الخاطرة القصيرة

هالة من حب

وجدتني أجلس حيث جلستِ آخر مرة ..عند جذع الزيتونة العمٌارية ابنة المئة عام بل اكثر فأنا لست دقيقة في حساباتي ، مددت قدميك على التراب اللدن من أثر المطر الوسمي الذي كدتِ ترقصين تحته وأنت تكشفين عن راسك وتمسحين وجهك بالحبات الهاطلة على انحاء جسمك ، تسمحين له بمصافحتك واحتضانك بكاملك وانت ترددين : مطر الخير والبركة يا كريم يا رب .
أمي ،ها هي الحياة تدور وافعل ما كنت تفعلين ولكن بحرية وفرح أقل ، احتفي بالمطر الاول اتمنى الخروج الى الشارع ليبللني هذا الخير فاخشى سخرية العابر والأحمق ، لم نعد كما كنا ولا الحياة ، انحسرت مساحة الفرح ، فهذا الجيل يقلل من تمسكه بالارض والتين والزيتون، اصيب حبه بالهزال وشغفه بالفتور ، الوظائف تستعبدهم والابنية تسحق أرواحهم ، زيت القناديل ينفذ ولا بديل له ، أبنائي ، احفادك يصمون آذانهم عن نداء الأرض ، يكتفون بمراسلتها على التشات والصور التذكارية والقصائد المكتوبة بدماء الشعراء الذين افتدوها وسجنوا لأجلها ، يجد شبان هذه الأيام ليمونادة النعناع في المطاعم ألذ مذاقا من يدي نادل أو صاحب محل المشروبات الخفيفة ، فهم لا يتعبون في مزجها لذا لا مكان لما تصنعه الأمهات من نعناع وليمون حاكورة المنزل ،أردت أن اعتذر لك عما يفعله الأحفاد الذين نسلمهم الأرض، صرت أخشى وأبناء جيلي على كروم زيتوننا فهي متواجدة في ذاكرة السيلفي، يلتقطون لهم في ظلها صور سياح زاروها وغادروا ….نعم بكل صراحة يا أمي وجميع رفيقاتك أقول لكُنٌَ بأننا نخشى هذا الذوبان في الحضارة المائلة الى الزيف ونترك الأرض والزيتون في آخر درجات اهتماماتنا ..لطالما هاجني الشوق إليك وحاولت الإتيان بخبر مفرح عن الجيل الذي يكمل رسالتك ورسالتي لكن الحقيقة أشد قسوة منا نحاول تجميلها .

السابق
القصيدة
التالي
صمود

اترك تعليقاً