الخاطرة الطويلة

نسائم الطفولة

كانت لحظات رتيبة داخل الحافلة ….. زادها غمّا جشع السائق الباحث عن لقمة عيشه بالتلصص على أوقات الناس في مختلف المحطات ،…التي حوّلها إلى أماكن لركن الحافلات و توقيف عقارب الساعة ….. السائق يمارس العناد بتلذذ و نشوة لأن قابض التذاكر وراءه يحمي ظهره بعيون تحملق في وجوه الركاب بحثا عن معترض أو محتج ليسمعه الكلام المزخرف…. في هذا الجو الكئيب….. يجلس بجانبي طفل أدار وجهه و حتى عنقه إلى النافذة و كأنه يبحث عن والد مفقود …… كان منظره أشبه بالنعامة و هي تضع رأسها تحت التراب حتى لا ترى القادم إليها ……كان القادم هو قابض التذاكر بعيون قابض الأرواح ……. قابض يرى الركاب مجرد قطع نقدية يحترمها عند الصعود من أي مكان في الطريق …… و يتنكّر لها إذا استعجلت النزول في نفس المكان عند العودة……. مدعّيا أن سيارة الشرطة تراقبه من بعيد .
مشهد الطفل و هو يبحث عن مخبئ داخل الحافلة هو النسمة الباردة التي تسللت إلى صدري من دون إرادة مني ……هي نسمة من نسائم الطفولة جاءت من غير ميعاد ….. اخترقت فؤادي عبر تنهيدة عميقة لتزور الأحلام الأسيرة بداخلي و توقظها من سباتها العميق ….. علّها ترسم مزيدا من التجاعيد على ملامح وجهي …. نسمة حملتني على بساط الريح إلى سنوات الطفولة سنة 1987…… وضعتني في المحطة انتظر حافلة النقل المدرسي مع أترابي لتنقلنا من تاسوست الى اكمالية زرماني في قاوس….. انتظرها و انا استعرض عضلاتي للظفر بمكان واقف… لأن المقاعد تكون على الأرجح قد امتلأت في طريقها قبل أن تصل إلى محطتنا ….. كان الشاطر فينا هو من يصعد عبر النافذة لأن الباب لا يستوعب تدافع فتيان كلهم عزم على الظفر بحقهم في النقل المدرسي .
كان موعد الحافلة هو وقت الظلام الدامس الذي يسبق طلوع الشمس …. تأتي الحافلة من الأمير عبد القادر لتعرج بنا إلى قاوس عبر بوخرتوم …. و تعود مسرعة لتنقل الفوج الثاني إلى الطاهير … و تنهي مهامها قبل الثامنة صباحا ….. يا إلهي… ..ان تكون مجتهدا يعني أن يؤذّن عليك الصبح في قاوس شتاءا …… يعني أن توقظ ديوك المنطقة ليوقظوا أهلها ….. يعني ان يرتدي جلدك اللون الأزرق و تفتخر انك تستطيع أن تخرج الدخان من فمك بتعاطيك سجائر الصقيع …..كنا شّلة من الذكور و الإناث نتعاون على رفع ستار الليل عن بلدة قاوس الصغيرة الطيبة بأهلها .
ليس الصقيع هو ما تذكرته من قصة الطفل الذي بجانبي مع قابض التذاكر ….. و إنما تذكرت قصتي أنا مع قابض التذاكر و هو يقترب مني و أنا في حافلة الصقيع…… 30 دورو هو سعر التذكرة في ذلك الوقت و 500 فرنك هو مصروف اليوم …… كنت آخذ مصروف الأسبوع في بدايته سبتا …… فهل يعقل أن احتفظ بالمصروف إلى يوم الخميس و أنا أمّر يوميا أمام محل الفوضيل لبيع البيتزا …… أمام هذا المحل ضيّعت دروس تعلّم الصبر و مزقت جدول تسيير المصروف الأسبوعي …..حتى اذا جاء يوم الأربعاء قد أكون مازلت محتفظا ببعض المصروف و قد لا أكون ….. أما يوم الخميس فحتما أصبح جيبي خاوي على عرشه …… و حينها يكون لي موعدا مع قابض التذاكر أشبه بموعد هذا التلميذ الذي بجانبي .
قصة عمرها ثلاثين عاما تقريبا ….. كادت أن تندثر من ذاكرتي لولا القدر الذي أوجدني بجانب هذا البرئ ….. قدر حمل إليّ هذا النسيم لأعيش لحظات جميلة من عطر الذكريات ….. استدارة الطفل إلى النافدة منعته حتى من رؤيتي و أنا أسدد له التذكرة ….. لم أشأ أن أخبره و هو يعتقد أن القابض لم يصل أو ظلّ الطريق …… يكفيني أني دفعت عنه هذا الكابوس …… فحافلات اليوم ليس فيها مكان للاختباء من هذه الأشباح ……. أحسست أني كنت أحسن منه حظّا عندما كنت أجابه قابض التذاكر بالاختباء تحت الكرسي في أريحة تامة ….. و أحفظ ماء وجهي من لسعات لسانه …. كان في حافلتنا مكان سّري واسع نوع ما تحت كرسيين في الصف الأخير يسارا….لأن الصف الأخير كان أعلى درجة من باقي الصفوف… مما ترك بعض الاتساع أسفل كراسيه ، كان هذا المكان مخصص للاختباء يلجأ إليه كل من لا يملك مصروف يومه…. حافظنا على سرّية هذا المكان متضامنين و لا اعتقد أن قابض التذاكر اكتشفه يوما …..نسمة الذكرى حملت ذاكرتي إلى زيارة هذا المكان المظلم الأشبه بالجحر في الجبل …. جحر تخرج منه جيل بكامله …..جحر هو عمق الجزائر في ذلك الوقت .
كانت الظروف الاجتماعية تجعلنا نبدع شتاءا في الحافلة ….. أما في الربيع و الخريف فالإبداع يبلغ مداه عندما نتخلى عن الحافلات و نحمل أنفسنا على أرجلنا ذهابا و إيابا …و في ذلك قصة تلفّها نسائم أخرى من الذكريات .

السابق
مقبرة الحجارة
التالي
فِي حَنايَا الْقلب الوَجِيع

اترك تعليقاً