مقالات

نهاية العالم برؤى أدبية مختلفة

نهاية العالم برؤى أدبية مختلفة.. من بوكاتشيو حتى ساراماغو
في الوقت الذي ينتشر فيه فيروس كورونا حول العالم ويهدد العديد من الأرواح، نعود إلى ما أنتجه الأدب من أعمال تتحدث عن اجتياح الأوبئة للعالم، وتوقعات الروائيين الخيالية التي ربما تتطابق بشكل ما مع ما يحدث في العالم في وقتنا الحاضر، إذ تعتبر فكرة انتشار الوباء أو قرب نهاية العالم من الثيمات الممتعة التي تجذب القراء مع قدر كبير من الإثارة.

“ديكاميرون” لجيوفاني بوكاتشيو، 1353
“ديكاميرون”، وتعني الأيام العشرة باللغة اليونانية، هي مجموعة من القصص كتبها المؤلف الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر، وهي عبارة عن 100 حكاية يرويها 10 شباب يحتمون في فيللا منعزلة خارج فلورنسا هربا من الموت الأسود “الطاعون” الذي كان يصيب المدينة.
في الوقت الذي كتب فيه بوكاتشيو “ديكاميرون” كانت إيطاليا تعاني من أزمة هائلة بسبب انتشار الطاعون. شهد بوكاتشيو تفشي الوباء وتأثر شخصيا بسبب موت والده وزوجته، واستغرق منه الأمر 6 سنوات لكتابة القصص التي تنوعت بين الحب والمأساة والإثارة الجنسية ودروس الحياة.
يقضي الشباب 14 يوما في تلك الفيللا المنعزلة، ويروي كل منهم قصة كل ليلة. قدمت القصص في شكل دراما إذاعية مكثفة مدتها 30 دقيقة عام 1945، بالإضافة إلى الفيلم المكسيكي “عام الطاعون” الذي عرض عام 1980، وأخرجه المخرج المكسيكي فيليب كازالز، وكتب السيناريو الخاص به الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. وفي عام 2016 قدمت الرواية على شكل دراما مسرحية مدتها 60 دقيقة. القصص متوفرة بطبعة عربية بترجمة المترجم الراحل صالح علماني.

“مجلة الطاعون” لدانيال ديفو
“مجلة الطاعون” رواية للكاتب الإنكليزي صاحب “روبنسون كروزو” دانيال ديفو، وهي توثق وتسرد تجارب رجل واحد عام 1665، عندما هاجم الطاعون لندن. يعتبر هذا الطاعون آخر طاعون هاجم لندن بعد سلسلة طويلة من الأوبئة المتقطعة التي نشأت في الصين عام 1331، العام الأول لظهور الطاعون في العالم.
عرضت الرواية تجارب شاهد عيان للأحداث في ذلك الوقت، وقد بذل ديفو جهدا كبيرا لتدقيق المعلومات، وتحديد الأحياء والشوارع والمنازل، التي وقعت فيها الأحداث، بالإضافة إلى نشر جداول أرقام الخسائر ومناقشة مصداقية الحكايات التي تلقاها الراوي من أصحابها. أثار العمل جدلا كبيرا حوله بسبب قراءته في البداية كعمل غير روائي، واعتبار ديفو مجرد محرر للعمل التوثيقي وليس مؤلفه، لكن بحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر تم قبول الرواية ضمن تصنيف الرواية التاريخية. تحكي الرواية قصصا مرعبة عن أشخاص سجنوا في منازلهم لأن أحد أفراد أسرتهم أصيب بالمرض، حيث تغلق الأبواب تماما ويرسم عليها من الخارج صليب أحمر. كانت هذه الطريقة في عزل المرضى، تجعل الأصحاء محاصرين حتى الموت، لوجودهم مع أشخاص محملين بالمرض.
قضت اللوائح وقتها بوضع حارس أمام كل منزل موبوء حتى لا يغادر أصحابه، لكن بالرغم من ذلك تمكن بعض الأشخاص من الفرار عبر أبواب مختلفة في المنازل أو عن طريق رشوة الحارس ليتركهم يهربون.

“قناع الموت الأحمر” لإدغار آلان بو
في هذه القصة التي كتبها الكاتب الأميركي إدغار آلان بو عام 1845 يصيب المرض المعروف باسم الموت الأحمر البلد المتخيل ويتسبب في موت ضحاياه بسرعة وبشاعة. يقررالأمير بروسبيرو إغلاق بوابات قصره لصد المرض متجاهلا ما يعصف بالأرض خارج قصره. بعد عدة أشهر يستضيف في قصره بعض الضيوف في غرف القصر الملونة بألوان فردية. الغرفة في أقصى الشرق ملونة باللون بالأزرق، تليها الغرفة الأرجوانية، ثم الغرفة الخضراء والغرفة البرتقالية والغرفة البيضاء والغرفة البنفسجية والغرفة السابعة والأخيرة سوداء، توجد فيها ساعة من خشب الأبنوس. عندما ترن الساعة يكون صوتها عاليا ومشتتا بحيث يتوقف الجميع عن الحديث، وتتوقف الأوركسترا عن العزف. في منتصف الليل يظهر ضيف جديد يرتدي زيا يشبه الكفن، وقناعا يشبه الجثة ليهاجم الضيوف ويقتلهم واحدا تلو الآخر.
تعتبر “قناع الموت الأحمر” قصة رمزية تنطوي على مفاهيم فلسفية عن عجز البشر عن الهروب من قبضة الموت، مهما بلغ ثراؤهم أو سرية أماكن احتمائهم، وتؤكد على ذلك عبر معاقبة الأمير بروسبيرو بالموت بسبب اعتقاده أن ثروته قادرة على إنقاذه. تمثل غرف القصر المصطفة سلسلة مراحل الحياة التي تمتد من الولادة إلى الموت والغرفة السوداء تمثل النهاية المشؤومة والساعة تذكر الأحياء بالموت دائما حتى يموت الجميع في نهاية الأمر.

“الطاعون” لألبير كامو
تحكي تحفة ألبير كامو الروائية عن انتشار الطاعون والرعب والمعاناة التي رافقته أثناء اجتياحه للجزائر في أربعينيات القرن الماضي. نشرت الرواية عام 1947 وهي قصة متخيلة عن مدينة وهران الجزائرية، التي يصل الطاعون إلى سواحلها دون سبب واضح، وتبدأ الفئران في المدينة في الموت بطريقة مروعة. بعد أن تموت كل الفئران يبدأ الناس بالمرض بالطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في العصور الوسطى، لكن المسؤولين يرفضون الاعتراف بذلك، ويستمر الناس في الموت، ويتم عزل المدينة عن بقية العالم.
يتحول الناس في المدينة إلى الجنون، ويخبرهم الكاهن أن الطاعون هو عقابهم على آثامهم. يتحصن الناس ببيوتهم، وتعلن الأحكام العرفية بسبب تدهور الأحوال في المدينة. تمتلئ المقابر بجثث الموتى. تتحول كل المباني الكبيرة والفنادق بوهران إلى مستشفيات، ويتحور المرض وتزداد قدرته على العدوى. يموت الكاهن بعد اعترافه باهتزاز إيمانه بعد مشاهدته لمشاهد موت الأطفال.
في نهاية الرواية يتراجع الوباء ويبدأ السكان في الاحتفال. تفتح أبواب المدينة لجمع شمع الناس بعائلاتهم. تحمل الرواية بين سطورها العديد من التأويلات بداخل الحكاية متمثلة في أفكار الكرم والبطولة والحب والاتصال المتبادل بين البشر، ويمكن قراءتها عبر أزمنة مختلفة دون أن تفقد جمالياتها.

“المنصة” لستيفن كينغ
نشرت الرواية عام 1978، وهي تقدم صراع الخير والشر المستمر في كل العصور، مع صورة حية لنهاية العالم، يمكن أن تكون صالحة لكل وقت، وترسخ فكرة الحرب البيولوجية التي تعززها نظرية المؤامرة، للقضاء على البشر.
تبدأ الرواية في قاعدة نائية للجيش الأميركي، حيث يتم إطلاق أحد سلالات مرض الإنفلونزا المختلق بطريق الخطأ. يصيب المرض تشارلز كامبيون فيهرب مع زوجته وابنته إلى تكساس، لكن الجيش يتمكن من العثور عليه، وينشر المرض بالفعل قبل القبض عليه ووضعه بالحجر الصحي. يبدأ المجتمع في الانهيار ويتوقف القانون ويموت الناس بسبب العنف وليس فقط المرض.
يتوجه بعض الناجين إلى الأم أبيغيل، وهي سيدة مسيحية قديسة تبلغ من العمر 108 أعوام، تتحدث عن الرب وقوى الخير، يتشكل مجتمع جديد مهيأ لمواجهة الخير والشر بأبعاد توراتية، خاصة مع صعود مجتمع مواز آخر يحكمه “فلاج” الذي يمتلك قوة عسكرية، ويستخدم التعذيب والإعدام لفرض سيطرته. في نهاية الرواية تتصاعد الأحداث بين مجتمع الأم أبيغيل ومجتمع فلاج الذي أصبح يهدد المجتمع الروحاني للأم.
تنتهي الرواية بتساؤل حول ما إذا كان الجنس البشري يمكنه التعلم من أخطائه، مع جواب غامض ومقتضب هو “لا أعرف”.

“العمى” لخوسيه ساراماغو
نشرت رواية “العمى” للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو عام 1995، وتدور حول مرض غامض ينتشر بسرعة بين البشر، يصفه ساراماغو بالعمى الأبيض، ويصف الأعراض في الصفحات الأولى من الرواية. تقوم الحكومة بعد ذلك بترتيب الحجر الصحي داخل مستشفى مهجور للأمراض العقلية. يتتبع الكاتب الأحداث المروعة لمجموعة من المصابين بقيادة زوجة الطبيب المصاب الأول بالمرض، وهي الشخص الوحيد الذي احتفظ بقدرته على الإبصار. بمجرد أن تزداد الأعداد داخل الحجر الصحي، تنهار الأخلاق والنظم الاجتماعية، ومع ذلك يظل هناك بعض الأشخاص الذين يحاربون من أجل مصلحة الجميع.
يعتبر العمى في الرواية مرادفاً للجهل وعائقا أمام الفهم، خاصة عندما يشعر الأطباء بالحيرة تجاه المرض وسبب انتشاره. ربما تكون الرواية كئيبة لكنها بالرغم من ذلك مثيرة تتخللها قصة حب وقصة أمل، مع حضور كبير لروح الدعابة في طريقة السرد، ليحقق ساراماغو ذلك المزيج النادر من السحر والخيال والواقع، بالإضافة إلى نهاية سعيدة تعيد الأمل إلى القارئ بعد كل تلك الأحداث المرهقة.

السابق
وطني
التالي
سارة

اترك تعليقاً