القصة القصيرة

مقام سدنا الولي

يفتح الكدر علي مشهد ليلي .. زحام في كل مكان .. الناس تقبل , تجيء من كل حدب وصوب .. الأصوات تتداخل تتعالي ..ومكبرات الصوت المرتفع تملأ المكان .. الزحام علي أشده …. الأنوار معلقة في كل مكان .. تكاد تخطف بالأبصار .. مسرح بدائي مصنوع من خشب ملون .. يقف علي بابه رجل شبه عاري .. مفتول العضلات .. ينادي بميكرفون بدائي في يده .. وهو يلتفت يمني ويسري .. ويشير باليد الأخرى للزوار
ــ يالله الأراجوز .. يالله قرب قرررب .. تعالي أتفرج .. تعالي شوف الفتاة الكهربائية .. والراقصة اللوذعية , فاتنة الفاتنات .. وجميلة الجميلات.. والساحر الشرير .. والأكروبات الجميلة المثيرة … يالله , يالله قرب , قرب , قرررررب
يقترب أناس ويبتعد آخرون … وكشافات الضوء تبدد ظلام الليل .. وتيقظ عيون المدينة الهادئة .. والناس مزدحمون كيوم الحشر .. الباعة الجائلون منتشرين في كل مكان .. هذا يبيع صور للفنانين والمشاهير وكبار الساسة … وهذا يبيع مناديل وسجائر وأشياء أخري .. وهذا يحمل بين يديه طبق به ترمس .. وهذا يحمل فوق رأسه “طابلون” مليء بالساندويتشات .. وهذا… وهذا ….. وهذا .. وكل منهم ينادي علي سلعته بطريقته الخاصة .. ومنهم من يبتلعه الزحام .. ومنهم من هو فارش علي الأرض .. او عربة يد .. أو قفص من الجريد .. ومكبرات الصوت صداه يرج المكان رجاً .. ويقلق المدينة النائمة .. الدكاكين علي الجانبين مفتحة الأبواب .. وملأ بالسلع والبضائع , والألعاب .. طرابيش .. مزامير .. بالون .. حمص .. فول سوداني .. وحلاوة أشكال وألوان .. أشاهد احدهم يقف أمام دكانه .. يصفق بيديه وهو يردد ..
– أبعت زوارك يا بطل …. اسعي اسعي وصلي علي النبي …
أصوات المنشدين تنبعث من داخل السرادقات .. المنتشرة هنا وهناك بطريقة عشوائية تزيد المكان رونقا وجمالاً .. وتنطلق لتجوب الفضاء .. وتخترق الأجواء .. والمولد في ليلته الأخيرة .. وأنا انظر حولي بإعجاب .. تأخذني الألوان المعلقة المرتعشة .. وكأنها ترقص علي إيقاع الطبلة والموسيقي .. والسرادقات التي بها .. الخدمات .. موزعة في المكان بطريقة عشوائية … يدهشني هذا الرجل العاري .. إلا من خرقة بالية تستر عورته .. وهو يقف وسط جموع من الناس .. وبيده شعلة نار.. يضعها لأعلي .. ينفخ فيها بفمه المليء بالغاز .. فتخرج من فمه نار علي هيئة دوائر ومستطيلات .. والناس حوله يصفقون .. ويتصايحون .. يهتفون .. وهو يحثهم علي الهتاف أكثر والتصفيق الحار .. وإخراج بعضا من النقود له ..
ــ ” صلوا علي النبي .. صلوا علي الحبيب “..
وهنا يظهر أبي متوسط الكدر .. ممسك بأيدينا يوصينا أنا وأخوتي .. وأمي تحمل فوق رأسها مشنة كبيرة .. فيها الطعام , وأغراض أخري نحتاجها في الزيارة .. وأختي تسير بجوارها وقد أمسكت بأولاد أخي الصغار ..
ــ لا تتركوني .. أيديكم في أيدي بعض .. حتى لا تتوهُ وسط الزحام .. ولا تذهبوا بعيد عن عيني .. ولا تخذوا شيئا من احد .. سمعين ”
وانا اشعر بالجوع يعصر بطني .. والتعب يفت في قواي .. لكني كنت مغتبط وسعيدا جدا .. لأنها المرة الأولي التي أتي فيها إلي المولد .. وازور مع والدي الأولياء الصالحين
ــ نظرة ومدد .. صلوا علي النبي ..
ــ حي مدد , حيي مدد ..
ــ الله الله الله .. صلوا علي النبي
اسمع أبي هو وأمي يرددان معا ..
ــ اللهم صلي وسلم وبارك عليه .. عليه أفضل الصلاة والسلام
ــ مداد يا رب مداد “..
مدافع البمب المنتشرة .. تنبعث منها أصوات الفرقعات .. عيني تذهب علي صورة معلقة .. بوريتريه لراقصة مبتذلة .. مقذذة .. والرجل الساحر بجوارها .. كانت معلقة علي جدار المسرح الخشبي .. الينبعج من الداخل صوتها يصاحبه لحن رديء .. وأصوات تتعالي وصياح وهتاف وتصفيق وهي تغني وتردد في حماس
ــ الله الله يا بدويك باليسر .. أختي ذوبه من عيله .. عيله اصيله وجميله .. الله الله يا بدويك باليسري ..
نتجاور المسرح الخشبي ” التريتروا ” بقليل , يقابلنا حلقات الذكر ملأ بالمداحين .. نتجاوز حضرة منصوبة .. الناس فيها واقفين صفوف صفوف .. يتمايلوا مع اللحن وصوت المنشد .. ومنهم منيترك الصف .. يقفز .. وهو يرغي ويزبد .. وقد وقع علي الأرض في حالة هياج وتشنج أشبه بالمُصرع
ـــ أأفففوووه أأأففففوووه …
يقترب منه حفنة من الرجال .. في محاولة منهم لإيقافه .. أو إسكاته .. أو فوقانه.. لا ادري .. يأتيني صوت احدهم .. وهو ينفث في إذنه
ــ واحد .. وحد .. مادد مادد مادد .. يا سدنا الحسين المادد ..
أجدني اسأل أبي الذي وقف لينظر .. وكأنه المشهد راق له , واستهوه .. وربما كان يبحث بنظره علي احد بداخل الخيمة أو الحضرة ..
ــ ايه ده يا بابا .. ماله الراجل ده .. وليه بيعمل كده .. وإيه اللي حصل له ..
يستقبلني ابي بوجهه .. بعدما جلس القرفصاء إمامي .. وقد وضع يديه السمراء علي وجنتاي.. وهو يبتسم ..
ــ ده راجل مبروك يا ولدي .. ومكاشف .. أكيد يا ولدي ما ستحملش .. ؟
ــــ ماذا تعني يا ابي بكلامك هذا ..؟!!!!!
ــ انت صغير يا ولدي .. وما تعرفش حاجة لسه .. ولما تكبر هتعرف ..
صوت احد المنشدين يخترق الهواء , والأجواء , ليأتيني واضحا جلياً
ــ يا فاطمة يا فاطمة .. يا بنت نابينا .. قومي أفتحي لنا الباب يا فاطمة .. دا ابوكِ داعينا
نقف عند المقام .. كل واحد بجوار أخيه .. حتى لا نبعد عن بعض .. كما قال لنا ابي وما زالت صورة المراجيح .. التي كانت بجوار المسرح الخشبي ” التياترو ” والراقصة .. حاضرة في رأسي بقوة .. اسمع صرخات غير طبيعية .. وأشاهد ناس تبكي .. ونساء تزغرد .. وأنا أكاد اختنق .. من شدة الزحام .. والسعي حول المقام .. أسمع احد الناس يصرخ ..
ــ لطفك يا رب ..
” ما هذا الزحام الشديد , الخانق ..رأسي تكاد تنفجر من الاصوات المرتفعة .. وسمعي لا اكاد اسمع منه إلا تشويش .. وعيناي محمرة من السهر والإجهاد ”
ألاحظ احد الشباب .. يقترب من امرأة شابة .. جميلة نوعا ما .. في العقد الثالث من عمرها .. يقف خلفها في تحرش سافر .. وهي لا تبدي أية مقاومة .. تقريبا .. وهي تمسك بالسياج الحديدي .. الذي يرقد بداخله الضريح ..
ــ اديني جيت لك زي ما قولت اه يا سيدي .. حقق لي اللي قولتلك عليه يا بطل ….
اشاهد بعض الناس تطوف حول الضريح .. والبعض يطلق أصوات غريبة .. همهمات .. وصرخات .. وكلمات غير مفهومة .. وأنا لم اهتم الا بهذا الشاب الذي التصق بالمرأة .. وقد ارتسمت علي وجهها ملامح غريبة .. تشبة الرضي بما يصنع .. وخليط من الخوف مع الارتياح .. مع بعض القلق .. وكل مشغول بنفسه .. يصلني صوتها واضحاً في هذه المرة
ــ أرضي عني يا عم الشيخ .. وحيات مقام سيدك النبي … وتوب علي وهديني ..
ارقب احد رجال الشرطة ينظم عملية الدخول .. والخروج من الباب .. واخر ممسك بعصاه .. يدفع بها وهو يقول .. للناس الواقفين المتكدسين أمام الضريح ..
ــ اسعي وصلي علي النبي ..
أردت ان اخبر ابي .. الفت انتباه هو وإخوتي لما أراه .. جزيته بقوة من ثيابه .. نظر إلي وهو يبتسم ابتسامة غضب .. تمنيت أن افلت من يده لأجري وأخبر الشرطي الواقف امام الباب .. ولكني خفت خوفا شديدا .. وأبي أيضا حذرنا من الابتعاد عنه .. انظر من خلال السياج الحديدي ..والذي وضع في جوفه التابوت .. والذي تغطي بكساء سندس اخضر جديد من حرير .. وقد كورت فوق رأسه عمامة كبيرة , بها شرطان حمراء , وخضراء وبيضاء .. أري أمي ترفع يديها وتدعو بصوت مسموع .. وقد وضعتا يدهما علي التابوت .. تارة تمسح أمي علي وجهي .. وأخري علي وجه أخي ,
ــ يا سيدي تخليلي جوزي وتهدي لي ولادي وتبارك لي في جوزي وعيالي وتهدي هم لي وحيات حبيبك النبي …؟!!!!!
أما أختي فهي فتاة مبروكة .. تصنع مثل ما تصنع أمي .. مع أبناء أخي الثمانية .. وأخي الكبير واقف بجوار أبي .. وهو يتلفت يمنة ويسري .. كما لو كان منتظر أحداً .. او انه يبحث عن شيء ما في المكان .. أما أنا فكنت واقفاً .. أتأمل في اندهاش كل ما يدور من حولي في المكان .. وقدماي لا تكاد تحملني .. والجوع والعطش يفتك بي ..أعصر بطني بيدي .. أتذكر المرأة .. الشابة التي كانت تقف .. امام الرجل ولا تبدي أي مقاومة تذكر .. التفت حيث هي واقفة .. المحها وهي تخرج من المكان .. ومعها الشاب الذي أحاطها بزراعه .. وراح يفسح لها الطريق .. ويدفع عنها الزحام .. وهي خارجة .. وعلي وجهه ارتسمت ابتسامة فرح .. وانتصار وهو يردد بصوته قوي ..
ــ مدد يا شيخ العرب مدد .. بركاتك يا سيدنا ..
” المكان غريب جداً .. زحام شديد لدرجة الاختناق .. ضريح محاط بسياج حديد .. داخله تابوت .. والطواف حوله لا ينقطع .. وأصوات تتعالي بالدعاء تارة .. وأخر وبالقران والذكر والصلاة علي النبي .. وأشكال غريبة وعجيبة .. جاءت من كل بلاد الله .. وقبلات تتعالي أصواتها وهي تنطبع علي المقصورة .. وهذا التابوت الخشبي الغريب .. القابع أمامي ” ماذا فيه لا ادري ” .. وبخور .. وأنوار .. ونجف .. وأشخاص يجلسون في زوايا المكان .. وبأيديهم المصاحف يقرؤون القران بصوت مرتفع ” يس .. طه .. كهيعيص ” احد الذين يطوفون خلفي يصرخ .. وكأنه تلبسه جني .. أو به صرع من جنون ..
ـــ بوووبووه.. بوووبووه ..
واسمع اخر يقول :
ــ مدد يا ابو الفرج مداد ..
ـــ حيي حيي صلوا علي النبي ..
ــ هوان علينا يا رب .. ارحمنا يا رب ..
ارقب أمي تلم ثيابها .. تجلس القرفصاء تمد يدها.. لتأخذ قبضة من تحت المقام .. حصوات صغيرة من اجل البركة .. ــ كما تقول لي دائماً ــ تصرها في منديلها .. اما أبي منشغل بقراءة الفاتحة .. والدعاء والتمسح في المقام .. وأختي تفعل مثل أمي تماماً .. وأخوتي يقتدون بابي .. اما انا فلا ادري ماذا اصنع .. أريد ان ابكي .. اصرخ في أبي …
ــ ” أرجوك أخرجني من هذا المكان الموبوء .. أرجوك أخرجني أكاد اختنق .. إني جائع .. وعطشان , ومتعب أيضا .. ارحموني وأخرجوني من هنا بسرعة.. أني أريد أن اشتري بعض الصور للعندليب الأسمر ” عبد الحليم حافظ ” واشتري أيضا .. كتاب كيف تتعلم الكاراتيه بدون معلم .. وأيضا كتاب كليلة ودمنة للفيلسوف بيدبه .. وكتاب إلف ليلة وليلة .. وكتاب الأغاني لعبد الحليم وأم كلثوم .. نفسي اركب المراجيح .. المراجيح المنصوبة بجوار المسرح تشدني إليها بكل قوة .. تمنيت لو ركبت المراجيح .. فأنا أحبها جدا برغم وقوعي من فوقها ذات مرة.. وتمنيت لو كان أبي أدخلني .. إلي هذا المسرح لكان أفضل عندي بكثير من أن يدخلني إلي هذا المكان الذي يكاد يخنقني ”
ولكن اكتشفت اني ابكي .. واصرخ بداخلي .. وأكلم نفسي ليس إلا .. وعلي فرض لو افترضت وقلت لأبي علي ما أحبه .. وأتمناه في نفسي .. تري هل سيستجيب لي …؟ هل سيخرجني من هذا المكان .. ويا تري سيسمعني أبي من شدة الضجيج .. وهذا الزحام الذي لا يطاق .. وعلي فرض سمعني .. فلن يلبي لي كل ما أريد .. سامحك الله يا أبي .. وغفر لك حيث جئت بي إلي هنا ”
ــ بركاتك يا سيدنا
ــ اسعي وصلي علي النبي .. اسعي وصلي علي النبي ..
ــ صلي علي الحبيب قلبك يطيب
أصوات المنشدين , والمداحين لا تزال تنطلق لتجوب الفضاء وتخترق الأجواء.. يأتيني صوت احدهم واضح .. يأخذ بسمعي ينسيني ما انا فيه .. ويذهب بي الي عالم أخر .. لأسبح في علم الملك والملكوت .. وأطوف حول عالم الجمال والسحر
ـــ اول ما كتب القلم .. كتب القلم الله … وكمل السطر بمحمد رسول الله
قال هو حبيي ومحبوبي .. وهو خير خلق الله ..واللي يصلي علي الحيب النبي
يا فرحته يا هناه .. واللي هتعمل له النهارده بكره امام الكريم تلقاه
والناس لم تزل تطوف حول المقام , وهم في حالة وجد شديد ..يتمايلون علي أنغام الموسيقي .. والموشحات .. والإنشاد الديني ..وهم يرددون بصوت جماعي …
ــ الله الله الله …. مداد حي ..مداد حي
ومنهم من كان يبكي .. وهو يشكي .. وقد امسك بعيدان الحديد التي تسيج المقام وانا انظر الي كل ما يدور حولي في اندهاش واستغراب .. متسائلا في نفسي ….
وروائح البخور تملأ المكان .. بدخانها الذي يزكم الأنوف .. ويكاد يحجب الرؤيا
ــ ” لماذا يفعلون كل هذا .؟ … ولما كل هذه الزينة .. والبهرجة .. والألوان التي تملأ المكان ..
لا ادري كيف تزاحمت الحكايات في رأسي .. تلك الحكايات التي كان يقصها علينا أبي ..عن أولياء الله الصالحين .. وعن كراماتهم التي لا تنتهي .. وعن ” الأقطاب الأربعة .. والأبدال .. والأوتاد .. والنقباء والوزراء .. والسلاطين .. .. وأهل الديوان الذين يجتمعون كل فترة من الزمان ويختاروا من بينهم رئيسهم .. ورئيسة الديوان .. ” السيدة زينب ” رضي الله عنها .. والخضرة الشريفة .. والست صباح والسيد البدوي مع فاطمة بنت بري .. وكيف كانت تأخذ شرب الصالحين كلها .. وتضحك عليهم وهي كانت ” عاوزه ” تأخذ شربت البدوي ..” وما قدرتش” عليه .. عمالها غلبان ولبس هدوم أي كلام وتلثم وراح لها قوم حطته مع الناس التانيه الغلابه وحطت لهم الاكل قوم هو أكل الأكل كله فراحوا لها وقالوا لها يا ست دا الراجل الغلبان اللي جبتيه لنا أكل الأكل كله فقالت يا خوفي لكيون ” السيد البدوي” قامت اختبرته ولما عرفته راحت سلطت عليه القمل وقالت له عليك بيه يا قمل فقام النمل أكل القمل .. فقالت له لازم تشوف لك حل معايا.. طلبت منه الزواج ..فقال لها لا تستطيعين ان تحملي نطفتي .. فقالت له اقدر علي ذلك .. فقال لها نشوف ونجرب لو تحملتي تفلتي تتحملين نطفتي .. فاحضر الهون النحاس .. ووضعته علي يدها وتفل البدوي في الهون .. فخرم هون النحاس .. وعدت التفلة من الهون .. وأيد بنت بري .. وفاتت في سبع ارضين .. فقال لها الم اقل لكِ لا تتحملين نطفتي .. فمن لم يتحمل تفلتي لا يتحمل نطفتي ” ثم نفاها في الجبال .. فهي ألان تايهه في التيه وكان يحكي لنا الكثير والكثير عن كرامات ” السيد البدوي .. أبو بطن واسعة .. وكيف كان يأكل الأكل كله وما يخلي لأحد .. وانه في مرة من المرات .. كانت أمه تخبز وهو مع أبوه في بلاد بعيده .. فقام قال لأبوه يا با أمي تخبز ألان فقال كيف هذا .. وما صدقهوش فقام رفع أمه والبيت بالفرن بالعجين وجابه لأبوه وقاله اه مش قولت لك يابا .. وانت ما صدقتنيش .. أمن بي بقي يابا .. فقال له ألان أمنت بك وكذلك كيف كان يأتي بالأسري من بين يدي الأعداء .. حتى أن احد الأعداء كان يمنع أسيرة من مناداة السيد البدوي ويعاقبه بالضرب لو سمعه يناديه وكان يضعه في صندوق بعد ما يخلص شغله أخر النهار .. ويضع عليه قفل .. فناد الأسير السيد البدوي فخطف الصندوق بالأسير والعدو وجاء به الي طنطا .. حتي شهد له العدو نفسه .. وامن بالبدوي وجاوره حتى مات .. وتلميذه ابو العنين ..والشيخ محمد البهي وسالم ,وعز الرجال,والست صباح.. وغيرهم الكثير”
وكان عقلي الصغير آنذاك يندهش لما يسمع كل هذه الحكايات .. وربما لا يصدق بعضها ..ويستبعد حدوثها .. وشعور بالخوف يغزوني .. كيف تجرأ العقل المخبول أن يرفض هذه الحكايات .. التي يعدها أبي وغيره من البسطاء من المسلمات ..”
تذكرت ليلة أمس … وأمي كانت تجهز لنا الأشياء التي سنأخذها معنا .. وإعداد الطعام .. والملابس .. وأختي الوحيدة “…… ” المتزوجة .. تساعد أمي .. وتضع لها كل ذلك في” مشنة ” مقاطف كبيرة .. ثم ركبنا في أخر قطار متجه إلي القاهرة بالليل .. نحن ومن يريد السفر من أهل بلدتنا …. المتوجهين إلي القاهرة .. وحرص أخي الكبير أن يكونا المقعدان متجاوران ..أو قبالة بعضهما.. اذكر اني كنت أقاوم النوم ليلتها .. بقدر المستطاع حتى لا يفوتني لأستمتع بتلك الرحلة الليلة الشتوية الرائعة في القطار.. وأذكر عندما جعنا أخرجت أمي لنا الطعام من مشنتها الذي تشبه الصندوق الكبير .. بيض مسلوق .. وثمرات الطماطم .. وكسر من الخبز البلدي اللدن ..وقطع من الجبن الأبيض القديم .. حتى غلبنا النوم .. فنمنا تحت الكراسي الخشبية .. علي أصوات الباعة الجائلين .. والناس التي في القطار .. قد علت أصواتهم وراحت تأتينا كدوى النحل .. كانت تلك هي المرة أولي .. التي ركبت فيها القطار .. كنت صغيراً حينها .. أخذنا ابي لزيارة مقام سيدنا الحسين والسيدة زينب رضي الله عنهم جميعاً .. ثم نكمل الرحلة الي طنطا .. بالد السيد البدوي , والست صباح .. ذات الانوار والدكرات ذات الطابع خاص والعقود الملونة الغريبة الشكل التي تحيط بها من كل جانب .. والتي فسرتها لي امي بأنها كانت ” ست عايقة وكانت تحب العقود.. عشان كده كل واحد يجي لازم يجبلها عقد.. من يوقظنا أبي من الرقاد .. ليحمل .. نهبط علي رصيف المحطة.. المزدحم كسوق الخميس الذي في بلدنا .. وننزل مسرعين متدافعين.. وبصعوبة بالغة .. من شدة الزحام .. ثم يتركنا مع اخي الأكبر .. في مكان متطرف .. بعيد عن الناس .. ثم يعود ومعه الفطار ” فول مدمس مع أقراص الطعمية الساخنة مع العيش المصري .. وبعض المخلّلات .. نفطر .. نشرب الشاي الذي أتي به من قهوة قريبة مننا .. ثم يدخل المسجد .. تشطف .. يغسل وجهه .. يبدل ملابسه المتسخة .. من وعثاء السفر .. بعدما يكون, وتوضأ , وصلي الصبح .. ثم يحضر لنا عربة كبيرة .. لتقللنا جميعا الي المولد .. ”
اخرج أبي حافظة نقوده .. دفع لكل منا بعض ” الجنيهات الزهيدة ” وهو يأمرنا أن نضع ما أخذناه في الصندوق .. فأبي قد أعطي كل واحد منا نقودا ليضعها في صندوق النذور .. الذي هو بجوار المقام .. فتلك عادته معنا ..اسمع أمي تقرأ الفاتحة .. وتدعو وهي تضع ما في يدها في الصندوق .. ثم كل منا يحذوا حذوها أما إنا أخذت أتظاهر بوضع النقود .. التي هي في يدي الأخرى ..أضع يدي خاوية علي الصندوق .. ليقتنعوا أني قد وضعت كل ما معي في الصندوق .. ثم أغافلهم وأضع ما أخذته من نقود في جيبي .. فقط كنت أهم الجميع أني ألقيت النقود كلها في الصندوق .. والحقيقة كنت لا أضع شيء .. فعلت هذا مع هاجس خوف يدخلني بان الشيخ يعرف ما فعلته .. وبأنه سيغضب مني علي ما فعلته .. وربما يكون اقل عقوبة أحظي بها منه .. هو شل يدي مثلاً .. أو ينفيني كما نفي فاطمة بنت بري .. ويرمي بي في الجبال .. هكذا صور لي عقلي الصغير آنذاك ..فأبي قد احضرنا معه لزيارته وأعطانا هذه النقود لنعطيها للشيخ .. فلماذا لم أعطيه انا كل ما معي من نقود ..؟ .. وخفت أكثر عندما تذكرت تلك القصة التي حكاها لنا أبي .. ذات يوم ونحن أمام موقد النار في وسعت الدار ومن حولها بعض الجيران .. الذين كانوا يحبون أبي ..والجلوس معه لسماع حكاويه عن أولياء الله الصالحين عن عجل “السيد البدوي ” ابو زحير ” وبطنه الواسعة الذي يأكل فيها ولا يشبع ..
قال لنا أبي .. ” في مرة من المرات .. ان احد الناس نزر له عجل .. واخذ يربيه له وهو في نيته..انه لما يكبر سوف يأتي به إلي ” البدوي” وينحره إمام عتبة الباب .. ويفرقه علي الفقراء والغلابة .. فقد أعطاه السيد البدوي ما طلبه منه لما زارة وحكي له حكايته وانه غلب مع الدكاترة والحكمة هو وامرأته علي الخلقة .. وأخيرا جاءه الولد .. بص صحبنا وجد العجل كبر قدامه ..” وربرب , وظغطط ” الراجل ما هنش عليه يوديه للبدوي .. وراح خده يبيعه في السوق .. قام وهو رابطة .. قطع العجل المربط .. وطلع يجري ويجري .. وصاحبه يجري ورآه .. والناس تحاول تحوشه وتمنعه مش قادرة .. لغاية ما وصل لسيدك السيد البدوي .. وقام واقف ورمي رقبته علي الباب .. طالب الحلال .. والناس واقفة تتفرج وتستغرب لحد ما جاء صاحبة ولقيه كده .. دخل وطلب العفو والسماح وبكي .. قام الخادم قال له : ” سيدك سامحك .. قوم يا لله نفذ المطلوب .. ” وطلب سكينه .. وقام عطاه سكينه .. ولما عرفت الناس الحكاية .. فرحوا وزغردت النسا وين ” ..
ادخل يدي في جيبي لأتأكد ان نقودي لم تزل في مكانها .. وانها لم تذهب الي الشيخ .. وانه لم يأخذها مني عنوة .. احمد الله انها في لم تزل مكانها .. وان الشيخ لم يمد يده في جيبي ليأخذها .. اقبض عليها بيدي الصغيرة .. حتى لا تفر او تختفي من جيبي .. فأنا أريد أن اشتري بها صور.. واركب بها المراجيح .. فأنا لا أريد أن أعطيها لأحد حتى الشيخ نفسه ..لا أريد أن أعطيها له .. كما أنني لا أأمن عليها من الشيخ .. أمسك النقود في يدي وأضم عليها بكل قوة .. وأنا خائف من الشيخ .. ورحت استحث ابي وامي علي الخروج .. خوفا من الشيخ .. معللا ذلك بالجوع الذي يعصر بطني.. والتعب الذي تملك جسمي .. متظاهر بالبكاء .. استعطافاً لأبي
ــ جعان يا أبي جعان .. عاوز أكل , اشرب .. عاوز أروح الحمام ..
يخرج أبي ومعه أمي وأخوتي .. يذهب بنا الي مكان متطرف قليلا .. لا تصله الأنوار الكثيفة .. وتخفت فيه وتقل أصوات المنشدين والمداحين .. ولا يبعد كثيرا عن المولد ..نتناول طعام العشاء .. الذي أحضره لنا ابي , من الخدمة المجاورة ..
ثم يطلب مني أبي .. أن ابقي مع أمي وأختي .. ومع من بقي من أولاد أخي ..
أما أخاويا الكبيران أراد أبي أن يصطحبهما معه .. ليتجولوا في المولد .. فهذه هي الليلة الأخيرة .. وتلك كانت هي عادته .. عندما يأتي في المولد .. رفضت أنا طبعاً ان اتركه .. فنهرني بشدة فبكيت .. فضربني فجريت من أمامه وأنا ابكي ..فطلبت منه أمي أن يصحبني معه .. فرفض.. فأبكي عليه بشدة .. فترجته امي وألحت .. فأخذني معه على مضض .. وأمراني بأن امسك يده .. ولا اتركه ابدأ .. ولا اذهب هنا او هناك .. ثم يدخل بنا في وسط الزحام ..
فتتداخل أصوات المنشدين من جديد , والناس في زحام شديد.. يطوف بنا هنا وهناك بين حلق الذكر والخدمات المتناثرة في المكان .. وانا ارقب واشاهد كل ما يدور من حولي .. انظر بعض النسوة الأتي يقفن .. حول فرقة شعبية .. بها طبل وزمر .. تتوسطها الخيول الراقصة..علي إيقاع الموسيقي .. وقد علاها بعض الرجال .. بجواره تبلوه تحمله تريزه .. وقد مليء بالصور, والبالونات .. وقد احاط بهنّ الرجال .. ليضربوا ببنادق الرش .. ومن يفوز يأخذ هدية .. ومدافع ” البومب لم تزل تضرب بكثافة وتصدر فرقعات شديدة .. يقف آبي بنا ليتفرج عند واحدة منهن .. فتاة جميلة في سن العشرينات .. تقف علي تبلون .. وقد زوقت تبلونها بالصور لكبار النجوم والفنانين والفنانات الشبه عاريات .. وقد وزعت عليهم البمب بطريقة رائعة ومدهشة .. يمسك أخي ببندقية الرش .. يعطيها ببعض الجنيهات الزهيدة .. فتعطيه حبات رش صغيرة .. يضعها في فمه .. الا واحدة يضعها في عجز البندقية .. يرفع البندقية ينشل .. وأنا وأبي وأخي ننتظر .. يضرب واحدة لا تصيب .. ويضرب الاخري والتي بعدها وهكذا .. ولا يفرقع البمب .. طلب ابي منه واحدة ليضربها .. ضبط .. نشل .. ضرب .. فأصاب البومبة.. التي بجوار عجز ” هيفاء وهبي ” صفق الجميع .. والمسجل ينبعث منه صوت عدوية .. وهو يغني أغنيته الجديدة ..
ــ الا ده يا واد انت الا ده .. بحبك والحب ازيادة .. ” ..
أتحسس نقودي التي أعطاها لي أبي .. أجدها راقدة في جيبي .. أريد أن أخرجها حتى اضرب بمب .. مثل أخي الكبير .. ولكني خشيت من أبي .. ليسألني من أين لي هذا .. ولماذا لم أضعها في الصندوق .. فأخرج يدي من جيبي في هدوء .. وأدعها في مكانها .. وأكتفي بالفرجة وفقط .. ألحظ أخي وهو يتحدث مع الفتاة التي تقف علي ” طابلون ” البمب .. وهي متجاوبة معه .. ومرتاحة لحديثة معها وتضحك .. الصخب منبعث من كل مكان .. والزحام قد اشتد كيوم الحشر.. يتدافع بعض الناس تهرول .. خلف لص خطف شنطة من سيدة عجوز مسنة .. تصرخ .. تصيح ..
ــ حرامي … امسك حرامي …. حرامي
يلحقون به أخيراً .. بعدما حجزه الزحام .. وبعض المارة الذين تعرضوا له .. وأوسعوه ركلاً , وسباً , ولكما .. وهو يصيح من شدة الضرب.. ويصرخ من شدة الألم .. المسرح البدائي المصنوع من الخشب .. لم يزل يقف علي بابه الرجل .. المفتول العضلات .. ينادي .. وهو يلتفت يمني ويسري .. ويشير بيده للزوار
ــ يالله الأراجوز يالله قرب قرب .. تعالي اتفرج .. تعالي شوف ..الأكروبات والفتاة الكهربائية .. والراقصة اللوذعية فاتنة الفاتنات .. وجميلة الجميلات .. الرقاصة ” لواحظ ” .. جاتلكم ملكة الاستعراضات والغناء .. عشان تتفرجوا ببلاش .. بجنيه واحد فقط لا غير .. فرصة لا تضيعوها .. ومع فقرة الساحر الشرير والعابة العجيبة الجميلة والمثيرة …. يالله يالله قرب قرب قرررررب
طلبت من ابي .. يدخلنا المسرح “التريترو” .. فأنا كنت أريد أن أتفرج .. علي ما يدور داخل هذا السرك .. او حتى يركبني المراجيح .. لكنه لم يرد علي بكلمة واحدة .. وكتفي بوضع يده فوق رأسي .. ثم طبطب علي كتفي .. ونظر إلي بابتسامة حانية .. ثم دخلنا بنا إلي الحضرة المجاورة .. القريبة من ” التريترو “.. الحضرة بها خدمة ملأت عن أخرها .. نجلس يرحب بنا , ويقدم لنا المشارب .. ما تيسر من القرفة , أو شاي , أو زنجبيل , أو حلبة حصي .. ثم نخرج لندخل في خدمة أخري .. يقدم فيها الطعام في هذه المرة .. لقيمات يابسات .. وشربة عدس .. أو فول نابت .. نجلس يأمرنا أبي بأن نسمي, ونقبل علي البركة , فأرفض انا متعلل ببطني التي تؤلمني. فيضحك أبي وهو يهزني من كتفي ويقول :
ــ ” كل بركة سيدك .. تشفي بأذن الله ..؟!!! .. فأرفض بشدة .. فطلب إخواني من أبي .. إن يتركني وشأني .. ثم ينظر بعضهم لبعض .. بعدما قربوا لهم الطعام .. ببتسامة تقترب من الضخك .. وهم يقبلون علي الطعام .. وأنا جالس بجوارهم .. انق نقيقا .. وصوت القطار يخبط في رأسي .. مع صوت المنشدين والمداحين والرجل الواقف أمام المسرح .. يخطف عيني النعاس .. لأجد نفسي .. فجأة
” في قطار ليس به شبابك .. ناهيك عن ألبيبان .. التي لا يمكن إغلاقها والكراسي لا تسر أحد .. والقطار يقترب من المحطة .. فجأة القطار يتوقف .. ليطير في الهواء وعرباته تتمرجح في الهواء .. والناس فزعون يصرخون .. وأنا اضحك وأبي وأمي وأخوتي مرعوبون وهم يتحوقلون .. وفجأة يظهر جمل كبير .. يطير في الهواء .. يمسك بالقطار بأسنانه .. فيتوقف القطار عن الطيران .. فيفرح الناس ويهللوا .. الحمد لله .. الحمد لله ..”
يوقظني أبي لننصرف .. اسأل أبي عن الساعة .. فيقول لي وهو يبتسم :
ــ وأنت عيزها فين الساعة دلوقت .. الساعة وحدة يا سيدي ارتحت ..
ثم ينطلق بنا حتى يقف عند بائع .. برز بضاعته للزوار .. اشتري لنا فول سوداني وحمص , وحلاوة .. وبعض من المزامير.. والطبل الصغيرة , ومعهم طبلة كبيرة كانت أمي قد طلبتها منه .. لتحتفظ بها وتعطيها صدقة لمن يطلبها في الأفراح .. وطرابيش مصنوعة من الورق الملون .. ولم ينسي ان يشتري لنا أكياساً من الفاكهة كمثري , علي تفاح , علي البرقوق الذي أحبه .. ثم حمل كل منا شيئاً في يده .. وطلب منا أن نتبعه .. لنعود إلي حيث تجلس أمي .. حتى نأخذ قسطاً من الراحة .. لنتمكن من الخروج .. خلف الموكب الكبير .. الذي سيدار به في المدينة .. في الصباح الباكر

السابق
سوق
التالي
واصل

اترك تعليقاً