القصة القصيرة

نزغ السامري

جفلت حمامات اعتادت التغريد ..والعيش ها هنا ،رفقة دفق من السحب الداكنات آتية من الشمال .. حينئذ تحسست كينونتي فقيل كنت يوم الوعد وتشكلت ملامحي تحت قصفات الرعد ..قصف وعصف أمطر ناحيتنا فأعمى أبصارنا وحجب عنا لون القبة .. عندها كانت السنة الثمانية والأربعين بعد التسعة عشر ألف .. وعندها فقط توجست أعمدة ترفع لنصب المشانق وخطط توضع لبناء المحارق .. وتحقق وعد بلفور …؟.نزغ السامري
هامت الحمامات ..واتسع الأفق للنزوح وأشربت الأنفس رعب البقاء .. وكانت الفواصل بين هذه وتلك بضع طلقات .. رصاصات حاصرت الجمع وشرعت للتسابق نحو الانفلات من زمنية آنية رتيبة كانت تنهش من فضاء مقدس .. فضاء البيت العتيق .. كما كانت قد صنعت من الصبح إنبلاجا .. واشرأبت الأنفس للحظة المعراج .. وسقطت “الكوفية ” وارتعشت المفاصل وتقلصت المسافات ما بين هامتي ومتن الثرى …
كبر الهرج وجفت الحلوق للفاجعة ..رذاذ عم المكان وغبار أبدع في رسم لوحة رهيبة .. لوحة كنت فيها أنا فيها البادئ والمبتدئ والمنتهي ..لأتأكد من أن ثمانية وأربعين ستظل هي عقدتي الأبدية وهي حتميتي النهائية .. فيها ولدت، و بها كنت وريثا للأنبياء والرسل .. وعندها أعدت صياغة كثير من المشاهد، مشاهد انبلج من أوسطها أشباح وغيلان تلعق من النتانة وبقايا البشر منذ آدم .. حتى تجلى السامري، رفقة عجل مبتدع وهو يثمل بكأس ملأى دما ..حتى خاطبني قائلا مترنحا :
ـ إندثر بسرعة .. مت .. لايحق لأمثالك البقاء ..
عندئذ تشظت المسافات وتداخلت الوقائع والمسرودات منذ آدم إلى زمن الرعد.. ساعة الوعد ..زوايا مشوهة وقامات لا قامة لها وأعين لا تبصر وأفئدة تواقة للاختفاء من جحيم الهرج ودفقات الرصاص ..وأصوات لا تبين عن مقاصدها ، ثم أرجل لا تفلح في تتبع وقعاتها .. ثم شعرت كأن الثرى يحتضنني ويحثني على القول :
ـ لماذا يا سامري ..؟
لا حيز لمميزاته .. ولا خصوصية لكينونته .. فقط هناك شرر من الشر ..وأكوام من القذر تزين جبهته وأعواد من غسلين تحرق ناصيته ..يلبسها تاجا ..ولا مكان لشفاه محددة وواضحة غير قولة مبحوحة :
ـ لأني قبضت قبضة من عصائر الموبقات..وسهرت على العناية بمشاتل الحقد والكراهية والإخلال بالعهود..
حملت .. حملنا وزر الأولين والآخرين .. وتركنا وحدنا في غسق الشرر..أعي ذلك مذ ولدت .. وما زلت أذكر وأنا طفل مجموعة من البشر لا علاقة لهم بالحي .. بل بالمنطقة ..ولا بالوطن كله ..ولا يتواصلون بما نتواصل به .. ذووا سحنات وهويات متباينة ..بل اختلاف لغاتهم ولهجاتهم فيما بينهم كان باديا للعيان ..ناهيك عن المقاسات والتمايزات الصارخة ..؛ هناك الأشقر ، والأسود ، والقمحي والأصفر ..يفدون إلى الحامية ..يغوصون في الإرث ، ويجدون في تلبس الهوية في كل ثانية .. في أي لحظة ..وحينئذ حدث ذلك الدفق البشري وصنع ذلك الهول وزرع ذلك التنابز ..حتى شرع لذلك التنافر ..و قدس الاستعلاء وحدث الجفول ..
ثلاث حرقات توهن جسمي .. لكن القريبة من القلب ظلت أشد هلاكا وألما.. ثلاث وصمنا كينونتي بالانشطار والتمزق ..حرق وألم و نزيف …رفقة حالة عارمة من الفتنة والضوضاء ..:
ـ الله أكبر..
ـ مهلكم عليه .. إن جرحه خطير.. ينزف نزيفا قويا ..
ـ هناك جرح غائر في القلب …
ـ يجب العناية به .. يفترض نقله في سيارة إسعاف ..
منذ العهود السحيقة والشرر يتطاير .. يملأ الكون كله.. أشبعه طموح السامري وإغراءات عجوله بكاء وعويلا ..منذ هنيهة ،حجبت جحافل الحوامات وهي تنفث ريح السموم ..أدخنة داكنة ، أزلام رمادية متفاوتة الطول والأهداف ..نحو وجهات تغطي فضاء معيشنا..قمعت أشعة الشمس و أرهبت نور الصباح..حتى عاد نهارنا ليلا وليالينا محنا ورهبا ..أزلام سرعان ما تزرع انفجارات في كل شبر ، يعقبها صراخ وعويل وسقوط مباني وتهجير الآلاف..
ـ اطلبوا الإسعاف .. الله أكبر ..
ـ إنها آتية ..
ـ ساعة النصر ..؟
إنشاء العجل..تكديس لذهب القبائل..أخذ الحفنة من التراب المقدس خفية..بناء الوعد..و بداية التآمر…,وقائع أخرى حدثت على عهد سامري .. أمر مريديه وأتباعه أن يغيروا ما أمرت به شرائع الله ويبدلونه.. فيقتلون ما شاء لهم ..ويزوروا ما شاء لهم..وينقضون عهود الله..وينفذون بإصرار وحمق ما يوعدون به سامريوهم على مر العصور..وحرقة تنفيذ عهد”البلفوسامري”أشد وقعاعلي ..وعلى مصيري ..وعلى خلفي ..
أشلاء تملأ الفضاء ..وصراخ أجفل الكون..وأرجل تتدافع نحو اللاوجهة..الكل يستغيث..الكل يأمر..الكل يوجه..حتى انعدم المؤتمرون وقل المطاعون..ولا يفهم من هذا الجفل إلا :ـ
ـ الله أكبر..
أو
ـ إيتوا بنقالات ..
أو
ـ هيا ساعدني ..الله أكبر ..
وكنت حين ذاك..تسقط في العدم..كل المسافات تتداخل حتى باتت مسافة واحدة ..العدم..وكل الأمكنة عادت ذلك العدم..لا نقطة بداية ولا مسافة تحسب بينها وبين المنتهى..حتى قال ودميعات الفرح الحمراء تزين خده :
ـ فقبضت قبضة من الشرر..فصارت القوة الضاربة على مر الأعصر..حين صارت ذهبا الذي منه نصنع العجول.. على مر المراحل وفي كل الحالات..عجول لنا وعجول لكم ..من ذهبكم نصنع ذلك.. ولأنك لا تستحق الحياة يجب أن تعترف بذلك حتى تموت هنيئا..لأننا بهذه الصنعة نضمن لكم الاستمرارية في الوقوع تحت غوايتنا..ونحفظكم في ذهبكم ..
قيل كل الذي وقع ويقع كان نتيجة فلول من الزواحف ذات الأجنحة التي يسهل عليها التحرك في الجو كما على اليابسة ..وتردد أن هذا حدث أثناء هجوم بري تحت غطاء مكثف لنيران الرواجم..ويروى أن هذا الذي يحدث الآن هو نتيجة وهن وتشرذم أصاب الجسد..بعد تورم دمل مرفوق بآلام حادة انتشرت ذات يوم من شهر حزيران ..حين أخفقت جموعنا في تجاوز عتبات البحر الأحمر..تماما كما جفلنا من اتحادنا وتهاونا في نصرة جيوشنا في أحد الأشهر من سنة 48 ..
لكن المؤكد.. وأنت الشاهد على ذلك..أن الهوان يزداد..وأن كينونتك في تقاعس وتناقص ، وأن كوفيتك لا تجدها على كتفيك..وأنك مستسلم إلى أياد تعاملك كيف ما تشاء..وأن هناك أصوات وهرج ومرج في كل مكان ..بدأت شيئا فشيئا لا تعي معناها ليبدوا ذلك الشبح من وراء القارة العجوز يحدثك :
ـ يا ميت .. أنا نسخة طبق الأصل لصاحب العجل ..ويجب أن تعرف بأن لنا حضارات إنسانية وأمكنة مقدسة نحج إليها..أما أبناء عمومتكم فبأموالهم نفعل هذا..و من بقي في قلبه شيء من الكبرياء فتفرق..تشتت في أصقاع الأرض وعبد المال.. وذلك مخالف للعهد..عهد الرب.. ثم شيئا فشيئا أخذ يبرز شبح آخر وسط الفراغ وعيناه محمرتان ..وهو يقول:
ـ لقد قضي الأمر .. فقد قبضت قبضة …
فيسرع بالرد عليه شبح من وراء …العجوز :
ـ نعرف ذلك..ولذا منحناكم مكانا مقدسا بجانب أبناء عمومتكم البدو الهمج…لكن يجب أن تظلوا على العهد ..لأنكم أدرى بما حدث بعد أن فرطنا في ذلك العهد…حتى أرشدنا الرب إلى منحكم الفرصة وتحقيق العهد الذي بيننا وبينكم .. واليكم ميثاق العهد كما عقدناه بدء:..التدمير ..القتل ..التشريد …لنا…تجميع الأموال..و صناعة الأبواق الإعلامية..و الإكثار من الضجيج لكم..
ـ أسرعوا يا إخواننا..إنه ينزف..والإسعاف لم يأت..ونحن عاجزون على وقف نزيفه…و..
أجل عاجزون …النزيف..ومن بعيد.. بعيد..من 52 إخترقت كلمات المسافات والأزمنة “..سنحارب العدوان الثلاثي وسننتصر عليه ..” ..ومن حزيران ما زالت كلمات تقتات من ذلك الصدى “..سنحارب أمريكا وسنرمي بإسرائيل في البحر..”..ومن واقعنا نفترش الموت ونلتحف الفراغ.. فراغ يلتقط أطفالنا من بقاياه سلاح العزيمة والإرادة..حتى هوت على صدري رجل ضخمة قذرة بها شقوق و مسام تسكنها العناكب والنمل مشفوعة بصوت مبحوح :
ـ لكن الذي يحول ذهبنا وذهبكم إلى رماد.. والذي يسمم قبضتي؛ هؤلاء الأطفال الذين لا يعطون أهمية للذهب ويفضلون عنه الحجارة..هؤلاء المتوحشون في ثياب الملائكة يزعجوننا ويعطلون بشائر المستقبل ..مستقبلنا..لكن لا تقلق ، سنعالج الأمر ، والأمر والقضية متكفل بهما الآن بواسطة عجول تعرفونهم..وسنعمل على ثنيهم عن عزمهم وأن نغير في سلوكهم وأن نحقن أدمغتهم بإكسير النشوة والخمول و غريزة الاجتهاد في البحث عن الملذات..ومن يتزمت منهم فهناك الذهب ..ومن يذهب في هذا الأمر أكثر مما ينبغي له فسيجد الراجمات والقاصفات..النار..الفناء..
أما أنا .. أنت ..الكائن بالضرورة عبر التاريخ ، ووسط نفق الإخفاقات..وفق مقتضيات كل مرحلة ..أناوأنت..المحور ..الارتكاز..حتى ولو بقيت وحيدا بدون ديكور لهذا الوجود الذي اجتهد السامري في إفراغه من الحب من الحق في العيش داخل الوطن..من الإقرار بالحقيقة والخضوع لها..وأن يملأ الفجوات المفزعة بالموت والدمار وعدم الانقياد إلى القوة الواحدة ..الوحيدة المنظمة لهذا الكون حتى أكد قائلا:
ـ زعمنا “الهولوكوست” فأهدينا فلسطين من الرب “…
كما ظل ينجلي دائما متباهيا بشعاره ..مرددا :
ـ إني أنا السامري .. لا أظل كما أنا..كما وصفت في كتبكم ..أو كما تراني بشكلي الذي تتخيلني فيه الآن .. بل قد أتقمص أشياء وهياكل وأجسام عدة ومتنوعة .. ولن أموت أو أندثر ..بل سأبقى أهزمكم حيث ما كنتم..ويكفيك دليل على كل ذلك ..أنك ستجدني عند كل رأس مقطوعة أو يد مبتورة أو انفجار أصاب قوما آمنين في أسواقهم وفي بيوتهم..أو عند كل فتنة تحل بقوم أو بأمة ..أنا موجود..وسأقهركم ..كلكم ..ودائما..وحتى عجلي ، لا تعتقد بأنه سيظل عجلا كما ذكره قرآنكم..بل سيتحول إلى تشكلات وتمظهرات مختلفة ومتنوعة..حتى صرنا أنا وعجلي نعلي من نشاء ونحط من قيمة من نشاء..باختصار نحن نصنع حياتكم ونقدم من نشاء للعالمية و أن نوهم الخبراء بالجودة ..ونعلي من شأن الخراب والدمار..ونغالب بعضكم على بعض..ونضفي صفة العملاق على أي منتوج..بل وسترونني حتى حين شتم بعضكم بعضا بمناسبة أو بدونها..
لم تستبن شيئا مما يحدث..ضوضاء..وفتنة سائدة تحتكم إليها الأرجل والأنفس تحت هول الفاجعة..أشلاء تلم ..أطفال مصدومة من هول المشهد ..نساء يولولن وينحن عن فقد حبيب أو قريب أو وشاية بهدير العشق المشنوق تحت أعين الأقصى ..
أين زوجتك ؟ لعل بعضا من النواح الذي تسمعه بعض نواحها.. أين ابنتيك وابنك ؟ بدون شك فإن ما تسمع من بكاء وحرقة صادر عنهم ..ولعل ولعل..لكن المفترض أن كل المنظومة الإعلامية العالمية تتحدث عن الحال..هناك قصف وهجوم كاسح من الجيش…على المناطق الآهلة بالسكان المدنيين الأصليين حول الأقصى ..أوامر أعطيت لإخراج كل هؤلاء السكان ..القدس يجب أن تفرغ منهم لإعادة إسكانها بمحبي الرب ..ولاستخراج الهيكل المزعوم من تحت الأنقاض.. وكأنك تسمع :
“..كل ما بني بعد هذا الزعم ..بعد عهدي ..يجب أن يسقط “…السامري قرر ذلك .
دمك يلطخ الفضاء ، ولا يهم ..بنوك وبناتك عرضة للفتك وفريسة سهلة للاغتراب..وفضائيات وطنك تكرمك في كل لحظة وهنيهة بوجه جديد..وجه آخر لسامريي الفترة المنجزة ، حتى نهرك صاحب الوعد :
ـ ألم تتعظ بما علمته من التاريخ ..ولم تحفظ الدرس مما تعيشه أم لم تفهم بعد؟ ..فنحن أصحاب عهود وأصحاب مشورة ورأي..وسأفي بالوعد وأحمي العهد..وسنعيدهم إلى ما قبل التيه..وما قبل الأربعين سنة وزدناهم ثمان..وسيكون لهم وطن ..وسنجمع الشتات إكراما للرب..ووفاء للعهد ..
في ومضة انفجر الفضاء وأبرق المحيط..وسقط معالجوك..ارتطم جسمك المهشم بأديم هذا التراب؛.. تراب أرض المعراج..ارتطام أغراك بفتح عينيك ..حتى بدت لك القبة الصفراء ..صفراء فاقع لونها ..وحتى قلت :
ـ أهي البقرة التي أمر الله…
فسررت لذلك تحت نشوة التبرك حين كنت تحفظ وتعلم بأنهم ذبحوها وما كادوا يؤمنون بما يفعلون..حتى اعتقدت بأن الله زين ناظريك بالقدس قبل الإغماض النهائي..ورغم ذلك سقط الكثيرون..قذيفة هاون..وجنود…في زحف شامل..سمعت ذلك وسط هذا الهول ..
عمت الهيستريا المكان ..حتى صعب التفريق بين الجريح النازف وبين الهاذي النافر تحت وطأة الفاجعة.. وبقيت ملقى بإهمال وسط هول عارم ..الساقط ينزف والمهرول سدت أمام عينيه المنافذ وتداخلت الاتجاهات..تقاطعت الأصوات وتكاثرت دعوات الاستنجاد..حتى اعتقدت أنك سمعت :”..يامعتصماه..” تولول بها ألسنة العجائز ، الشيوخ ، الأطفال وحتى الشباب..كل الأعمار تحت رحمة الوابل ..وابل ما تفرغه السماء..ثم سمعت حقيقة ليس بأذناي هاته، بل ببصيرتي وبحقيقة هذا الضياع :
ـ يبدوا أنكم قوم لا تتعظون ولا تعطون أهمية للنصيحة ولا للنصح ..لقد قال سامريونا وأنا أحدهم ساكن البيت ثم نفذ الساكن وراء القارة…وسأحمي ما أنجزه السلف وسأحافظ عليه حتى ولو كان في أقصى نقطة من العالم ، وأنا أفعل ذلك بأموالكم ..إنكم أغبياء..فالتطمئن في موتك ..
هناك رعب ينبت في حينا..شر يتطاير في كل زاوية..في كل ركن ..رعب عظيم هزم الأمن والسلام فوق أرضنا..في حينا..وحول وجهة تربتنا ودفئها نحو القتامة والشرر..التطير والخوف في كل زاوية..ومن كل شيء ..منشورات توزع ..تجدها أمامك في الدرب..فوق أسطح المنازل..في الأسواق..في المقاهي..بل وعلى مناضد غرف النوم..مكتوب عليها :
ـ إرحلوا يا من تحسبهم جمعا و هم أشتات..يا من تفننوا في صنع الخلايا الجهادية..و في تحويل دينهم إلى فرق أصغر من حبة الخردل.. ..لقد حان الوقت لنهزمكم نهائيا ونرحلكم بدون رجعة..
حينئذ كنت تستجمع ما انطبع في ذاكرتك بعد تنفيذ الوعد..وسمعت من هنا وهناك ..أن هناك عزم على إجتشاش الفساد ورد المغامرين ..الذين رفضهم العالم وبخاصة القارة العجوز بعد الحرب الكونية ..و لم تجد بدا من القول :
ـ الحمد لله،إننا سنهزم المتكالبين على اجتشاشنا من جذورنا والسمسرة في وطننا..وسننتصر إن شاء الله ..
وازداد الرعب انتشارا..والتحرش توغلا في كل مفاصل كينونتنا..حتى كنت لا تأمن على كل ما تملك داخل غرفة نومك..بنات تختطف ..أموال تنتزع بالقوة وعنوة على مرأى من الجميع..انتزاع وتمليك يحدثان في نفس الوقت ..لأراض وبيوت وأملاك عتيقة ..من أهالي التاريخ لأناس يسكن قلوبهم الحقد والكراهية..حتى باتت أحياؤنا تعاني من نزيف حاد نحو …حتى بدأنا نعاني الغربة في حينا .. وعدنا نشعر بالإحباط داخل ذواتنا..وقد انتكست آمالنا في الوثب بعد أن اندحرت جيوش 48 ..
ثم انتشى السامري حتى دشن في كل درب ..في كل زاوية ..في كل شبر ملاهي ليلية واستورد العاهرات…وحتى قبلت البقية الباقية النزوح طواعية عن التربةو التي لعبوا فوق أديمها وتلوثت بها كل فتحة من مسام أجسادهم..وهم يبكون ..ويسجلون بأظافر مخضبة بالدماء و بحرقة سوء المآل..
تراب ..تراب كثير عم جسمك ..ملأ فمك ..عفر وجهك ..ضمخ شعر رأسك..بدل سحنة ملامحك ، كأنك خرجت للتو من قبور الأولياء والصالحين ..ولا شيء غير التراب..لا تشم غيره ، ولا ترى غيره..حتى باتت كينونتك الآن تراب..تتحسسه في كل ذرة من جسمك ، تتلمضه بين شفتيك.. يحرقك في مقلتيك..وتراه ولا ترى غيره في كل مكان حتى قلت :
ـ منه خلقنا وإليه سنعود..أجل سنعود إلى التراب ..
وتحسست مجموعة من الأصوات تتقاطع فيما بينها وهي تخاطبك ..تشيعك إلى المثوى..يا هذا الميت ..ستموت بعد هنيهات وستنتهي..أما نحن فسنحلى أساور من جماجم وسنفترش زرابي من دماء ..
ـ كأنها كوفيتي تسدل على وجهي …حجبت الأفق ..وانبهرت حتى عرجت على الفناء..العدم..لم أعد أرى شيئا منفرا..مقززا ..أو مخيفا..لم أستطع أن أسمع شيئا ..إذن مت ..صفراء فاقع لونها..البقرة..القبة..الذهب..الفشل..الهوان الذي أبتلي به جسمي ..لا أدري ..لعلها جياد عمرو ورايات طارق..أو يد عمر ..أو مكتوب حاكم أورشليم إلى عمر..لكنها في الأخير تبدوا كالخوذة ..صحيح..قد تكون كذلك..لأني ألحظ تحتها أشيا غريبة..إني أهذي ..هذيان النزع الأخير..تحت الخوذة يبدو لي كأن يد عمر تمتد إلى تلك الصفراء ، وتمسد عليها مشفوعة بصوت جهوري :ـ
معراج خير الأنام..مصلى سيد الأنبياء والرسل…
هنيهة ..رأيت جيشين عظيمين… يزحفان نحو الشمال مرفوقين بصوت مقدسي :
ـ يا عمرو ، يا طارق لا تنسيا رسالة الله..واعتنوا بتطبيق ما وصاكم به من سماكم المسلمين وما شرع لكم خير الأنام..
ثم انتشيت وبردت مفاصلك وغصت في العتمة ..وخدرت بعبق الكوفية حتى بدت لك تحت الصفراء ملامح تعرفها ، ويعرفها التاريخ..ولا مفر لك من الهذيان ..من النشوة..ولسان حالك يصدح :
ـ ..صلاح الدين …
انقطعت عن العالم الخارجي ؟ أم مت ؟ أم انتشيت ؟…لم تعد تتواصل مع محيطك..غير أنك سمعت كلاما عبريا مفاده :
ـ زحف ناجح..وسنسمح للناجين بجمع موتاهم و عد جرحاهم والرحيل من هنا فورا ونهائيا..حينئذ اندلقت دمعتان..وصاح صلاح الدين بصوت جهوري من تحت الصفراء..إنه صوته..إنها خوذته ..إنه هو ..يقول :
ـ لا تدع الوهن يصل إلى كيانك ..هذا هو ديدنهم..نحن في تعايش وسلام مع السكان الأصلاء في القدس ..ومن كل الاعتقادات…كل سكانها..لكن الذي يسمم وما زال يفعل هم أولئك الآتون من الشتات..تذكر ما حدث معي..واقرأ عن الذي حدث بعد سقوط الأندلس على شواطئ شمال أفريقيا …
طفلا كنت …وكنت لا يعجبك من محيطك غير الألوان..وكل ما يكتسب ملحا جمالية ..حتى كنت عند اصطحاب أمك لك إلى سوق المدينة العتيقة تتساءل عن ذلك التنوع الغريب في بشرة المتسوقين والتجار..وعن ذلك الاختلاف البين في لغات الباعة والمشترين..حتى سألت أمك مرة :
ـ من هؤلاء جميعا ..ومن أين جاءوا ؟ ولماذا هذا الاختلاف البين ؟
فزفرت الأم زفرة حارة..ثم قالت رحمها الله :
ـ يا بني ما زلت صغيرا على فهم ذلك ..فهم السوق وفهم ما يحبك من مؤامرات على حينا ..على الهوية ..على المصير..وعلى، وعلى ..وبعد أن سألني إبني نفس السؤال بعد أربعين سنة عجزت عن الإجابة .. هجر الكل الكل ..وافتقد الجمع الجمع ..وضاع الاطمئنان..وحرمت الممتلكات وحيل بين الأب وإبنه ..ومنعت المنطقة على كل حائم ..ومنع التجوال منعا باتا..حتى المآذن والصوامع بدت في صمت رهيب ..صمت في عمق النكسة ونكسة في صلب الفاجعة..ولم أعد أستنشق إلا الظلام ..لكني مجبر على الوقوع تحت مداهمة ذلك الصوت ..الآتي من المسيرة التاريخية ..من العمق ..لعله من النسيان واللامبالاة ..وأنا أعرف بأنك لن ترضى عني …حتى انسلخ عن جلدي..وحتى أبيع هويتي بأبخس الأثمان في سوق النخاسة ..:
ـ يجب أن تعرف بأن السامري وقلب الأسد وعراب القارة…وهولاكو البيت الأبيض ملة واحدة ..ولن يرضوا عنك..كما يجب أن تقر بأن ما كانوا يخشونه قد وقع …أصبحت العقيدة التي عقدوا العزم على محاربتها تتسلل باتزان إلى أفئدة وأزقة وشوارع كبريات مدنهم ..مدن كانت بالأمس القريب لا يسمح فيها النطق باسم حامل هوية هذه العقيدة.. بل وباتت تناقش قضاياها في أروقة السلط وتسن لبنوكهم قوانين منتزعة منها ..لا تجزع.. فإذا تسلطوا على القدس رمز الأمان والسلام ،ثانية القبلتين وثالثة الحرمين الشريفين فإننا سلالة دين يتمكن منهم من الداخل ..من العمق..فقط لو أحسنا فهم نصوص الله واستضأنا بنبراس الأنبياء والرسل ، وقدرنا قدراتنا حق قدرها واستعملناها فيما يقوي جانبنا ويؤازر كينونتنا…
أنت واحد من الكل..أنت تختصر كل الوطن..أنت الحامل أبدا غصن الزيتون..أنت الراعي الأمين لنصاعة الاصفرار الذي تتباها به القبة …أنت مجلي الاصفرار المرصعة به خوذة صلاح الدين…أنت الرايات ..رايات الجيوش الواقفة بصمود وإيباء في وجه سفاحات السامري وجبروته..أنت..وأنت مسجى على الثرا ستزرع السلام للمسالمين وستفجر قنابل الفناء للعصب السامرية أينما تواجدت وكيفما تجلت …وفجأة يقتنص سمعك الخامد ..الخالد..المارد صوت مؤذن ؛ الله أكبر .. الله أكبر ..فتعجب..ثم تنفلت من بين شفتيك الباسمتين العاشقتين للابتسام الأبدي …جملة ؛ إني أسمع ..ما زلت حيا ..رغم النزيف..ما زلت أسمع ..
ثم هذيت:..صلاح الدين ..عمر..عمرو..طارق..صلاح الدين ..إني معكم ، أعانقكم فابقوا معي ..شدوا على يدي ..ورشوا قلبي بزهرات الخلود ، وأسمعوني أناشيد التوبة و الصمود..واسقوني نشوة المروءة ورحائق الحب..وسنغني معا وسننتشي بكل نبرة..وبكل صوت ..رددناه ,أو سمعناه ؛ انتصرنا حين كنا فقراء ضعفاء.. انهزمنا حين صرنا أغنياء..ملوكا و أمراء…و اندثرت سيمات الرؤساء..لمن الملك اليوم….؟

السابق
أشْلاَءُ حُلْمٍ تَلاَشَتْ خَلْفَ التِّلاَلِ
التالي
لا أحد

اترك تعليقاً