القصة القصيرة

نصير السلام

قارع الحزن واليأس ، تغلغل في جسده ، جف دماغه ترهلت اطرافه واوشك كرشه ان يتدلى ، شلت نفسه وآماله منذ حطت قداماه أرض منفاه في بلد اوروبي واستقر في هذا البيت القابع على تلة عالية بعيداً عن المدينة
هو ورفاقه .. تلاشت الساعات والدقائق من حساباته لايعرف متى تشرق الشمس أو يبزغ القمر.. أيامه جافة مضطربة مقهورة كحاله.
وقف بجانب الشجرة الجرداء يداعب أغصانها ، الأعشاب البرية تحيطها ، أمعن النظر اليها ، تتوسط حديقة المنزل المسموح له بالتجول داخلها .. دار بعينيه الزائغتين ، المناظر بديعة ، وديان خضراء وجبال تتعانق مع السحب الكثيفة والثلوج الناصعة البياض تكسو معظم قممها .
تذكر كلمات الرجل المنمق والوسيم الذي استقبلهم في المطار وجلبهم إلى هنا ، وهويقول: حاولنا اختيار مقر إقامة لكم يشبه إلى حد بعيد قراكم ، يومها بصق في وجهه وصرخ بأعلى صوته بأي حق ننقل من الأسر الى السجن ، ومن سمح لكم بهذا النفي وقال : الا تعلم أن الأسر في وطننا أهون ألف مرة من الحرية في بلاد غريبة
فكيف بالسجن داخل بيت جميل بحديقته الغناء ومناظره الساحرة.. فأجاب الرجل الأنيق وأبتسامة عريضة تعلو شفتيه هذا اجراء مؤقت وستعودن قريبا الى قراكم ومدنكم ، يومها تذكر انه هز رأسه وابتسم ابتسامة ساخرة
وقال : عام 1948 كل الفلسطنين الذين هاجروا من فلسطين سمعوا هذه العبارة.
عاد ببصره يتفحص الشجرة الجرداء التي ملكت قلبه الحزين لأنها تشبه شجرة اللوز التي تتوسط بيته في قريته
البعيدة وتمنى أن يرى أوراقها وزهورها ، عسى أن تكون شجرة لوز تواسيه في غربته القصرية.
نطر إلى ساعته ، سمع صوت سيارة مزعج يقترب من البيت وقال: جاء في موعده أعجبه دقة المواعيد الأوروبية .. الزمن عندهم بثمن .
أقلته السيارة مع رفاقه إلى المدينة لتأدية صلاة الجمعة ، لأول مرة يشاهد المدينة وشوارعها الصاخبة ..
وقفت السيارة أمام بناية ضخمة مزينة بدقة ، لم يندهش وهو يرى نجمة داوود تتوسط واجهة البناية الضخمة بلونها الأبيض وأركانها الزرقاء … تشظى عقله وتطاير الشرر من عينيه والسائق يقودهم الى المسجد أسفل
البناية .. أوشك أن يقول للسائق لا ، أعيدنا إلى البيت ولكنه تذكر ضرورة أداء الصلاة الواجبة على كل مسلم
خرج مع رفاقه من المسجد ، سمع أحد المصلين يتحدث مع مجموعة من الرجال : تصوروا هذه البناية يملكها
اسرائيلي ، وتبرع بهذا المسجد أسفل البناية للمسلمين ويتكفل بمصاريفه ، كبادرة حسن نية … فهو من أنصار السلام واردف يقول ، معروف هنا بنصير السلام .. نظر بطرف عينيه الى البناية بنجمتها وخطوطها الزرقاء
وابتسم ابتسامة شاحبة وتمتم اسرائيلي من انصار السلام .. نصير السلام
هامش
بعد معركة كنيسة المهد في بيت لحم أثناء الانتفاضة الثانية في شهر ابريل 2002 تم ابعاد عدد من المقاتلين المدافعين عن الكنيسة إلى احدى الدول الأوروبية

السابق
مقامات
التالي
صباح

اترك تعليقاً