القصة القصيرة جدا

هجومٌ مُفاجئ

لقد تم القبض على الفالت من يديْ اَلعدالة عند الساعة السادسة صباحا و4 دقائق…يلبس قميصا أبيض بأزرار سوداء…نصْف كُم …

قمت من النّوم مفزوعا، وجدُتني أقف اللّحظة على قوامي العطشان لساعةٍ أخرى من الرّاحة.
كانت أصواتا لم أتبيّن خرْخشَتها…نظرْت من النافذة علّني أتيقّن أن الخرخشة آتية من الجار الذي ينام باكرا ليوقظني باكرا عندما يبدأ بقَصّ الطّفيليات العالقة بشجيرات الورود التي زرعها بحديقته …أو علّني أتأكد أنني لا أحلم !
رأيت رجلا بثياب حربية، تفرّق على يمينه وشماله آخرون من نفس الفصيلة…وجوههم ملثّمة وفي أيديهم بنادقَ أتوماتيكية…
هرعْت أختبئ تحت السرير كي أفلت من هجومهم…
هيهات، لقد رفعوهُ بلَمحة بصر وكبّلوا مِعصميَّ بقلائد من حديد.
قبضوا عليّ كما يُقبَض كبش العيد وهُم يزغردون كلاما لم أستوعب الاّ المعانيَ منه.
(لقد تم القبض على الفالت من يديْ اَلعدالة عند الساعة السادسة صباحا و4 دقائق…يلبس قميصا أبيض بأزرار سوداء…نصْف كُم …)
ولهي ! سؤال يحيّرني ولا أملك إلا ثوانيَ لأرد عليه وسط الزّحام :
مذا اقترفت من جرم عظيم؟
أمسك بي اثنان من الجنود…كملائكة الرحمان…وجروا بي دفعا الى الأمام…كانت جنباتهم تلطم كلّ ما يعترض طريقهم فيصدّوها كما تَصد المياه أجراف النهر الهارية.
اِلتحفت الصمت والذّهول، والخوف يسكنُني برفق داكن.
لا يجب أن أقاومَهم…كذلك تعلّمت من الأفلام البوليسية (لِأجاتا كريستي)… ففي مقاومتهم إعلان عن انهزام عاجل وضربة قاضية مميتة.
اِستسلمت لهم كما تستسلم الرّموش لعاصفة رملية وقلت : لاجدال…
قدَّر الله وما شاء فعل!
اِصطحبوني إلى سيارة سوداء قاتمة، ثم أجلسوني فوق كنبة خشبية باردة، نظرت الى وجوههم فلم أتبين إلا أعين صامتة بألوان قُزح، إلتزمت الصمت الحاذق بجنباتي المرتعدة، تسري بعروقها حمى ساخنة..بل باردة…لا دافئة ؟
كنت أنتظر أن يغمضوا عينَي كما في مسلسلات تُحجز فيها الرهائن حتى لا أعلم مطيّتهم…لم يفعلوا ذلك !
إرتخيت على الكنبة أسترجع ما يمكن استرجاعه من تخمينات لفصل حدث فاتني…قد يكون السبب في هذا الهجوم المفاجئ.
بدأت أحفر الأسباب في رأسي وأنثرها أمامي وأفتش عن الإبرة داخل هذا الكمّ الهائل من الإستنتاجات العقيمة التي لم تُرْسِني على برّ النجاة من مخالب هؤلاء :
قد يكون الجار العجوز من رفع دعوة قضائية ضدي ؟ أتحسّبُ ذلك منه !
إنه لئيم ويكرهني، فأنا لا أرد على تحيّته…
لا !
أظنها صاحبة المطعم المجاور…لا زالت تنتظر منذ سنة تسديد فاتورة لم أرض بتسديدها بعدما التهمت طعامها بحجّة أنه لم يعجبني ؟
لا !
لربّما تكون طليقتي ؟ نعم إنها هي ! أشربتها الويلات بعد خروجها من البيت…لم يكن عليها الإنسحاب من حياتي…أنا من يقرّر !
لا ! لا ! لا أدري كيف وصلت إلى هذا الدرب المغلق…
على كلّ حال لن يفيدني التخمين والطرح والضرب فهؤلاء لن يقبلوا أية مبررات لارتكاب الجريمة مهما كانت الاسباب والدوافع
وقفت بنا الحافلة وأنزلوني كحزمة دقيق وجروا بي إلى مكتبهم…وأجلسوني على كرسي قُبال محقّق بلباسٍ مدنِي ليسألني :
هل تعلم لمذا أنت هنا ؟
أجبته وانا أنظر للخلاء يحتوي دهْشتي :
لا
تفحص أوراقه وأخد من الزّمن عدة لحظات ليدقّق في حروف وسطور فأضاف :
لقد بعثنا لك ببلاغ نذكّرك فيه أن شهادة حسن السيرة والسّلوك جاهزة للإستلام…

أخدت البطاقة منه واْنصرفت وفي نيّتي العودة إليهم بدبابات وقنابل لردّ الهجوم…

السابق
قراءة في يوميات الوجع لعمار بلحسن
التالي
حوارٌ

اترك تعليقاً