القصة القصيرة

مُدَوَّنَةٌ .. لا تموت

كانت جدتى لوالدى تنحدر من أصول تركية ، بالتحديد لمدينة (إسطنبول) الساحلية .
كانت دائماً ما يجرى على لسانها فى أوقات الأزمات المالية الطاحنة التى تمر بمحيط العائلة فى المناسبات الخانقة التى كانت تلف و تحيق بعموم القرية الصغيرة التى ولدت أنا فيها قبل منتصف القرن الماضى بسنوات تقول :
{كل أيام بقصدها} ..
كنت أسمع هذه العبارة و أبحلق فى وجهها الأبيض البض شاغراً فاهى كالأبله … لا أعى ماتقول ..
كنت أحسبها (ترطن) بالتركية فأخفض بصرى عن وجهها المليح و أعود إلى أشقائى و أبناء عمومتى فى اللعب البريء ..
لم أفكر فيما كانت تقصده بالضبط …
لم أشغل بالى إن كانت هذه الجملة أساسها تركى أم مصرى … أم كانت خليطًا بين الثقافتين ؟

عندها تغيرت نظرتى لجدتى لوالدى ..
لم يتحول عنها نظرى طرفة عين من ليل أو نهار ، و عندها شب عـقلى و بلغ عــودى مـــداه و بلغت مرحلة التمييز بين الغث و الثمين و الحكم على الأشياء جيداً ..

كانت جدتى لوالدى قد تجاوزت الخامسة و الثمانين عاماً ..
عندها جلست عند ركبتيها مزهوًّا بأصولها الأجنبية .. جلست أحصى عليها كل هناتها و أنفاسها و أسجل فى (المخيخ) كل ما كانت تتفوه به ، و أحسبه ضمن أبحاث ضرورية يجب تدوينها فى سطور رسالة دكتوراة ، حتى تكون لى فى الأيام القادمة مرجعاً و مستنداً و زخراً أعود إليه عند اللزوم و وقتما أشاء .
لم يمهلنى القدر الوقت الكافيَ لكتابةِ صفحات كثيرة من أقوال جدتى و التى كنت أعتقد وقتها اعتقاد العابد الناسك فى محراب التصوف .. أن كل ما كانت تقصه و تحكيه شىءٌ لا يقبل المناقشةَ و القسمة على اثنين .. أو حتى المقارنة أو مجرد القياس .
ماتت جدتى قبل عام من قيام حركة الضباط الأحرار التى غطت ربوع البلاد من أدناها لأقصاها ، و انقلب بعدها حال الناس فى بلادى ، و تبدلت معيشتهم و أصبحوا فى غبطة مع بدايات الحركة ، و صار الكتاب و المفكـرون فى كل بقعة على امتداد البلاد و عرضها يكتبون و يمدحون و يمجدون الإرادة المصرية و العزيمة الحديدية التى سرت فى عروقهم ، و يسجل المؤرخون بحروف من نور .. أن سدة الحكم فى مصر .. و بعد قرون طويلة .. و منذ عصور الفراعنة عادت ليتولاها مصريٌ خالصٌ أباً عن جــدّ .

عندها تكسر جزء من اللوحة الرخامية الموضوعة على صدر مقبرة جدتى .. و التى أصر وقتها والدى و أعمامى على وضعها بهذه الكيفية حتى تكون مخالفة لكل المدافن لأهل قريتى الصغيرة ، و ليعلم كل من يصعد إلى هذه المقابر أن هذا المدفن يضم بداخله رفات امرأة غير كل نساء القرية ، و أن أصولها تمتد إلى أعراق ضاربة فى أعماق التاريخ و أقوى ثقافات الدنيا وقتها و يكفيها فخراً أنها تنتمى إلى (الباب العالى) .
مع نجاح حركة الضباط الأحرار و هتاف عامة الشعب لها و التأييد منقطع النظير .. تحطم الكثير بداخلى مما كنت سجلته فى دفاترى القديمة و كان محلَّ فخرى و اعتزازى لوقت ليس بالقليل فى محيط قريتى الصغيرة و بخاصة فتيان و زملاء الدراسة ..
كنت أتباهى بما كانت تقصه و تحكيه جدتى عن قربها ونسبها من الحاشية الحاكمة و النوادر التى كانت تحدث للأميرات مع الأمراء من خلف ظهر (الملك) و كيف كانت هذه القصص و النوادر تثير حفيظة كل من كان يعمل فى القصر من المصريين و تؤثر على كل (الفرمانات) الصادرة عن القصر و من ثم على العامة .
تبخرت الحكايا كلها فى لحظة .. حكايات جدتى .. و لم تَبْقَ منها غير جملة واحدة عالقة فى ذهنى حتى الساعة …
ــ {كل أيام بقصدها} ..
هــذه الجملة لم تزل نابضة فى صدرى حتى اليوم !!
لا أدرى لماذا ؟
و كلما زرت المقابر حتى اليوم لأقـرأ الفاتحة على روح والدى المدفون فى المقبرة المجاورة لها أتذكر هذه الجملة أكثر و أكثر ، بل تتسمر هذه العبارة أمام ناظريّ و لا تتحرك قيد أنملة ، و كأنها تريد أن تقول و تملى علىّ شيئًا لم أفعله من قبل .
دونما تنقيب عن أصول هذه الجملة فى المعاجم و القواميس الأجنـبـيـة ..

تأكد لىّ عند وقوع الأزمة المالية العالمية الطاحنة فى بداية الألفية الثالثة .. والتى ضربت اقتصاد كل الدول الغربية الغنية و المسماة بالدول الصناعية الكبرى و ما يدور فى فلكها من الدول النامية .. بعد وفاة جدتي بأعوام طويلة .. تأكد لىّ :
ــ أن الجملة منبتها و مصدرها سماوىّ ، و إن جاءت بلسان عربى ، و معناها ..
(( يمحق الله الربا و يربى الصدقات و الله لا يحب كل كفار أثيم ))
و أن جدتى لوالدى كانت تعلم أصول دينها و دنياها و لم تركن إلى سلطة أو جاه أو نسب لباب عالٍ ، و لم تجزع يومًا من غلاء فاحش ، و أن الرزق بيد الله ، و أن الثقافات المبنية على الأديان السماوية مجتمعة كلها تنبت و تهبط من مشكاة واحدة …
” و لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى ” ……
فلها منى ومنك الفاتحة ….

السابق
خبزة
التالي
ســــرقة

اترك تعليقاً