القصة القصيرة

مِن يوميات أمّ جَديلَة

نهار بين الجُرْح و العَصا
طلع الصّبح على تلك البقعة الرّابضة بين جبلين، و كأنّ ما كان باللّيل لم يكنْ.. شمّرَتْ عن ساعديها.. رفعت طرف ثوبها إلى حزامها.. تأمّلت دروب المزرعة و نواحيها.. تُـحدّد أيّ جهة هي أولى بالابتداء.. و لم تَسْتَعِدْ الواقفات بَعدُ ظِلالها.. الدّروب و الوادي و الشّجر تعرفها.. المنجل و الفأس و القادوم تَرْقبها.. كلمّا سار إليها الحمار، شَـدّه إلى شجرة التّين عِقاله.. يمدّ إليها عنقه، فليس يَرْحمه غيرها، تأتيه بسطل ماء و كومة تبن كقطعة حلوى تشتهيها، تتّكئ على حجر تستريح لبرهة، و تَسْرح في النّطر إليه.. ـ لو أنّك تستطيع الكلام ليوم واحد فقط! لأتفقنا أنا و أنتَ.. مؤكّد أنّك تشاركني رغبتي. الحَرّ ينهمر متواصلا.. أشعّة الشّمس تُلهب جناح فراشة و تسقط عصفورا.. عجوز هَرِم أبْكَم يؤنسها، يتفيّـأ ظلّ شجرة السّرْو اليتيمة يحرس البستان مقابل سَدّ جوعه و فَرْشَة مُهترئة للمَبيت، يتتبّع حركتها كأنّه بها أُوكِلَ، لكنّه إشفاقا عليها يفْعلُ و ليس بِيده حيل.. تتحرّك على عجل.. تقوم بما كان يقوم به أبوها و عمّها و جدّها و أبو الأجْرب مجتمعين.. ساعات اليوم لا تكفيها.. تجمع البيض، تحلب البقرتين، تنظّف الاسطبل، تجمع ما نضج من الثّمار، تحملها مُستعينة بحمارها إلى تاجر يشتريها جملة بسوق القرية الصّغير كامرأة من معدن و هيكل من صَمت، تذود عمّا تبقى لها من ذِمار. تَحْمرُّ، و يتفصّد وجهها عرقا يُبْرز حَفْرَ الأيّام على جبينها، فتَعُبُّ جرعة ماء عبّا.. يأتي رفيعُ العُود، دميم الخِلقة يراقبها بوجه كالح و يهشّ عليها بعصاه إذا الْتَمس منها التّراخي، يُذكّرها أنّه السّيّد عليها، يُثْخِنُها ذلاّ و هَوانا.. يستعذبُ منظرها مُعفّرة بالتراب، مَهدودة البدن.. يستفزّ غضبها.. تمسكُ بعصاها بقوة أكبر.. تُكزّز أسنانها.. تنظر إليه بشرر.. تَعتزم ثورة عليه تُنهيه.. ثمّ تُسقط غضبها على بَرْدعة حمارها و تمضي يُخْمِدُ ثورتها حَسرة.. العالمُ هو هذا المكان الذي وُلدتْ فيه، و لم تطأ قدمُها ترابا خلف أسوار قريتها… مالتْ الشمس إلى الغروب تتَحَجّب وراء الجبل.. أتاه ابن أخ له تبنّاه لِـجفاف صُلبه، يترنّح و قد استيقظ لتوّه، يمدّ له كفّه و يشيح بوجهه عنه، فيعطيه ما في جيبه صاغرا يجني ثمرة بذرة زرعها بيديه.. ليَمضي به إلى مُجُونه و عَربدته.
على الكرسيّ الهزّاز عند مدخل الدّار يَـجْثُم جُرحها الذي يتأبّى عليها الشّفاء.. كلّما مرّرتْ أناملها تتحسّس يجرفها شُرود كاسح.. تَحْضُرها صورة بأدقّ تفاصيلها العَذبة؛ طفلة في حضن جدّها على ذات الكرسي يوم اشتراه، يهشّ بذات العصا على هذا الذي يهشّ عليها بها و هو يتأرجح عليه إلى الأمام و إلى الخلف و هو غلام.. رَمتْ ببصرها على خطّ الأفق ترقُب قُرص الهروب.. تأوي إلى سريرها الرّثّ باردة القلب ، ذابلة الجسد.. كلّ يوم من ماضيها له ماض.. تتمنى تذكر لحظة ميلادها التّي لا ماضي لها.
ليلة غَيْر ذات قَمر
. و يَـمُرّ يوم آخر لا تشتهيه.. سرير رَثّ في الزّاوية يترقّبُها لينعَمَ ببعض الدّفء و يتبرّأ من وحدته..ارْتَمَتْ عليه باذخة الحزن، طاعنة في الصّبر.. تقوقعتْ.. توسّدتْ كفّها.. نصف الغرفة عاتم يبوح بألم المكان، و سَفر بعيد إلى المجهول تتمنّاه.. نصفها الآخر يحنو عليه نور هلال خجول.. عواء الذّئاب الآتي مِنْ بعيد، نباح الكلاب المتقارب، و المتباعد يؤنسانها، يشاركانها أرقها.. السّكون يُطْبق على كلّ الأشياء.. تَعْبُره دقّة المُنبّه إلى دقّة أخرى عبر الزّمن الذي يعبرهما.. صداه المتعالي مِنْ كوّة في جدار مُتهالك شَهِد الحريق الـمـَهول الذي سلخ محاسن وجهه.. انسابتْ نسمة تداعب ذيول السّتارة المتسعسعة.. حَملتْها بلطف.. شدّتْها إلى الدّاخل فأدركتْ منها سلاما حرّرَها بُرهة، حتّى انكشف لها ما خلف النّافذة المــُشْرعة..الأشجار، و الأسوار، و المَعالم مُوحشة.. الوادي نامَ على صوت خريره.. تاهَت المزارع بين أشجارها.. ساحة سّوق القرية الصّغير على الرّبوة ، كئيبة ترقُب الصّبح بلهفة.. ثمّ أفلتَتها.. و هي تُصغي إلى نبض قلبها على وسادة سئمتْ رتابتها.. نبضة تليها نبضة، تَعَاقُبٌ يُثقل الجفن. انتصف اللّيل… عادت النّسمة تُراقص السّتارة إذ كاد يأخذها الكَرى.. انتفضتْ قاعدة.. تمنّت لو أمسكتْها فتُطيل بقاءها أكثر لتنعم بتحرّرها .. بالنّهار يموت حلم و في اللّيل أحلام أخرى مَوْلِدها.. عادت النّسمة مرّات إلى أن حَمَلتها في رحلة ذات ألوان مَعها.. طَرْقٌ شديد على الباب و صياح: ألا تستحي أن يستيقظ قَبْلك حمارك؟
يوم الانْـعِتَـاق
وّقّفتْ خلفّ سياج الخُمّ الـمَكْشوف تذْرو طعاما للدّجاج، تَمُدّ بصرها إلى تعاريج الوادي الـمُتَوَشِّحة ضِفَّتاه بُسُطَ النّرجس التي تحبّها، و وجهُ الرّبيع باسِم أينما امتدّ البصر.. أيّام النّرْجس تاريخ مولدها بشهادة والدتها.. توقّفت سيّارة فارهة ليس بعيدا عنها.. تّهادَت إليها منها سيّدة في كامِل أناقَتِها، مكشوفة الرّأس، عارية السّاقين… تفحّصتْها بنظرات خجلى… ربّما كانت في مثلِ سنّها لولا سُحنتها القرويّة وَ وَجهها المعفَّر بالغبار و الدّخان، و بُقَعِ شمس الهاجرة، و خطوط صقيع صباحات الشّتاء الزّاحِفّة عليه. تقدّمتْ نحوها قائلة: أ ليس هذا بيتُ إمام القرية، و تلك الغرفة الملتصقة به لأبي الأجْرَب و أبيه؟.
أمَالتْ رأسَها، غَطَّتْ فاها بِـكفِّها تُخفي ضِحكتها الّتي تفضحُ أسنانها. قاطعتها السّيّدة: أليْسَ هو مَنْ قيل عنه أنّه كان يرافقُهُ كلْب في صِباه و حين أصابه مرض أفْقده مُعظمَ وَبره لُقِّبَ بِه؟.
ــ ردَّت: بَلى! إنّه هُو! لكنّه لم يَعُدْ يُدعى كذلك، و قدْ آل بيتُ الإمام إليه، هل أناديه؟
تأمَّلَتْ يَدَيْها الـمُتَشقّقتين، و قدَميْها الغَليظتين، و ثَوبَها العتيق الذي يعلو ثَوبيْن، و سروالا لامَس أحد ساقيه التّراب. شابَكَتْ أصابعها، و هي تنظر إلى شجرة الزّيتون، و قالت: و أنتِ أمّ جَّديلة!
ــ قطّبتْ حاجبيها و سألتْ باستغراب: هذا اسم لم يعُد يذكُرُه أحد، حتّى أنا! منْ أنتِ؟
ـــ ألمْ تَكُنْ جّديلتُك الحمراء أطْوَل جَدائلنا و نحن أطفال؟.. ما أشبهك بجدّي!
مادَت بها الأرض، اتّسَعتْ عيناها، دارتْ حول نفسها دورة، رفعت بصرها إلى السّماء، كاد قلبها يخرج من بين أضلاعِها فرحاً بلقاء فَرْد من سلالتها و قد ظنّت نفسها أمداً آخِر غصن عقيم، احتضنتها، قبّلتها، عانقتها بكلّ ما فيها من حنين، و شوق، و احتراق و ألم، و فراغ.. قالت بصوت أجَشّ متقطّع: أنتِ ابنة عمّي!
ــ قالتْ: بلى! و جئتُ بحثا عنكِ، فهل تَقبلين العيشَ معي في العاصمة؟ سَرى في نفسها تيارُ هواء بارد، و آخر حارّ.. شعرت أنّها ولِدَت مِن جديد.. أصبح لحياتها معنى.. تدَاعَت ذّكرياتها الأليمة.. زالت الغُصّة من حلقها.. وجدَتْ طَعْمَ الحريّة.. ردّد ما حولها صدى الاستقلال.. ألقتْ بكُيَيْس الذّرة على الأرض.. لمـْلَمَت على عجل كلّ ما تملكه في رزمة.. لم تكلّف نفسها عناء طلب الإذن أو حتّى إخبار أبي الأجرب كأنّها تخشى أن يعدلَ الفرَحُ عن قراره. ركبتْ السّيّارة تُـقدّم رأسها قبل قدميها، و ما استوتْ على مقعدها إلاّ بعد جَهد، و ابنة عمّها تراقبها في صمتٍ… ألقتْ ببصرها في الأرجاء كمن يودِّع منفاه، و حَـنيـن إليه من جنس آخر يمتدّ إلى صدرها، و يتشعّب فيه قبل تَركِه، و انقطعتْ شعْرة كانتْ تُقيّدها… أَسِيَتْ لِـحمارها وحيدا تحت الشّجرة و ليس بيدها أمره.. و كلّ عِلمِها بالمدينة ما بلغ مَسمعها مِن حكايا جميلة، وأحاديث أشبه بالأساطير… ساد الرّحلة صمتُ رهيب، إلّا قليلا.. سألتها ابنة عمّها و لم تلتفتْ إليها:ـ بَلغنا بعد زمن بعيد من الحادثة أن حريقا مهولا شبّ و لم ينْجُ منه أحد إلاّ أنتِ، و أخبارا أخرى متفرّقة، و متضاربة، فأخبريني بما حدث!
ــ بعدما باع جدّي ما تحت يده من الماشية و أعطى والدَك نصيبه..
قاطعتها: أنتِ تعلمين أن والدي طلب من جدّي مرارا الانتقال إلى المدينة بعدما أودتْ لدغة الثّعبان بحياة جدّتي، و قد ألحّ عليه أكثر حين اِفتكّتْ الحَصْبة أخويّ من حضنه. ــ استأنفتْ أمّ جديلة: بعد أن رحلتم بفترة قصيرة، تسلّلتُ و لم يشعر بي والدَيّ و لا أخوَيّ، ألقيت نظرة على جدّي.. خرجت و كلّهم نيام في يوم صائف شديد الحرّ وقت الهاجرة، و قد خطر لي أن أقطف بعض الأزهار من ضفّة الوادي.. قضيتُ وقتا لا أذكر قصيرا كان أم طويلا، أجمع الأزهار و أتخيّرها، و لم أنتبه للدّخّان الأسود المتصاعد إلى السّماء إلاّ حين رأيت الناّس يحملون أسطال الماء و يعجلون بها إلى بيتنا، رميتُ الباقة، ركضتُ و من هلعي وقعتُ على وجهي مرّات عدّة و هذا الخطّ الأبيض على خدّي من أثر إحدى تلك الوقعات على حجر حادّ شَقَّ وجْنتي .. فزِعتُ و أرعبني تجمهُر أهالي القرية في ساحة بيتنا؛ نساء، و رجالا، و أطفالا، لم أفهم لماذا يصعد ذلك الكمّ الهائل من الدّخان من البيت و كيف حدث الأمر.. ماتوا جميعهم، مَن لم يمت حرقا كجدّي و أنت تذكرين ما كان في غرفته من الأثاث الخشبيّ و رفوف الكتب و الأوراق و السّجاّد، مات اختناقا كأمّي التّي كانت حُبلى و قد برزت بطنها و تكوّرت، و أخويّ.. أمّا والدي فلحق بهم بعد أسبوع متأثّرا بجراحه المتعفّنة، و الغريب أنّ أوّل من هرع إلى نجدتهم وجد البّاب مغلقا من الخارج، و قد تركته مفتوحا حين تسلّلتُ.
ــ و أبو الأجرب أين كان؟
ـــ أخذ زوجته لتزور أهلها في القرية المجاورة.
ــ لم يسلم من ألسنة اللّهب إلاّ كرسيّا هزّازا عند مدخل الدّار عليه عصى جدّي.
ــ كيف آل البيت إلى أبي الأجرب؟
بقيتُ تحت رعاية أبي الأجرب و زوجته و قد انتقلا للعيش في بيتنا بعد تنظيفه شيئا قليلا، حين بلغتُ سنّ الزّواج أرغمتني زوجُه على اتخاذ غرفتهما غرفة خاصّة بي، بعد أن أتاه رجل في مثل سِنّه يَدّعي أُخوّته لأبيه، و أنّ أبوهما تزوّج أمّه؛ ابنة راعي قرية وراء الجبل ،ثمّ هجرها يجهلُ وجوده، و ما عاد إلى تلك القرية إلاّ ذات عيد أضحى بقطيع من تسعة رؤوس من الغنم بعد أن ماتتْ أمّه، و ما عاش معه إلاّ عاما واحدا و لحق بها.
ـــ أَ مازال يعيش معه في البيت؟.
ــ لا! ذات خريف اجتمع أهل القرية يجدّدون بئرا انهدت، ينزلون إلى قعرها بالتّناوب، انضمّ إليهم أخو أبي الأجرب، فنزل إلى القعر و لم يخرجوه منها إلاّ جثّة هامدة، بعد أن هَدم عليه البئرَ “زلزال الأصْنام”، مُخلّفا وراءه أرملة وَحْمى، ما إن وَضَعت مولودها افْتَكّه منها أبو الأجرب و أرسل بها إلى قريتها.
ـ ألم تتزوّجي؟
ـــ أطرقتْ ثمّ استدرَكَتْ: ما أخبار عمّي؟
ــ مات في حادث.

قالتها ببرودة و لم تُعقّب، فالتزمت أمّ جديلة الصّمت. بعد ساعات طوال و هيتتابع حركة المركبات بنظرات تائهة وصلتا إلى بيت ذي رفاه باذخ. توجّهتْ بها إلى غرفةٍ، المدخلُ إليها من الباب الخَلْفيّ. أشرعتْ لها بابها، فانبهرتْ بجمالها فَـغَرتْ فاها و راحتْ تُدير رأسها و تمسح ببصرها فضاءها، كأنّ أصاب رأسها دُوار.. ستائر ناصعة البياض مطرّزة، سرير فخم بشراشف زاهية اللّون، تعلوه لوحة أزهار إلى جانبه مصباح غريب الشّكل، بالقرب منه سجادة ذات خَمْل، خزانة رشيقة يعلوها تلفاز، ثلاّجة صغيرة في الزّاوية، الأرضيّة مزخرفة، من السَقف تدلّت ثُرَيَا من الكريستال زادت الجدران الورديّة بهاء..

ــــ هل أعجبّتْكِ الغرفة؟

خفضتْ أمّ جديلة رأسها و ابتسمتْ. ابتسمت هي الأخرى بسمة مواربة، و أضافت: هذه غرفة الخادمة التّي اسْتعنتُ بها بعد رحيل أولادي ثّلاثتهم، و قد تُوفّيتْ منذُ شهر.. لا تخبري أحدا بقرابتي بك مهما كان!.

و ابتسـمَ القَــدَر حـزينـا

رَجَعَتْ سيرتها الأولى.. تعلّمت سريعا كيف التّعامل مع عالمها الجديد، الأدوات الكهرومنزليّة، الذّهاب إلى المتجر، ترتيب الأشياء في أماكنها الخاصّة بها، طُرق التّنظيف المختلفة، و يعود بعض الفضل إلى البّواب الذي كثيرا ما جَنّبها تَعنيف السّيّدة، و صُراخها.. نظرتْ في حوض ماء النّافورة، مسحت على عينها الطافئة، انسابت عَبرة واحدة مسحتها بطرف كُمِّها، و انصرفتْ تُردّد: قبّحك الله يا أبا الأجرب!.. و البوّاب يتابع حرّكتها كعادته بشغف مذ دخلتْ البيت، يراقب ولوجها و خروجها يتأمّلها.. نَـمَش يَشي بشقرة طَمَسها الهمّ، و حمرة يستحضرها الخجل أذهبها الغمّ .. يُسائِلُها في نفسه: من أي طينة صُنِعتِ، و مِن أيّ إناء شربتِ يا امراةً! .. و إن اكتشفته ابتسم بعينيه و أماء لها برأسه و لوّح لها بيده نيابة عن صوته الذي خانه منذ صباه. تبدي له ما ليس في نفسها؛ كأنّها لا تُعِره اهتماما و تمضي.. أبكم في القرية آنسها، و أبكم هنا قرّر ذات صباح صيفيّ أن يختطبها من سيدة البيت، فاغتنم فرصة وجودها في ساحة البيت وسط الحديقة، و هي تتناول فطور الصّباح و تُقلّب صفحات جريدتها تناوبا مع رشفات من قهوتها.. ابتسمت كأنّما كانت تنتظره. ـ أشارت إليه أن ستُكلّمها. عاد إلى خرطوم الماء يروي الشجيرات يرقص فرحا. نادت عليها.. ــ البوّاب رجل طيّب لا يضمر الشّر لأحد، و لم يسئ لأحد أبدا، لكنّه خجول بعض الشّيئ لبُكمِه، ما رأيك فيه؟

ـ و ما أهمّيّة رأيي فيه؟

ـ خَطَبك هذا الصّباح منّي.

ـ لكنّه أبكم!

ـ لكنّه ذكيّ و سريع البديهة، و نشيط.. ألم تلاحظي أنّه البوّاب، و البستانيّ، و يؤدي ما أسنده إليه من عمل على أكمل وجه؟، ثمّ ما جاجتك إلى ثرثرته؟، يكفي أنّك تفهمين لغته و يفهك إن أنتِ حدّثته، أ لَسْتما تناسبان بعضكما!

ضمّت أم جديلة يدها إلى عينها.. تنهّدت بحرقة و قالت: كما تريدين!

ماهي إلاّ أيّاما و أصبح البوّاب يشاركها غرفتها. و سرعان ما أدركت من الفُرصة آخرها.. حَبلتْ و هي في آخر عقدها الرّابع و ذلك ما لم تضعه ابنة عمّها في الحسبان، فاغتاظت.. ترمقها بشّرر يتطاير من عينيها، تكلّفها بما يشُقّ عليها، و هي لا تكاد تقدر على جرّ جسدها. وضعته مولودا جميلا سليما معافى، سمّته تيمّنا باسم جدّها. حين تتأخرُ في تلبية نداء أو القيام بواجب ما، تلقى ما يّقَلّب عليها المواجع، و يحرّض آلامها.. تمادت السّيدة في التّعنيف و الإهانة، و تعقّب تقصيرها. صارحتها في مساء يوم شات بالاستغناء عنها بحجّة إهمال شؤون البيت.. طردتها، و قد اعتدلت مِشْيتها.. ما عادت تهرول و تحني جسدها نحو الأمام… استعادت يداها النّعومة، و البياض، و صارت قدماها جميلتين.. عادت بزوجها إلى مسقط رأسها، القرية حيث ما زالت تقيم مآسيها.. عادت و عليها مسحة من أهل المدينة، تحتفظ بين طيّاتها بقرويّتها و بساطتها.. أدرك حارس بيت أبي الأجرب خواء بطنهما برّغيف يابس و حبات زيتون، و ما لبثوا إلاّ قليلا و انتشر خبر عودتها في القرية، فسارع إليهما كريم من أهلها آواهما أسبوعا.

جلست، و زوجها ذات مساء كئيب، وسط كوخ اشترياه بالقرب من بيت أبي الأجرب بعد أن أمضيا يوما كاملا في تنظيفه، و تهيئته خائري القوى، نال منهما البرد و الجوع نصيبا… أشارت إليه: لمَ تزوجتني؟ فأماء لها: عندما رأيتك للوهلة الأولى خفق قلبي لك، و أحببت شامتك السّوداء على خدّك.ــ ألم تنتبه إلى عيني حِينها؟

ـ فأشارَ: عاشت أمّي بعين واحدة و كنت أرى كلّ النّساء غريبات الشكل، وحدها أمي أجملهن.

ــ لم تسأَلْني كيف انطفأتْ عيني؟

ــ لم أعرف أبدا ما الذي فعل ذلك بعين أمّي.

ــ في ليلة عاصفة حالكة السّواد، أرسلني أبو الأجرب إلى الاسطبل و أنا طفلة أستقبل الشّباب، لأطمئنّ على العِجل الذي وُلد صباح ذلك اليوم، فأصابَ عودٌ حادُّ الطّرف عَيْني رَمَتْني به الرّيح ففقأها.. أجهشتْ بالبكاء و لم تفعل منذ زمن بعيد، حتّى ذرفُ الدّموع لم يكن لها الحقّ فيه. ضمّها إليه.. لفّها بذراعه و أشار إلى السّماء.

و استوتْ على الكرسيّ الهزّاز

القرية آخذة في الاتّساع بتزايد العرسان، و المواليد مع كلّ صبح جديد.. تمكّن زوجها من الانضمام إلى أشهر تجّار سوق القرية الذي أضحى قطبا تجاريّا، لأهالي القرى المحيطة بها، في ظرف قياسيّ، يبتاع كلّ ما هو مطلوب، ثمّ يعيد بيعه.. مسكنُهما ارتقى من كوخ إلى بيت يحمل معناهُ.. ضَمّ زوجُها حارسَ بستان أبي الأجرب إلى عائلته بعد أن سَرى الهَــرَم إلى أوصاله، و يلتزم بالنوم إلى جانبه مذ أقعده المرض.. بات اسم أمّ جديلة ذا شأن، حتّى أصبح يقصدها بعض نساء القرية لاستشارتها و الاستعانة بما في جعبتها ممّا اكتسبته من مخالطة أهل المدينة من دهاء و ما خَبَرَته من حسن تدبير، و جميل الاستغلال لما تَـمكّنَتْ منهُ يدٌ مهما قّلّ، و ما أوْرثتها إيّاه مِـحَنَها من الحكمة، و الحصافة.

العجوز الأبكم لم يبرح فراشه منذ أسابيع.. دَنَتْ ساعة لابدّ لها أن تأتي، ساءت حاله، و لم تُجْدِ العقاقير و لا الأعشاب معه نفعا.. رفع سبّابته، ارتخى جسدُه، مالت رأسه على اليمين. لم ينقضِ من الزّمن إلاّ أيّاما و عادت ريح الموت، أخذتْ زوجَ أبي الأجرب سليمةً لم تدركها علّة، و بها فقدَ ذراعه اليمين.. ما انفكّ الحِداد مُقيما، و ابتلعتْ بَقَرَتُهُ، آخر رأس من ماشيته، قِطْعةَ سِلك اندسّتْ في كومة التّبن.. أصابتها الحمّى، و امتنعت عن الأكل و الشّرب أيّاما حتّى نفقتْ جوعا و عطشا. تَريّثَ أبو الأجرب زمنا عسى الأحوال تتبدّل، و يبتسم له الحظّ ثانية كما فعل منذ ثلاثة عقود و نصف.. لكنّها ما فتئت تتوالى عليه الأيّام النّحِسات.. ما انتبه إلاّ حين وجد نفسه يقف بباب أم جديلة ذات عشيّة و ولدها يجلس بحِذائها تُعلّمه العَدّ بحُفنة حصى و قبضة أعواد من القصب يستظلاّن تحت داليَة تدلّت منها عناقيد حِصْرِمِها.. نعجتاها ترتعان قُبالتَها، أمّا زوجها فلم يكن قد عاد بَعد.. أتاها يعرض عليهما ورقته الأخيرة للنّجاة؛ العمل عنده مقابل أجرة مُغرية، فما استأجر مِن أحد إلاّ و ترك العمل بعد أوّل أجرة يتقاضاها.. سَيّء المعاملة هو، ينبذه الكلّ.. قَبَضتْ على ذقنها، ثمّ أفلتته.. ابتسمتْ.. نظرتْ يمينا، فشِمالا.. مَسحتْه بنظرة من موطئ قدميه إلى عينيه.. انتصَبَتْ قائمة.. سارتْ إليه في تَؤدّة.. ــ أتذكُر يوم أخذ أبوك ما بقي لنا من رؤوس الماشية إلى المرعى و عيد الأضحى على الأبواب ولم نجد له بعدها أثرا أبدا؟

ــ بلى!

كانت تلك البداية لكم و النّهاية لنا، و هذه اللّحظة لطالما انتظرتها.. ــ نريد استأجار نصف البستان إلى أجل غير محدّد، فما تقول؟ بعد أخذ و ردّ، و نقاش احتدم استجاب و لا خَيار له، الجميع يتحاشى الاقتراب منه. أينع و رَبَى نصف البستان الذي لهما .. أشجار فاكهة أخرى أضيفت له و أصناف جديدة من الخضار، و على غير عادة أهل القرية زيّنــَا أطرافه بنباتات الزّينة كقطعة من الأحلام نزلتْ على الأرض، بينما النصف الآخر هَامِد يُغرقُه خريف مقيم، و حزن متوالد، و إهمال متزايد، تتمادى حشائش لا نفع لها في الزّحف عليه.. ما عاد لأبي الأجرب القدرة على الاعتناء به إلاّ قليلا. خرج من بيته ذات ضُحى بَرْدُه يتسرّبُ إلى العظام، بعد ليلة وابِلة المطر، تحت سماء مُكفهرّة غَيمُها يحجب وجه الشّمس ما تسرّب منها إلاّ خيوطا من الضّوء المحتشم، يُدافع سَواعدَ ريح عاصفة،و تُدافعه، يركض وَهِناً يريد اللّحاق بابن أخيه، و يَصيح ببُحّة، ثمّ سقط أرضا و هو يقول بصوت مُتهدج: خدعتني أيّها الكلب!.. ربّيتكَ جروا .. استضعفتني إذ اشتدّ عودك.. أهذا جزائي؟ تسرق حُليّ زوجتي!.. لمحته أمّ جديلة حين خرجتْ تطمئنّ على خُمِّها، و هو يشدّ بيدِه على يمين صدرهِ، فهرولت إليه كأن لم يؤذها قط، تتقدّمُ خطوتين و الرّيح يعيدها أدراجها خطوة.. أدركته مُزْرقّ الوجه قد تَعسّرَ عليه النّطق.. بذلتْ قُصارى الجهد لإسعافه.. أرادت سحبه إلى البيت و الرّيح تزداد عتاوة تَعْمي الأبصار ، تكاد ترفعها عن الأرض.. أمْسَك يدها بكلتا يديه.. تلفّظ بَعد جَهْد و اعتصار سَــــــا مِــــ حِـــ.. مع آخر نفس له.. أكْرَمَاه و بِضع شباب القرية على عَجَل، كلّ ما في الخارج هائج، و وجه السّماء مُسْود يبثّ الذّعر في النّفوس و يُرغم على العودة، و ملازمة البيت.

رُمِّمَ البيت كأن لم تمسسه نار، و لم يَعْبثْ به زمن.. و استعادَ عطرَ أيّام خلتْ؛ المطبخ الواسع، غرفة الضّيوف، عرفة الحمّام و موقدها الخاصّ بها، غرف النّوم التي جعل أبي الأجرب بعضها مَبيتا لنعاجه و ماعزه، البهو الواسع، الحديقة… على الكرسيّ الهزّاز عند مدخل الدّار تتحرّك أمّ جديلة إلى الأمام و إلى الخلف ذات مساء صيفيّ تُمسك بعصا جدّها، تُمرّر أناملها عليها، و تتحسّسها، أتى ولدها يجري خلف الدّجاج ليُدخله الخمّ، هرعت إليه تساعده.. جَرَيا.. ضَحِكا.. تدافعا.. اصْطَدما ببعضهما.. قهقها.. حتّى تمكّنا من آخر دجاجة.. عادت إلى الكرسيّ الهزّاز تحمل ابنها تلهثُ و تضحك.. ــ تعال يا حبيبي أُحَدّثْكَ بما كان يحدّثني به جدّي و يقول في الإعادة إفادة و ما لم تفهميه اليوم ستدركيه غدا.. حدّثني أنّ والده كان فارسا من أصل تركيّ استقرّ به العيش في العاصمة و قد مضي به العمر إلى مشارف الشيخوخة.. تزوّج امرأة عاصميّة.. ما رُزِق منها إلاّ بولد واحد سمّاه تيمّنا باسم والده، قرّر أن ينشئه بعيدا عن ركوب الخيل و المدفعيّة، و نصال السّيوف، و حين بلغ سنّ التّعليم ألقى به إلى المساجد.. حفظ القرآن الكريم في سنّ مبكّرة، و أتْبَعه بكتب أخرى سمعتُه يحدّث النّاس عنها و ينصحهم بها، و لـمّا بلغ مقام الزّواج اخْتطب له ابنة إمام.. هلك و لم تنعم عينه برؤية أحفاده .. آثر جدّي الابتعاد عن المدينة و صخبِها.. جال العديد من مناطق البلاد الجميلة لطلب العلم و التّجارة؛ لكنّ مكانا واحدا سلب لبّه و أُغْرِم بجماله و هو في طريقه في إحدى رحلاته.. اختارَ هذا المكان كما تراه يا ولدي! بقعة دائمة الخضرة، عليلة الهواء، يقطعها الوادي إلى شطرين توأمين، تنام في حضن جبلين.. استأجر الـمَهَرة من البنّائين لإقامة بيت ذي طابقين عليه بمواصفات بيت عثمانيّ راقي، و جعل له حديقة، ثمّ سيّج ما يليه من مساحة حفاظا على ما يزرعه فيها من خضار و ما فيها من أشجار من أن تتلفه حيوانات المنطقة.. ثمّ اتّخذ راعيا كَفَّ عنه حرج مدّ الكفّ و سؤال النّاس أتى به من أحد الأسواق.. بنى له غرفة واسعة تجانب البيتَ، خلال عقد اتّخذَتْ المنطقة شكل قرية صغيرة لكثرة النّازحين إليها.. فاق عدد بيوتها العشرين و حينها كان قد رُزِق بولدين جدّك أصغرهما.. تطوّع جدّي، و أهل القرية ببناء جامع اضطلع بإمامته و تحفيظ القرآن الكريم و تعليم اللّغة العربيّة بمساعدة مُعلِّم أرسلوه من العاصمة لما بلغهم عنه من غزارة علمه و صدق اجتهاده، و سعيه.. ازدهرت تجارة جدّي و حاز ريادة تجارة الماشية لسنوات حتّى أنّه اتّخذ من رُبوة مستويّة سوقا شهريّا يجتمع فيه تجّار المواشي.. بعد خمسة سنوات من استقرار الرّاعي زوّجه جدّي، فوُلد له أولاد كُثُر خُدّج يموتون عقِب الولادة مباشرة إلاّ آخرهم لفظت أمّه نفسها الأخير مع صرخته الأولى.. أكثر من تدليله لدرجة أنّه لم يُلحِقه بالجامع فقط لأنّه لا رغبة له بذلك.. يرافقه كجُبّتِه أينما ذهب، السّوق ، المرعى ، البيت.. ما زلت أذْكُرُ نبرة جدّي و هو يوصيني: لا تأمَنِي غِيلة من أشبعتِ بطنه، لكن لا تمنعيه!.. بين الفينة و الأخرى كان الرّاعي يعود بالقطيع و قد نَقُص منه عِجل أو خروف، و يدّعي على الذّئب أكله بهتانا، فنصدّقه إلى أن وشى به ابنه و هو ابن عشر إلى جدّي حين كلّفه بعمل، فَعَرض عليه إعفاءه منه مقابل إخباره عمّا يفعله والده خلسة.. قال: أبي يبيع أحيانا و يقايض أحيانا أخرى عجلا أو خروفا حسب عرض الغرباء الذين نصادفهم في الطّريق، و دائما و قبل أن يلج القطيع الإسطبل يحلب من كلّ ضرع قَدْرا،و ذات مرّة قايض جَرْوي هذا بحليب ضرعين ممتلئين.. قاطعَهما رؤية زوجها يُقبل مُهرولا تحمله سحابة فرح، يحرّك يديه بكلّ اتّجاه، يُبلّغُها خبرا ليس له صبرا على الاحتفاظ به حتّى يدنُوَ منها.. ضمّت ولدها، قبّلته، حملته، دارت به.. ــ أتدري ما يقول أبوك؟، لقد تقرّر بناء مدرسة وسط القرية، و بدأ العمل على المشروع اليومَ بتسوية أرضيتها، و لن تكون مضطرّا إلى الإقامة بعيدا عنّي، يا نبعا روى عطشي و فَـــثَّ صهد أيّامي، و حُلُما اعتقدته مستحيلا، يا قرّة عيني يا أَرْسَلان!.

السابق
يتيم
التالي
الأرجوحة

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

اترك تعليقاً