

اترك تعليقاً