القصة القصيرة

من يوميات أسير

أحيانًا أودّ الهروب من هناك إلى هناك…فقط لو أستطيع أنْ ألملم أشلائي وبقايا من أحبّهم، لو أستطيع أنْ أحملهم معي وأذهب بعيدًا حيث لا أحد يعرفني، ولا أعرف أحدا…
أريد أّنْ أذهب رغم كلّ شيء، رغم كلّ ما فعلته، لم أعد أطيق الانتظار، أريد أنْ أذهب وأنْ أنسى أشياء كثيرة في هذه البقعة الأسيرة، حيث لم يعرفني وطني، ولم يسمع صوتي؛ فسياط الجلاد وأغاني أمّ كلثوم منعت أصواتنا، حبستها فلم تصل…
بقينا هكذا لسنيين طويلة، جائعون لحريّتنا المسلوبة، من وجوه عدّة، وجهات عديدة…نتحسّس جراحاتنا، ونعدّ العدّة ليوم الرّحيل الكبير. مات معظم الّذين كانوا معي، ولم يبق غيري وغير ظلّي الّذي نادرًا ما أراه أيضًا حين يطيب لهم أنْ ينفوني في زنزانة انفراديّة؛ فأخاطبه ويخاطبني، تعوّدت على مخاطبته لكيلا أنسى الكلام؛ فكان أنيسي في وحدتي…
ثمّ خرجت هكذا من غير ميعاد، عن طريق صدفة؛ ربّما! خرجت من سجني الصّغير إلى سجن كبير، أحمل معي ذكريات مريرة وجراحات كثيرة يبدو أنّها أرّقت نظر السّجان فلم يعد يحتمل رائحتها…خرجت وما زلت لا أعرف كيف خرجت؛ ولماذا دخلت…
خرجت وبدأت رحلة مضنية، محاولًا البحث عن بقاياي، عن وجوه اشتقت إليها كثيرًا، عن أسماء حفرت أخاديد في قلبٍ لم تستطع رطوبة تلك الجدران أنْ تمحوها؛ لم تنل منها رائحة العفن؛ فعجزت عن تشويه حروفها.خرجت وبحثت فلم أعثر على طريق واضح المعالم، فكلّ الضّجيج من حولي أثار عليّ جراحي؛ فاستنفرت كلّ الشّقوق فيّ من الدّاخل والخارج، وأخذت تعمل بلا كلل أو ملل تهاجم بقايا صبري؛ تحاول دفعي إلى الاستسلام …
سرت طويلًا، تعبت؛ لم أعد أستطيع السّير، ولم أنتبه إلى أنّ الزّمن غيّر حتّى ملامح الطّبيعة الّتي تجاهلتني ولم تساعدني في بحثي، ويكأنّها تواطأت مع الجراح ومن حيث لا أدري! بقيت شاردًا وحدي في زحمة ليس لها عنوان…
بعد عناء شديد وصلت إلى بيتنا، بعد ألف سؤال هنا وهناك، تأمّلت في الوجوه المحيطة به، تكلّمت وسألت بلا جدوى؛ لم يتعرّف عليّ أحد، أيكون السّبب هو شكلي الذّي غدا كمومياء عمرها ألف سنة أو يزيد؟ أم يكون السّبب في صوتي الّذي تغيّر هو الآخر؟ وأنّ الآهات الّتي كانت تخرج جافّة مزّقت أوتاره رغم الدّموع والدّماء الغزيرة الّتي بللت حلقي، ألهذا لم يعرفني حتّى أقرب النّاس إلى نفسي؟
لا تيأس؛ هكذا أقنعت نفسي، فانتظرت أمام الباب طويلًا، لم أحاول أنْ أسأل مرّة أخرى، كلّ ما أعرفه هو أنّ هذا هو بيتي، وأنّ أمّي لم تزل على قيد الحياة، سأنتظر فلعلّها تأتي قبل أنْ أموت من عواء هواجسي الّتي تمرّدت عليّ أكثر مّما كنت أحسب وأتخيّل…
اتّكأت على الحائط، وسرحت بخيالي بعيدا، كثيرون مروا من أمامي، لم يعبئوا بي، كثيرون مروا لم يلقوا حتّى السّلام؛ ومنهم من أعرفه! بقيت أنتظر حتّى جاءت أمّي، فلم تكد تراني حتّى صرخت من أعماق قلبها، ثمّ أغميَ عليها، نظر الجميع إليّ؛ عندها فقط وجدت نفسي…
خرجت ونمت في حضن دافئ، ورغم كلّ ما حلّ بي، نمت وكأنّي لأوّل مرّة في حياتي أنام؛ مغمض العينين، لم يزعجني أحد؛ لا دلو ماء بارد سقط فجأة من السّماء، لا سوط له نغمة غريبة مشحونة بالظّلم والسّباب، لا شحنة كهرباء حاقدة تجعل من الأذن كصفّارة هواء في ليل بهيم عبثت فيه الرّياح حتّى الثّمالة…
خرجت إلى هذا العالم مرّة أخرى، ويا ليتني لم أخرج، كلّ شيء هنا تبدّل، مبادئ كثيرة اندثرت، ووجوه قبيحة أصبح لها شأن وأيّ شأن؛ وبالأمس ما كانت تُذكر، كلّ شيء تغيّر، ولا تكاد تعرف من هو العدوّ من الصّديق… حتّى الموت أصبح له حضور يومي؛ وبات المرء لا يعرف لماذا يسجن أو يُقتل…
ليتني لم أخرج، ليتني بقيت في سجني، أريد الرّحيل، هكذا جاءني من يهتف في أذنيَ؛ اِرحل يا فتى، اِرحل بعيدًا، لعلّك تنسى بعضًا مّما قاسيته، اِرحل ولا تلتفت إلى الوراء؛ اِرحل قبل فوات الأوان…
بقيت طوال الليل أفكّر في هذا الكلام وأنا جالس تحت شجرة مضى من عمرها مئة عام، أتساءل إلى أين المفر؟ وإلى أين سأرحل؟ بقيت شاردًا لا أعرف جوابا، ثمّ اتّكأت على جذع الشّجرة، ونمت نومًا لم أعرف مثله من قبل، ثمّ استيقظت على وقع صوت أمّي، وأنا أحتضن شجرتي؛ فعرفت الجواب الآن…

السابق
قلم
التالي
نجل الرئيس

اترك تعليقاً