القصة القصيرة جدا

نيسانيات..

إنه اليوم الثالث بعد عوتي من أنجلترا، نلت درجة الدكتوراة في الطب بتفوق منقطع النظير، إستيقظت باكراً ودعوت صديق الطفولة محمود لجولة في أنحاء قريتي والتي غبت عنها سنوات طويلة.
كان صباحاً جميلاً دافئاً ومشمساً.
بدت فتيات القرية ينظرن إلي وانا اجوب الطرق بين البيوت ويتمنين في قرارة إنفسهن بأن القي عليهن التحية ولست بفاعل ولا عجب فأنا الآن طبيب القرية وحكيمها وحلم كل حسناوتها.
عند طرف الوادي كانت أم عبد الستار الأرملة تسوق شياهها وقد بدا لي أن اعدادهن يدل على أنها في بحبوحة من العيش بعد سنوات الضنك والعوز.
قلت لصاحبي: يبدو أن أم عبد الستار في حال أفضل من ذي قبل؟!
ــ لم يعد هناك سراق في أرجاء البلاد قالها واثقاً ثم أردف حتى أنها لا تحتاج لوضع الأقفال على باب الحظيرة ولم يعد عبد الستار مضطراً لحراستها ليلاً.
مررنا أثناء تجوالنا بمتجر القرية الوحيد، كان يقف أمامه أبو عطيه الحرامي متأنقاً وتزين صدره ربطة عنق فاخرة!!
ــ محمود مالي أرى ابو عطية حرامي الدجاج وكأنه من أكابر القوم؟!!
ــ أنه الآن يدير اعمالاً خيرية ويرعى بعض الأيتام ويواظب على جميع الصلوات ويملك ذاك المتجر الواقف امامه.
واصلنا المسير وكانت الأفكار تتصارع في اعماقي، كانت أم محجوب تجلس على كرسيها الفاخر بين أشجار اللوز والزيتون منتصف بستان وارف الظلال، قلت لصاحبي أليست هذه أم محجوب التي كانت تبيع البقدونس والنعناع وبيض الدجاج لتعيل اسرتها وزوجها المقعد؟؟!!
قهقه عالياً ثم قال: يا راااااجل أما أخبروك أن شقيقها الأكبر كان يجوب النواحي حاملاً اليها إرثها كاملاً غير منقوص؟!! لله دره بحث عنها عشر سنين وها هي تنعم بأموالها وقد أبتاعت هذا البستان وهي في أحسن حال.لم أجب وأكتفيت بصمتي الحائر والذي قطعه صراخ مختار القرية حاج متولي يؤنب بنيه على تقاعسهم في توضيب ديوانه العامر.
لم يعطني محمود الفرصة لسؤاله فقال: الحاج متولي لم يعد يحرص على الترشح للأنتخابات، تفرغ الآن لشؤون القرية ويصنع الولائم الكبيرة والتي لا يدعو إاليها سوى الفقراء والمعدمون.
شعرت بفرحة غامرة إلا أنني إستيقظت مذعوراً على صوت أم عبد الستار وأعنزي الثلاث حولي وهي تعلوني بعصاها الغليظة قائلة:
قم يا نومان اوشكت الشمس على الرحيل والسراق كُثر.

السابق
شعرت بزهو وفخر
التالي
نِكايةً

اترك تعليقاً