القصة القصيرة جدا

من أنتَ يا صديقي !! ؟

حين وقفتُ لأول مرة بباحة الاستقبال، هجمت عليَّ الذكريات، التي لم تكن سوى تلك السنوات الرائعة التي عشتها مع هذا الصديق الذي أنتظره. كان لوصول الطائرة، مفعول السحر على المستقبلين، سَرَتْ بينهم حركة مفاجئة، أخذ كل واحد يشْرَئِبُّ بعنقه في اتجاه الممر الخاص بالركاب. كنتُ أقفُ في نهاية الحاجز، كلما مر مسافر، ينظر إليَّ شَزَراً، وأَرْمُقُه أنا بنظرة سريعة، سرعان ما تنتقل إلى الذي يليه، بحثا عن وجه صديق طفولتي. لا شك أنه تغير كثيرا. طال انتظاري، وتوالى تتابع مرور الواصلين. لم يظهر لصديقي أثر، لعله مر دون أن أعرفه، ولعله قد نَسِيَّ تقاطيع وجهي، أو لعل صورتينا قد تغيَّرتا. “إنها السنون يا صديقي.. ! ” قلت مع نفسي.. كان هو آخر المارين، وكنت أنا آخر الباقين، حين اقترب مني، أمسك بيدي. طاوعته، ثم سرنا في اتجاه الباب الخارجي للباحة. توقف قبل الخروج،ألقى نظرة خاصة مسحت كل قاعة المطار، وكأنه
يودع المكان إلى غير رجعة. تحت السقيفة الخارجية للمبنى، وعلى أقرب كرسي صادفنا جلسنا. عمَّ الهدوء المطار، تلاشى ضجيج السيارات والحافلات التي أفرغت المكان من مرتاديه، وتوقف هدير الطائرة الواصلة لتوها. تكلم دون أن ينظر ناحيتي: ” أنا على يقين أنك لم تكن بانتظار أحد، كنْتَ فقط تَأْمَل..” ولما لم أجب، أكمل قائلا:” أعرف حالتك، حدثت معي كثيرا، وأنا هناك، في تلك البلاد البعيدة -التي جئت منها الآن- بلاد الضباب .. والحرية..والأحزان..” أغرقني في خجلي، كيف عرف هذا الرجل بحالي !؟ أنا لم أحدثه بعد، ولم يسمع مني ولو كلمة…أحس بحيرتي وواصل قائلا:” كنْتُ هناك لاجئا أو قل منفيا.. لفظني وطني لأنني كنت أحبه على طريقتي، وأعشقه على طريقتي… لكن حراس السلطان صادروا حلمي.. ووأدوا عشقي..وحاولوا اغتيال أفكاري.. فعلوا ما شاءوا بجسدي وعائلتي ووظيفتي..ولما يئسوا مني وضعوني على أول سفينة مغادرة، وقالوا لي:” اِذْهَبْ..عليك لعنة الوطن والسلطان.. !!” فتحت فمي لأول مرة قائلا: ” اِذن، أنتَ أنا، وأنا أنتَ، مع فارق بسيط، منفاك كان غصبا عنك، أما منفاي فهو باختياري، فهل تقبل أن تكون صديق طفولتي الذي كنت أنتظر أملاً؟ وأن أكون لك خير وطن؟” حرَّك رأسه موافقا، ثم أمسك بيدي ثانية، ونادي آخر سيارة أجرة كانت متوقفة، امتطيناها، لنغوص بعيدا في أعماق المدينة والحياة…

مراكش
في: 01/06/2013

السابق
قراءة في نص ” سرعة “
التالي
بهارات .. حريفة

اترك تعليقاً