الخاطرة الطويلة

نوستالجيا القناص

صورة من أيام زمان
أيا هذا الزمن الهارب، رويدك.. رويدك، اتركني أرتب شريط لحظاتي الباهتة، في بحر ذاكرتي التي سيجف ماؤها، ويكاد معينها ينضب. اتركني أرتب صفوف قسمي، علي أستحضر وبالأسماء تلك الرؤوس المتدلية فوق صدور مترهلة صفراء كحبات الإجاص، والتي عاث فيها الجوع فسادا٠
اتركني أيها الزمن، علي أرمم على جدار ذاكرتي تلك الصور التي كانوا يستوردونها من( ماما فرنسا) ليطعموا بها مقرراتنا المدرسية، وقد تكون ضمن باقي مستورداتهم من عطور الكولونيا، أو الروايال ، أوشفرات الحلاقة.
اتركني أيها الزمن، علي أرتب موقفي مما كان يقدم لي في قاعات الدرس، فإني لم أعد قاصرا يحشون دماغه بكل ما يحلو لهم ، و يجبر على حفظه٠ فقد وعيت قنابلهم الموقوتة، ولم أعد أومن بلعبة الإسكافي والغني، والبنفسجة الطموح :
– فهذا جيلالي متسخ، وهذا روني نظيف، Jilali est salle ،René est propre. ما علاقة تلك الصورة المشنوقة بمسمار أكله الصدأ بجدران حجرة الدرس؟ تلك التي كانت تستهويني، وأعشق التملي بألوانها القزحية بجنون، فتتلف انتباهي، وتنفلت حروف ذلك المعلم الثخين من أذني اليمنى وتخرج من اليسرى، وتتحرر من زحمة الفصل عبر مسام تلك النوافد المتآكلة والآيلة للسقوط٠
رويدك يا زمن، اتركني أعيش تلك اللحظة من جديد، بنظرة الراشد/الناقد.لا بنظرة ذلك الوعاء الذي يملؤونه حتى التخمة بتفاهاتهم دون أن يحرك ساكنا، لأنه كان شيئا من أشيائهم، مقهورا -أبد الدهر – مغلوبا على أمره٠
رويدك يا زمن، اتركني أعيد النظر في تلك الصورة، فكثيرا ما كانت تشتت انتباهي، ونحن في دروة شرح درس الأعداد الكسرية، فكانت كل يوم تكلفني (سلخة كلبية) بسوط المعلم، الذي لم يكن يعرف للراحة في يده سبيلا.
أمرر عيني في استدارة حربائية كاملة، وألصقهما بالجدار، فأتلذذ بجمال وروعة تلك الصورة، التي لا أعتقد أنها علقت لتزيين جدران فصل في أمس الحاجة إلى سقف يحمينا من برد (بفتح القراء) الرعود وبرد(تسكين القراء) فصل شتاء ممطر، وطاولات تمتص ازدحام تلك الحشود من التلاميذ المحشورة حشرا في فضاء عاجز عن الاستيعاب.
تلك الصورة، بجوارها كانت تقبع صورة أخرى للجزار، و لم تكن تثير انتباهي، لأن جزارا بلا لحم في بيتنا لا يعنيني، أنا الحرفوش، أنا القشة الهشة التي لا يعترف بوجودها إلا في رسوم الولادة٠ فاللحم كان نادرا، ولا نصيب لنا فيه، فقد كذبوا علينا، وأوهمونا بأنه مصدر بلاوي انتشار القمل بين الفقراء أمثالنا، لهذه الأسباب كنت لا أهتم كثيرا بصورة ذلك الجزار مفتول العضلات من القفا إلى الساقين٠
أما صورة القناص، فكانت تقنصني من بين الصفوف، رغم أن المعلم – من حين لآخر- كان يحولها من مكانها كل يومين في الأسبوع، فيلصقها مرة فوق سبورته الجدارية التي يعلق عليها بعض جداول الحصص واللوائح الخاصة بالتلاميذ، ومرة أخرى يعلقها في الجهة الخلفية من القسم حتى لا تشد انتباههم٠ لكن، ربما هو نفسه كان مثلي لا يعرف محتواها، أو ربما كان لحضورها على الجدار علاقة بالتعليمات الرسمية٠
كنت أنتشي بروعة تلك الصورة، تتملكني، فأغفو، وعيناي في رحلة مكوكية بين القناص والكلاب والطريدة، فأحسب نفسي (حياحا من حياحة ) هذا القناص المحظوظ، و طرائده الأسوء حظا، تلك التي يتقن النيل منها برصاصاته المسددة بدقة عالية٠ لكن هذه الكلاب أراها كانت غريبة، ومختلفة عن كلابنا، فهي مسدولة الذيول كالضفائر، حريرية الفراء، ناعمة الملمس، ذهبية الألوان، كلاب رومية، لها نصيب من الرعاية الصحية، والأكل الجيد الذي يفتقد إليه بنو جلدتي من حرافيش قسمنا… تقتات على أشهى الأطعمة في معلبات فاخرة مصقولة الحواشي، أطعمة تسيل لعابنا- نحن بشر هذه الأمة- أما كلابنا ( حاشاكم ) فنعرفها جيدا : متسخة، مهملة تماما، يعلق بها القراد والبراغيث والحشرات، تقتات في أحسن الأحوال على نخالة شعير مخلوطة ببقايا لبن حامض، ولها الحق في وجبة يومية واحدة، لذلك تضطر إلى أن تتغدى على براز البشر، فتراها حية / ميتة، بارزة العظام، منتوفة الزغب، لا تعرف مداعبة أو لعبا كصغارنا تماما ، بل تتقن النباح على الفراغ أو على أشباح وهمية٠
أما ذلك القناص، فتراه يرتدي قبعة سوداء، أشبه بطرابيش رعاة البقر في الغرب الأمريكي، رعاة خرافيون، عرفتني بهم شاشة سنيما كوليزي / سنيما الزعراطي في وادي زم، عندما كسرت قشرة بيضتي، ففقست، وخرجت إلى العالم كفراخ الدجاج، وأيضا شممت روائح إبطي٠ لكن، ترى صيادينا، يلفون رؤوسهم بعمائم متسخة ومسطحة كأعشاش الغربان٠٠٠ لا يصطادون عصافير الجنة، كذوي قبعات الويسترن/ رعاة البقر، وإنما يصطادون طرائد تافهة بليدة، وبوسائل بسيطة من فخاخ وشباك وحفر وما شابه ذلك٠
أما (الحياح) على صورة القناص، يرتدي لباسا لا يقل جمالا وأناقة عن لباس (جون ترافولتا) أو (الجيلالي ولد نجيمة )في حين ترى حياحينا حفاة، أنصاف عراة، غلاظ الطبع، ومصايدنا أحراش وفيافي قفراء عقيمة، وشتان الفرق بين الأحراش المقفرة والسهولة المعشوشبة والمروج الخضراء٠ فإذا كان ذلك يا جماعة الخير، فلماذا كان المعلم يهتم بهذه الصورة اهتماما كبيرا؟ لماذا كان يغير مكانها، وينفض غبارها؟
ينتشلني ذلك الصوت الأجش من غفوتي، فأرتعب، وأكاد أفعلها في سروالي القصير:
– إلى السبورة يا صالح، مسألة حسابية معقدة تنتظرك٠
أتعثر في ذلك الممر الضيق بين الطاولات، فأكاد أسقط، أقاوم السقوط، وعيناي ملتصقتان بالقناص، وكلابه الحريرية الفراء، وطرائده قزحية الألوان، طويلة الذيول، فتبدو لك من فصيلة الطاووس٠
أحار في فك شفرات المسألة ورموزها الرياضية، أضع قطعة الطبشور فوق المكتب وأقفل راجعا أجر أذيال الخيبة ، فربما استحوذت تلك الصورة على تفكيري، وسدت كل مسام ذاكرتي المثقوبة، فلم يعد للحساب فيها مكان. أو ربما لأني كنت الأضعف بين زملائي في مادة الحساب، وبالفعل كانت مادة للحساب والعقاب الجماعي، خصوصا أيام ذلك الخميس الأسود، الذي تعودت فيه على أن تزور العصا رؤوس أناملي، فلست أحسن حالا من الشعراء والفلاسفة الذين اتهموهم بالجنون، فزجوا بهم في معتقلهم الكبير، وكان ذلك ذات خميس أسود، قد لا يختلف عن خميسنا- معشر الحرافيش- بطاين الجيفة كما كان يحلو لمن يربينا أن يلقبنا.
كنت أشتري راحتي من صداع الرأس بطلاسم ورموز ذلك المعلم المنحوس الذي يهتم بصورة لا يعرف أبعادها، والثمن طبعا يكون (طرحة ساخنة على القدمين الحافيتين حد التورم ) بعصاه المسننة الغليظة٠ ورغم ذلك، تظل دلالات تلك الصورة عالقة بذهني، وتشغلني عن تركيزي على مسائل الحساب، التي لم تكن لها قيمة أمام جمال تلك الصورة، وإن كنت أجهل أنها صورة لقناص غير قناصينا، وكلاب غير كلابنا، وطرائد غير طرائدنا. وأن ما نراه على الصورة لا نراه إلا في أحلامنا المالحة، أو معلقا على هذه الحيطان الهشة والرطبة؟
كل شئ كان رائعا في تلك الصورة، ولا يفسد جمالها إلا تلك التشققات التي تعبر ربوع حيطان فصلنا الني أكلتها الرطوبة، ولم تعد قادرة على تحمل ثقل السقف القصديري الآيل للسقوط على رؤوسنا المسطحة في كل لحظة٠ ولا يعكر صفوها ذلك القناص ببدلته البنية وطربوشه الأسود الكبير، إلا أجسادنا النحيفة الملفوفة في تلك الأسمال الرثة المتسخة٠٠٠ إلا روؤسنا المرصوصة بالعشرات فوق طاولات مهترئة لها من مؤخراتنا نصيب٠٠٠ إلا تلك العمائم المسطحة فوق الرؤوس كأعشاش اللقالق، فقط هذا ما يفسد جمال تلك الصورة ، وهذا في اعتقادي ضحك على الذقون، تزيين الواقغ باللاواقع٠
أذكر أن تلك الصورة عرفتني على طرابيش رعاة البقر الذين كان يحلو لي أن ألقبهم (بأولاد لخبيزي) وأنا أستمتع بمغامراتهم في مسلسل ( غزو الغرب ) الذي كانت تبثه القناة الأولى الوحيدة، التي كنا نسميه ( إتم ) وكانت مدمنة على نشرات أخبار التدشينات،كنا نكرهها لأنها تفسد علينا عنصر التشويق في مغامرات ( مكاهان ) الأعرج بطل المسلسل٠
أما الكلبان الروميان المدللان بفرائهما الحريري الناعم، فكانا من فصيلة ذلك الكلب الذكي الذي كنت أسمع عنه الكثير من القصص الخيالية، إنه يقوم بكل واجبات البيت من الكنس إلى الطبخ، وهو أمهر من أمهر ربات بيوتنا، وكان هذا الكلب العجيب يسمى شفيقا٠
وأما الطرائد، فلم أكن أراها إلا مصورة على صفحات كتب أساطير وخرافات قديمة، وهي تحف بكواعب حسان في حديقة أو مرج أخضر، أو تربت بأجنحتها على كتف ملك طاغية مسترخيا على كرسيه في قلعة من قلاعه، أو حصن من حصونه ٠
مسألة جدر تربيعي، أو أعداد كسرية، لم تكن تساوي حبة بصل، أمام روعة تلك الصورة التي كانت تغرينا بالانطلاق في عالم الحرية والانعتاق، بعيدا عن عفونة عشرات النعال المتسخة التي تزكم روائحها الكريهة أنوفنا، و بعيدا عن سلطة وسطوة ذلك المعلم الغليظ الطبع الذي كان يعاملنا بقسوة، وكأننا عبيد في مزرعة أبيه٠
رائعة تلك الصورة، وإن كانت تعكس واقعا مستوردا – قسرا- يقتحم علينا حجرات فصولنا النتنة٠ صورة تعكس واقع ما وراء الضفة الشمالية، فنجبر – نحن الصغار- على أن نعيشه ولو في أحلامنا الصغيرة الوردية ٠
رحمك الله زمني الجميل، فأجمل ما فيك ، أنك مطعم بروائح القهر والفقر والأحلام المصادرة

السابق
تفريط
التالي
مهزلة

اترك تعليقاً