القصة القصيرة

نص ساعة زمن

ظل فى مكانه يرقب بزوغ شمس الغد على أحر من الجمر .. عيناه معلقتان أغلب الوقت بسقف الحجرة الضيقة القابع فيها منذ هبوطه من قطار الظهيرة القادم من بلاد بعيدة ..
بلاد أغلقت فى وجهه كل منافذ الرزق الشريف بكرامة و عفة بعد ما فشلت حكومة وطنه من قبل فى توفير أعمال لأبنائها على أرضها ، و حسن توزيع مواردها ، و حتى يتمكن من تحسين أحواله الاجتماعية ، و يبقى على العفة التى نشأ عليها منذ الصغر .

ها هو يحملق فى اللاشئ .. ذهنه شارد فى الأفق البعيد ، و قطار السابعة و الربع صباحا أيام دراسته الأولى يتأرجح أمامه كدمية معلقة بمرآة سيارة من أحدث طراز ، و كأن عدوى الأفول أصابته و تمكنت من تلابيبه المتعبة .. ارتعاشة كفيه تزلزل فراشه البارد و تؤجج النار المستعرة بــكيانه الخرب .. يتقلب فى فراشه (كالطنبور) .. كل ليلة يأتيه النوم على مضض .

دورات متتابعة كمن فقد القدرة على السكون .. أصابعه تتشابك و تنفرد خلف رأسه المتعبة المتكئ عليها .. يسمع القاص و الدان صوت طرقعاتها من مكان بعـيد ..
بعد برهة .. يفيق من شروده للحظة .
كانت عيناه لاتزالان واقفتان عند خشب سقف الحجرة الضيقة القابع فيها ، و توارت الدمية فى اللا محدود من أمامه .
فى نفس الوقت جرى على لسانه نفس السؤال .
نظر إلى داخله ..
وجد السؤال المطروح عليه يتردد بقوة ..
هل عجزت عن كسب عيشك و الحفاظ على حبك القديم ؟
قبل أن يكمل قراءة السؤال وعلى مرمى بصره الزائغ لمح (بُرصين) يجريان خلف بعضهما البعض فوق (عرق) من العروق السبعة التى تحمل عرش حجرته الضيقة القابع فيها منذ ولادته .
استرعاه منظرهما وهما يعدوان .
ـــ انتبه !.
أكمل قراءة السؤال .. ماذا يحدث ؟.
خرج من تطوافه البليد الساكن داخله منذ زمن .
فى نفس اللحظة تذكر مقولة والده فى أيام طفولته الأولى عندما كانوا يتجمعون هو و أخواته و أبناء عمومته حول (منقد) الشاى وسط الدار فى الليالى الشتوية الطويلة :
ــ تعرف يا أسامة تقول بسرعة و فى نفس واحد ..
{خشب السقف سبع خشبات} سبع مرات متتالية .
ارتسمت على شفتيه المتكلستين ابتسامة ضيقة .
تذكر كيف نطقها فى حينها …
{خشب الشقف شبع خبشات .. خبش الشقف شبع خبشات .. خبش الشقف شبع خبشات }.
الآن يحاول تكرارها فى سره ..
{خشب السقف شبع خبشات} ..
يراجع نفسه ..
ــ لا ــ
ليست هكذا .
عاود نطقها من جديد بصوت عال .
{خبش السقف سبع خبشات} ..
لا .. لا .. تبسم و هز رأسه .. لا ..
ليست هكذا ..
لابد أن تكون بتؤدة .
{خشب السقف سبع خشبات} ..
فى المرة الثانية ..
{خشب السقف سبع خشبات} ..
فى المرة الثالثة حاول الإسراع ..
{خشب السقف شبع خشبات} .

قهقه بصوت مكتوم ، ثم انخرط فى الضحك المتواصل حتى ظهرت نواجذه ، و عاد لينظر باهتمام بالغ إلى البرُصين اللّابدين فى سقف الحجرة ، و هو يترحم على والده ..
و كيف كان يعلمه الصبر و الحكمة بأمور تبدو بسيطة و هى فى جوهرها تنطوى على وعورة و خطر .
منتهى البراعة فى الخبرة و الحنكة المكتسبة على مر الأيام و الأحداث .
حاول التدقيق فى المشهد بأكمله عن كثب .
هاله منظر البُرصين !.
البُرص الأول أصغر حجمًا .. ذيله قصـير و مدبب حتى آخره كأنه (مسلة الخّواص) ، و على جوانبه بثور صغيرة لها رؤس مفتوحة ..
دقق النظر أكثر على الذيل ..
وجده من كثرة اللمعان البادى عليه أنه أملس .
قال فى نفسه :
ــ من المؤكد أنه البُرص الأنثى ..
فالذيل مرفوع لأعلى بصفة شبه دائمة .
أما البُرص الآخر فهو أكبر حجماً ، على ظهر ذيله شعيرات غزيرة كأنها (إبر الصّواف) ، و رأسه مسحوبة للأمام أكـثر و مفلطحة و لونه أكثر قتامة ، و عدوه سريع فى خطوط متعرجة .. يناور مناورة المتمرس الحصيف … من المؤكد أنه البرص الذكر …
البُرص الأول يختبئ تحت قشرة بارزة من (العرق) الخشبى ، و يدس رأسه فى شق من الشقوق الضاربة في (العرق) من أثر القِدَم ..
كأنه يقول لن يرانى أحد هكذا ، مع أن باقى جسده و الذيل ظاهر للعيان ..
{بيد أنه لا يجدى مع النعامة دفن رأسها فى الرمال كى تحِل المشكلة} .
البرُص الذكر .. يمشى الهُوَيْنى فى خيلاءه و يعلم أن الأنثى تريده و تهواه ، و لكن تسوق الدلال و تتمنع عليه .
ها هو يحوم حولها حومة الواثق من نفسه ، ثم يقترب منها بخفة بزحفات متأنية ..
يدور حولها دورة واحدة ، ثم يلكزها لكزة رقيقة ..
تفر الأنثى من لكزته .. تزحف بخفة ثم تنبرى فى الركن .. ما بين السقف و الحائط ، ثم تستدير و ترقب الخطوة التالية ..
البرُص الذكر يتركها فى غيها تعبث في لهوها .
ينتقل البُرص الذكر للــ (العرق) الآخر ، يقطعه ذهابًا و إيابًا و عـيناه عليها (من تحت لتحت) دون الإفصاح عما يريده مخافة أن تحسب عليه و تسجل ولعه بها .
طال وقت تطوافه و كثرت مشاويره ذهابًا و إيابًا ، والأنثى فى انبرائها تنتظر اللكزة القادمة ، و لسان حالها يقول : ربما كثرة الدلال و التمنع تفقد الحب حلاوته …
تتراجع عن دلالها الزائد .
تحاول الانتقال للـ (العرق) الثانى ..
تدور حول نفسها دورات متتابعة لتظهر مفاتن أنوثتها الطاغية و تزيد من إفرازات روائحها النفاذة من مراكز أنوثتها لجذب البرص الذكر إليها .
الذكر يمنعه كبرياؤه من الاقتراب منها ثانية ، بينما رأسه تدور يمينًا و يسارًا لا تستقر فى مكان مثل الجندى الواقف وسط ميدان المعركة يستطلع الموقف و هو على أهبة الاستعداد محاذرًا من غدر من يستطلعه .
الأنثى ترفع رأسها تنظر ناحيته ، ثم تزحف قدر طولها مرتين للأمام ، و ترتد للخلف قدر طولها ، و الآخر يتصنع عدم الاهتمام .
ــ كرامته تنقح عليه ــ
الأنثى قررت استثارة البُرص الذكر من أجل كرامتها .. أطلقت زفرة من روائحها المثيرة .. الزفرة سمعتها كل الأبراص الذكور المختبئة (بحطب) سقف وسط الدار الخارجى .
ثار لعاب أشبال الأبراص فى الخارج .
ــ أبداً ــ
لم يقترب منها أحدهم مخافة البرص (الفحل) الرابض في الحجرة الضيقة .
قالت فى نفسها :
حتما فى الأمر شىء خطأ …
الأشبال كثرٌ فى صحن الدار الخارجى !.
هل فقدوا مواطن الرجولة عندهم ؟!
ــ الكل آثر السلامة ــ
فى حين أن البرص الذكر لم يحرك ساكناً ــ فهو غير مبال بما تفعله الأنثى اللعوب .
ــ عمل ودن من طين و ودن من عجين ــ
ظل فى تطوافه الثابت يدور و يلف فى اللا شىء .
الأنثى استشاطت غضبًا ، و ازدادت حدة توترها مثل كل نساء الدنيا .
تذكرت أن كيد الأنثى لا يعادله كيد على وجه الأرض .
لابد من إعماله الآن ، و إلا لن تقوم لها قائمة .
لابد من إجبار البرص الذكر (الفحل) اللاهى بخيلاءه الكاذبة حتى يرضخ لرغباتى …
أطلقت نظرة ناحية البرص الذكر بإحدى عينيها الكحيلتين ، و كأنها غيرعابئة بما يصنع .
ثم أطلقت زفرة أخرى رقيقة ساحرة من روائح أنوثتها الطاغية ، و انتقلت من العرق الثانى إلى العرق الأول قاصدة باب الحجرة المفضى لصحن الدار الخارجى و هى تلوى ذيلها الحامل لسر الوجود ، ثم هبطت من فوق الحائط إلى (خشبات) عتب باب الحجرة فى طريقها للخارج .
وقفت لبرهة و أطلت بمقدمة رأسها المدببة لصحن الدار , ثم عاودت إطلاق الروائح الأنثوية المحملة بالعبير الذى يحمل بين طياته نداء العاشق لمن يريد الهوى .
(لعل و عسى) يأتيها غير البرص (الفحل) ، أو يتنازل عن خيلاءه الكاذبة …
خرجت الأبراص الذكور الأشبال من مخابئها .
يقتربون فى حذر ، و هم ينظرون إلى مقدمة رأس جميلة
الجميلات ، و لعابهم يسيل على أعواد (الحطب) اليابس بسقف وسط الدار .
لم يتقدم منهم أحد ناحية الأنثى اللعوب مخافة غضبة البُرص الأكبر .
الأنثى تجأر بالنداءات و إفراز الروائح النفاذة ، و ترفع نصفها الخلفى لأعلى و تستدير و تتمايل بكل اتجاه و تطلق المزيد من الرحيق الأخاذ ..
ــ لم يتقدم منها أحد ــ
الذكر (الفحل) يرفل هناك فى غيه سعيد ..
ــ فجأة ..
يتحرك برُص شبل (مسحور) معجب بذاته من وسط الدار ناحية عتبات باب الحجرة الضيقة إلى صاحبة الروائح النفاذة و نداءاتها المتوسلة التى أسكرته .
رأى فى ذاتـه .. أنه آن لـه الأوان كى يمتلك عصا الفتوة ، و يغتنم الفرصة ليحل محل البرص الذكر الأكبر ..
حام حومة سريعة حول (الأنثى) المتوسلة ..
تمسح الشبل فى ذيل الأنثى المرمرى مسحة خفيفة .
بين الفينة والفينة تستدير الأنثى ترقب موقف من تهواه على (العرق) الثانى من سقف الحجرة الضيقة الشارد صاحبها عن الدنيا فى إنتظار (نص ساعة زمن) يجد فيها نفسه .
قبل أن يصل البرُص الشبل الباحث عن دور البطولة و الفتوة لحومة ثانية و التمسح بالبُرص الأنثى الكيادة .
إذ بالبرُص الذكر ينتفض من موقعه انتفاض الفارس المغوار المحنك ليدافع عن شرفه و عرضه و أغلى ما يملك .
فى لمح البصر ينقض الفحل على البرُص الشبل ويلـدغه لـدغة بين عينيه أسقطته أرضاً مضرجًا فى شبولته ، ثم أسلم مسلات بطنه للريح ليزحف بأقصى سرعة وراء الأنثى (المهرولة) و القاصدة الفرار حتى لا تقع فى قبضته ، وإذا به يلحق بها و يعتلى ظهرها و يعقرها من بين شدقيها و يذيقها وزر ما أقدمت عليه .
ــ فتح (أسامة) فاهه عن آخره ..
صك وجهه بكلتي يديه ..

هب واقفًا على سريره (البارد) من يوم مولده .
لم يعبأ أنه وقف على (لوح) واحد من (المُلّة المسوسة) و أن قدميه لامست أرض الحجرة .
هاله منظر الأبراص الأشبال المنكمشة فى جلدها ، و هى تنظر إلى البُرص الشبل الملقى على الأرض مضرجًا فى غيبوبته الحالمة .
تذكر وقفته لعشر سنوات ماضية قبل سفره لبلاد الغربة باحثًا عن دور البطولة بجوار باب العربة الثالثة لقطار السابعة والربع صباحًا فى رحلة الذهاب ، و الثانية و النصف مساءً فى رحلة الإياب ، منكمــشًا فى مــكانه يـنظر على أنثاه لينعم بــ (نص ساعة زمن) يتملى فيها من وجهها البشوش و يمنى النفس بقرب موعد اللقاء الرسمى .
لا يعبأ بما كانت تصنعه محبوبته .. مكتفيًا بتأويلاته العفوية ، و هيامه المنفرد على سريره الخالى من رعدة الهوى ، و الارتكان إلى تفسيرات و تشبيهات الشعراء عن الهوى العذرى .
(( نقل فؤادك حيث شئت من الهوى مـــــــا الحــــب إلا للحبيـب الأولِ))
متكوراُ بين طيات السرير الباردة ، و سهر الليالى و حسن إجادته تكرار مقولة أبيه :
(خشب السقف سبع خشبات) .
ــ لا سامحكم الله يامن سبقتمونى فى الحب ، و علمتمونى أن الهوى هو الوقوف بجانب باب عربة القطار طوال رحلتى الذهاب و الإياب ، و إطلاق العنان للسماء الزرقاء للتأمل فى منازل الصوفيين و الشعراء !.
أما أنتم أيتها الأبراص لكم الله !.
فلا عدت أريد انبلاج الصبح و لا عدت أشتاق لبزوغ شمس الغد .. و لا ارتياد محطات القطارات ، و لو كانت من بعدها فرصة عمل بإحدى قطاعات الاستثمار ، أو القطاع الخاص فهذا محال ، و لو كانت لمدة (نص ساعة زمن) .
لأنى لن أستطيع البداية من أول السطر وأنا فى سن الأربعين .. و لا أعلم ماذا أصنع عندما ألتقى بامرأة أخرى من جديد …….

السابق
خيبة
التالي
عراة

اترك تعليقاً