الخاطرة الطويلة

هذا البطل في هذا الوطن

قالوا قريبا سيفرح قلب ” اللات ” .. وستشرق شمس غبغب الخيرات .. و ستتدفق أنهار الهدايا و القرابين و العطايا، وستحل بركة لحوم الأرجاس.. وستتعفن كمثرى الكلام في غياهب الصمت وستكسر الأجبنة سيوفها في ساحة بيعة العراء ..
وقالوا .. ألجمنا حناجر الأحرار، وأغلقنا أبواب الأرض في وجه السماء، و شمعنا ممرات البشائر والمسرات، وشغلنا العقول بداء الشك و الغم و الفراغ، وبلينا البطون بهستيريا الضورة والغلاء، وسطونا على فراقد الآماني والآمال، وهشمنا ظهر الأفق الأبيض بمجانيق الدهر الأسود، وفتحنا مواخير الهتر والعته والدجل، وعربدنا على أجثاث الأفراح، و أيقظنا جمر ذاكرة المآسي والجراح، وغرزنا حراب أحقادنا في أحداق الصباح، ورفعنا رايات تغطرسنا مكان راية البلاد، ووقعنا على شهادة وفاة النخوة و الوفاء، واستعنا بدهاء الذئاب ومكر الضباع وغليل الحرابي لتفريق شمل القطيع وأكل حقوق الخرفان والغزلان والثيران، وجازينا لعاب كلاب الزندقة والغش والخيانة والنفاق، ومجدنا مهنة النباح وأفرطنا في نشر ذباب النقمة و بق المهانة وزنابير التفاهة، وقزمنا مفهوم الوطنية و عظمنا من شأن الجملكية.
قالوا عنه طفل صغير لا يكبر، يركض في فيافي التعب حافي القدمين طمعا في شطيرة، تجلده سياط الضنى، يتوقف ليستأنس بدمى أحلامه ، تارة يخبئها في خزائن صدره، تارة أخرى في سدف رمال الهاجرة ..
وقالوا عنه شقي لا يستطيع أن يكبر، أظافره القصيرة غير قادرة على تكسير قشرة بيضة الخوف وعقله الرخو لا يقوى على فك شفار الدوائر المغلقة ..
وقالوا عنه ربيب عنق زجاجة كاسرة، ضعيف القلب، فاقد البصر، طليس البصيرة، يلهث من شدة ملوحة أسئلة الضيق، يصفر الضجر في أذنيه، فتصعد الأقفاص الصدئة إلى صدره لتخنق أجنحة عصافيره المشدودة إلى أقواس أضلاعه اليابسة ..
وقالوا عنه لغز العقبة الوعرة، حدبة القر على ظهر الليل، تثاؤب مدخنة القيظ، وجبروت جعجعة طواحين القحط .. يغطي أقبية جراحه بسعوف الوحشة، ويغرس نبال شكوكه في خاصرة رياح سافرة، ويرى الحياة أسوارا شاهقة، ويرى نفسه فجوة ملعونة في بلغم صاعقــة ..
لكن لا أحد كان يتصور بأن هذا الطفل الهش سيمزق شرنقة الخوف، ويخرج إلى شوارع الرفض كما يخرج الرصاص الساخن من فوهات بنادق الصمت، دون إراقة قطرة دم واحدة !! .. لوحده عرف كيف يبعد أرجل الظلام عن سواعد الشمس، وأظافر الغموض المعقوفة عن فسيفساء أحلام الأرض، وأنياب الطمع عن ضروع بقرات الوطن الحلوب، ولوحده حمى غيمة ظله الطويل من لسعات زنازين الغبائن، ولوحده دافع عن أوتاد خيمة قراراته و صفصاف حريته من لهاب نيران محارق الشراسة، و لوحده حرر البحر من سلطان قوارب الموت، ولوحده فك طلاسم سنين الغصب والجبر والقسر والجو، و لوحده غسل أردية عزيمته في بحيرات المطر، ولوحده جمع الفصول الأربعة في فصل فبراير، ولوحده زرع عناقيد الماء في أصائص المحبة، ولو حده كسر غطرفة النقاط وتكبر الفواصل وزهو عكاكيز التعجب والاستفهام التي كانت تعيق وصوله إلى ردهات الغضب، ولوحده كلم أنبياء الضوء المتهجدين في فوانيس المبتغى الخاشعين في سجدات التبصر، ولوحده أمسك برأس خيط الجسر وبكل خيوط بيلسان الرجاء، ولوحده أقنع الشمال أنه لا شمال إلا بهيبة الجنوب ، و أقنع الجنوب أنه لا جنوب إلا بحكمة الشمال، وأقنع الشرق أنه لا شرق إلا بعزة الغرب، وأقنع الغرب أنه لا غرب إلا بمجد الشرق، ولوحده وحد حكمة الشمال وهيبة الجنوب وعزة الغرب و مجد الشرق، ولوحده ترجم نظرات الغلول الغدر، ولوحده قاتل أحقاد اللئام بسحر هديل الحمام، ولوحده فتح بوابة السماء بمفتاح صرخته المدوية، ولوحده نزع أشواك دسائس ومكائد الإعوجاجيين بورود السلمية ، ولوحده حمل هوادج أوجاعه على ظهر مسيرات مليونية، و لوحده كسر أوثان الشوفينية و أنصاب المظهرية وأصنام الأوليغارشية و تماثيل السادية، و لوحده كشف طقوس كهنة معابد الدخان وأباطيل عبدة شيطان الهيلمان، ولوحده فضح أوكار تجار صكوك الصعود إلى فراديس الرياش و الثراء .
رمى به قدر المشقة في أعماق بئر الصبر ، فتغطرست نظرتهم السوداء له على أنه ” طفل صغير لا يكبر .. ” ، فقرر أن يتوقف عن النظر إلى وجهه في مرايا الفخار، ومن الاحتراق بلظى الشظف والمرارة، ومن أكل فحم البلايا و حصيات الشدات، ومن اجترار ثرثرة الفاقة وتبرم البأساء والخيبات، واستنشاق رماد علة اليأس والإخفاق، ومرافقة العسر والضراء، ومجالسة الغفلة و الوهم والشؤم والإملاق، ورفع سناجق الهزيمة والإحباط …
لا أحد تجرأ على الاقتراب من عرين هذا الأسد الجريح .. أو محاولة مقايضة لهيب جمره مقابل صفقة تجود عليه بالورق الأخضر أوبالورق الرمادي والبنفسجي والأحمر، أو بالذهب الأصفر .. لأنه حر كالنسور في أعالي الجبال، وحر كخرير الماء في مجاري الوديان، وحر كهدير الموج في عرض البحار والمحيطات، وحر كتسابيح الحمد في خلوات الأتقياء، وحر كالسوابح الطليقة في الفلوات، وحر كخطب رش بنادق الشرفاء، وحر كأبراج اليقين في وصائد السماء، وحر كالطين في سريرة الإنس وحر كالنار في بطانة الجان، وحر كبريد الياسمين للعشاق، وحر كحديث الخلد للمجد، وحر كأشعار الوطن في ذاكرة البسطاء، وحر كوميض الأبدية المنبعث من أجبنة البطولات المرفوعة الرأس، وحر كعطر وردة الحياة، و حر كمواعيد قطار الموت، وحر كالمسافة القصيرة بين خريدة النخوة ويواقيت الهتاف، وحر كأقاصيص نوار البياض، وحر كخيال الشمس في سرادقات النهار، وحركضفتي بحيرة رؤية تتبادلان آخر الأخبار، وحر كمواويل الحنين في رقصة الغجر، وحر كعنفوان الخيل وكبرياء النخيل في أهازيج المطر ..
بعد عشرين سنة من تعاطي أفيون الأناة والجلادة والصبر والدوران حول بيضة الشك و انتظار بزوغ الشمس من أخراب العجز قرر أن يتخلص من حبسة الصمت وعلق الحيرة و ثآليل الهواجس وأورام الوساوس .. واختار أرض وسماء وهواء وماء و ضياء الجمع ليبعث من رماد أوجاعه كطائر العنقاء .. واختار أن يزين شوارعها وطرقاتها وأرصفتها وجدران بناياتها بميموزا المحبة وبجلنار الرقي وبزنابق البهاء وبرسائل حمائم السلام وبسحر فراشات الرونق والبهار ..
– الجمعة الأولى، استيقظ الوطن من تخدير لطمة الموت على وقع خلاخيل مسيرات الحياة، فمزق حبال العضيهة و الضلالة و أزاح اللثام عن تجاعيد الأحابيل ، وطن نخروا عظامه ليستقيم خط الطريق الأعوج، ورقصوا على جثته حتى يعلو شأن أرباب الدجل، وأكلوا من صحن الوضيمة حتى ترضى عنهم الطبول القرعاء وسجدوا لغيلان الرعونة حتى يمر موكب الحمل الكاذب .. أخيرا لم يعد عطار المكر قادرا على إصلاح ما أفسدته مخالب البهتان .. صيحة الشعب حاصرت أسياد الهمرجان، أباطرة إمبراطورية العفن، أسياد مستنقع الخلاعة والسفاهة، يا للعجب مسوخ بشرية، تتنفس هواء الفساد، و تأكل من لحم الفساد، وتتكلم باسم الفساد، و توقع محاضر افتراءاتها بأقلام الفساد، وتحلم بإعادة بناء ديكتاتورية جديدة لزبانية الفساد، وتدافع بألسنة الفساد عن ماضي أراجيف معبد ” أمون ” وعن مستقبل كهنة هيكل الغيهبان ..
لم يعد هناك أدنى شك بأن سلطة الشعب قد قصمت رماح اللغو و الغموض وأن الأحرار قد أعلنوها سلمية وسلمية حتى انبلاج صبح الحق ..
– الجمعة الثانية، ساعة الوطن بتوقيت الحلم الجديد، حضرت / جميلة بوحيرد/ ، حضر الورد وحضرت شمس الأمل التي أعادت بعث دماء الأماني في عروق فخامة الشعب ، الراية خفاقة، والطريق إلى المبتغى طويل .. طويل ذاب الثلج المستبد فانكشفت عورة المرج، الخوف ينحني لكماشة إرادة الشعب التي راحت تنتزع المسمارالأخير المغروز في ظهر الوطن، تحررت الحناجر من سيوف البغضاء ومن خناجر الشحناء ومن نبال الكراهية ومن سياط المعاداة .. وعلا شأن سلطان صوت هذا الطائر الخرافي الذي كسر أصفاد عبوديته بقبضة الحراك ورفض أن يلطخ عباءة رفضه بدماء الغضب الأجاج ..
لا أحد يستطيع أن ينكرأن قصة هذه القيامة كتبت بأحرف من روح الفيروزج والياقوت و اليشب، وأن تغاريد المسيرات قد بلغت حتى مسامع السماكان الرامح والأعزل .. وأنها سلمية اليوم وفي كل يوم .. حتى يأتلق فجر حراك الشرفاء ويسطع نجم الحقيقة المفقودة !!.
– الجمعة الثالثة، أمواج الحرية تدمر جحور أفاعي الأنانية و أبراج الأبوية ودعائم حصون الديكتاتورية.. الشعب يتعافى من عضات أنياب تنانين السنين العجاف .. وحتى آخر رمق فبراير معجزة الانتصار على أفوك الطنجرة الفارغة و الخروج من الممر الضيق وتشميع مدافن الفجائع و الأسى بالشمع الأحمر ومواجهة تعنت الدولة العميقة ..
لقد حان لليل الجور أن ينجلي.. أمام ثبات مسيرات ترتوي من ماء الأمل وهي تعلم علم اليقين أنه قريبا سيستقيم الظل رغما عن أنف العود الأعوج ..
– الجمعة الرابعة، في ردهة بداية النهاية استمتع الشعب برقصة الديك المذبوح !!.. ، وأشعلت أصابع صلواته شموع الولاء لجلالة الحقيقة التي استعادت هالة مجدها و عصى سلطان هيبتها، والتف حول دفء السلمية وراح يحلم بحياة جديدة خارج قضبان أقفاص المآسي و المهازل و الجراح وهو يعلم أنه يحق لمن ضرب على الحديد وهو ساخن أن يحتفل بالرياح التي ستجري بما تشتهي به سفن التطلعات ..
– الجمعة الخامسة، فشلت كل محاولات تكسير ألواح العهد القديم ، أو اختراق أساطيل أخوة جيشعب ، أخوة من أب واحد وأم واحدة ، لها رب واحد وجسد واحد وروح واحدة وعقيدة واحدة وعلم واحد و وطن واحد وجذور واحدة و انتماء واحد وجرح واحد و وجع واحد و منطلق واحد وشعارواحد وعدو واحد وقسم واحد وهدف واحد .. فهل يتجرأ أبناء أوى على تشتيت وحدة الصف وتدنيس طهارة هذا العرق وهل تقوى تأخيذ أبالسة الدسائس على النيل من هذا الأصل الطيب .. جيشعب حتى الموت .. جيشعب ” خاوة خاوة”.
– الجمعة السادسة، ارحلوا يا من سرقتم قبلة الخير من حقول القمح، وأطفأتم لهيب شعلة الأمل في قتامة جليد اليأس، وغدرتم برمان الهناء وبأغاني قبرات الحياة المنبعثة من خمائل الأمان، وأوقدتم نيران أحقادكم في بشائر الريحان وفي مسرات الأقحوان وفي جلاجل البهجة بشرفات الأعياد، وكسرتم بخاطر تيجان نعمة وصحة الأبرياء، واختلستم ذهب الثقة ولآليء السكينة ونضارة الأيام و صبر السنين، ودستم بجزم غطرستكم على أصابع كمنجات الأفراح .. وبعتم وثاق ذممكم، وأسرار خرائط دياركم، وقدسية عهودكم، وخطب وعودكم، وبعتم حتى مفاتيح بيت أمكم وحرمة الماء بآبار أراضي أبائكم و أجدادكم و تبرعتم ببركات البترول و الغاز لأعدائكم، وغيرتم ألقابكم وعناوين إقامتكم، وتنكرتم لزيتونة هويتكم ولخيزرانة انتماءاتكم، وأنكرتم أنكم صناع مجد آفة الفقر والقحط و/ الحراقة /، وأنكم غيرتم لون جلدكم ليرضى عنكم أسيادكم، و تسلطتم على رقاب المال وعلى عراقيب العباد وحللتم جريمة اغتيال أحلام الإنسان برصاص التجاهل و النسيان ..
لم يبق أمامكم يا رعاة كرنفال الضياع إلا أن تحزموا أمتعتكم و تحرروا رئتي الهواء من سموم ترهاتكم .. وتنفذوا صيحات الحراك.. عندما سيلتقي بكم ميزان العدالة ستشهد ألسنتكم وأياديكم وأناملكم وعيونكم وأرجلكم وبطونكم أن ضمائركم الميتة هي من صنعت فرعون الفساد، وأن الوطن بالنسبة لكم يزن مقدار بقرة حلوب تدر عليكم أرباحا هائلة وثروة لا تنتهي.. يوما ما سنلتقي لنشهد أنكم سبب الخراب يومها سيكون القرار لميزان العدل والحق..
– الجمعة السابعة، الحراك طائر حر لا يقبل المساومة أو المقايضة أو التنازل على حريته، وأفاعي الفتنة جربت كل الطرق كي تفرق وحدة الصف، الجزائرهي إباء القبايلي، و شهامة النايلي، ومروءة العربي، واعتزاز المزابي، ونخوة الشاوي، وترفع التارقي توحدوا في ساحة الحراك ليواجهوا بسلاح الرفض والسلمية أعداء أحلامهم وأحلام أبنائهم ، الذين خانوا وصية ” العربي بن مهيدي “و” مصطفى بن بولعيد ” والعقيد ” عميروش “و” ديدوش مراد ” و” سي الحواس “، وتربعوا على عرش الأكاذيب، وأقاموا دولة هشة على أرضية الفساد سقفها الرياء و جدرانها الخبث وواجهاتها القبح ، حوطوها بكلاب الاحتيال والغش والدهاء و بكلاليب الغموض والشبهات والدخان، وشوهواوجه الجزائر بسياط التجبر والعنجهية وجعلوا منها مقبرة كبيرة تدفن بها ورود الصفاء، وزهور ريعان الشباب، وفصول التفاؤل والرفاه، و ذاكرة أسماء الذين كانت ترهبهم و تقض مضاجعهم وتقف لهم بالمرصاد.. فلا مكان لمن بايع أبالسة البغي والهيمنة، ولا مجد لمن تدنس بنجاسة الخزي و العار، ولا عهد لغلول لئيم، لا عينه الجشعة تشبع، ولا نار لسانه تتعفف، ولا نفسه الأمارة بالسوء تزهد، ولا يده الطماعة تترفع، ولا أمان في من غرس سكين الغدر في ظهر الجيش، ولا حجة لمن صعد على أكتاف الشعب، ولا توبة لأنياب الأفاعي السامة، ولا مكان لأبوام السواد في فسيفساء الوضوح الناصعة البياض ..
كل الرسائل التي كتبت بحبر الحراك وأرسلت من قلب شارع الرفض، رسائل لم تخطيء عناوين قناصي أعراس وبشائر الوطن، ومصاصي دماء أمنياته .. بهاء الحراك في وحدته ، و وقار الحراك في صفاء سريرته، و صرامة الحراك في حريته .
– الجمعة الثامنة، لا أعذار لمن مسخوا الشعب إلى قطيع من الخرفان و الأغنام، ولا أحلام لهم إلا كيف يحتالون على أسنان مناشير الجوع وكيف يؤمنون لبطونهم الفارغة وبطون أولادهم الناقمة قوت اليوم، يسكتون نعيق الطوى بخبز الشقاء المر وبقطرات ماء الصبر، يقتلهم نحيب ضجر الوقت وأنين طاحونة الغم في الزرائب المعفرة بالأتربة والأوحال، ذاقوا فيها كل أنواع المذلة والمهانة والحرمان .. لا صلة تربطهم بمدينة الحياة وصخبها، يغلقون بأقفالهم الصدئة على مناجاتهم المذبوحة، ينكرونهم في الصمت والعلن، ويتطاولون على رميمهم البالي، ولا يستعملونهم حتى في جملة عابرة، ولا يمسحون غبار الكرب عن نظراتهم العميقة، ولا تتذكرهم غير أسوار النسيان القاتمة، ولا أمل لتلك الوجوه التي هرمت وترهلت من ركوب موجة الحراك العاتية، لقد اشتد عود صيحة الرفض وخرج الشعب من حلق الضيق وانفرد بتأدية دور البطولة، فلا منافس لهذا البطل الذي اكتوى بنيران جحيم المعاناة على أيادي زبانية الجوروالغلظة والفظاظة، وها هو اليوم يجر عربات التغيير الضخمة كي يخلص صدر الوطن من سعال صخرة الهموم الثقيلة، ويحرر ظهره من علل قوقعة الدجنة الخشنة، ويكسر مداخن الألغاز الواقفة كعظام التراق في مسارط المسيرات ..
لقد حان لمن قهروه أن يشربوا من نفس الكأس التي شرب منها، تذبحهم في كل ثانية أمواس الشعور باقتراب موعد غروب شمس إمبراطوريتهم المشيدة على جماجم الأبرياء، وتضيق قضبان الليل على أبدان حيلهم المتوحشة، وتفر منهم نعمة السكينة والطمأنينة، حصاد أفعالهم المشينة سيدمي أياديهم الملوثة بآثام الفساد التي زرعت بذور الهلاك وألغام الخراب في كل شبر بأرض الجزائر ..
– الجمعة التاسعة، لا أحد يستطيع أن يمنعنا من أن نحلم بجزائر أفضل، جزائر بلا أحقاد ولا أمراض ولا سجون ولا قيود ولا وجوه قديمة شاحبة، ولا أوثان تمجد مستنقع الفساد ، ولا يمكن لهواة الاصطياد في البرك العكرة العودة إلى واجهة الأحداث بمسميات جديدة ، ومهما تلونت حرابي فرنسا ومهما اسود سم كيدها نبوغ ونجابة وحصافة الجزائر لها بالمرصاد، فمن فشلت في إخماد لهيب غضب أصاحب السترات الصفراء لا يحق لها أن تدلي برأيها فيما يحدث في الشارع الجزائري، حتى من باب خوفها الكبير على مستقبل دلالها ورفاهيتها في الجزائر لأنها لا تريد أن تبرد في الشتاء أو تخسر ود أحبابها الأوفياء لأجندة مخططاتها، عاجلا أم آجلا سيكتشف العالم حقيقة فرنسا التي صنعتها خساستها وسفالتها زاعمة أنها من الدول التي ترعى حقوق الإنسان وحتى حقوق القردة والزواحف و الأرانب والفئران والجرذان متناسية جرائمها الفاحشة بأرض الجزائر خلال سنوات الجمر و النار، وأن مزاعمها كقوة إقتصادية لا يضاهيها شيء، شيدت على حساب عرق الكادحين الذين أوهموهم بأن ينابيع خيرات بلادهم قد جفت عن آخرها وأن كل الأبواب قد أغلقت في وجوههم، ولم يبق لهم سوى الأكل من قصاع الجمرات أو ركوب ظهر البحار والمحيطات أو الموت في دياجي بواد المحن وغرابيب القفار، رعناء البحر المتوسط تجيد تسلق سلالم التملق لكسب كرسي في الصفوف الأمامية، متجاهلة فضائح ثعاليب قصرها الذين يبتاعون بذلات سموكينغ و أقمصة ” جوتشي ” ورابطات العنق ” أرماني ” من أرباح الصفقات و المعاملات المشبوهة المبرمة في أقبية المخاتلة والمراوغة باسم الجزائر، ليتواصل مسلسل مص دم وحليب البقرة الحلوب .. فهل حقا استغربنا عداء عاهرة الغرب للمؤسسة العسكرية التي ينتسب إليها خيرة أبناء هذا الوطن من أفراد الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، أكنا ننتظر أن تصفق فرنسا لمن حافظ على حياة الجزائريين الذين رفعوا رايات الرفض في ساحات الحراك و حمى أمنهم و سلامتهم .. ولم يسمح بإراقة قطرة دم واحدة فخيب ظن الديناصورات والتماسيح الجائعة والكلاب النابحة .. عين العداوة القديمة لم يغمض لها جفن لتستيقظ .. إنها في حالة تأهب قصوى للانقضاض على إرادة الشارع ، وكل ما يهدد مصالح فرنسا بالجزائر .. تتفنن فرنسا في الرد عليه .. فجيشعب خاوة خاوة وصدر الشعب فداء لحياة الجيش وصدر الجيش فداء لقلب الأرض ولطهارة العرض ولحرية الحراك .
– الجمعة العاشرة، الحراك يتنفس الصعداء، أخرجت العدالة يدها من جيب جبتها السوداء وقرعت أجراس المحاسبة .. الفساد مارد ضخم التهم الأخضر و اليابس وداس بأقدامه العملاقة على تقاسيم وجه الجزائر الجميل الذي كنا نفتخر بحسنه ونضارته ،.. سيتغلغل القضاة في خفايا و أسرار ملفاته الثقيلة ليكتب التاريخ عن هذه المرحلة الصعبة التي اتضحت فيها حقائق كثيرة أمرها مكوثنا طويلا كأهل الكهف داخل بالون الكذبة الكبيرة، ومعيشتنا المقرفة على رغيف الغفلة وعلى كأس البلاهة .. هل العلة فيهم أم فينا ؟ ، كنا نراهم كبار هذا لأننا كنا ساجدين لترهاتهم وأطماعهم وساديتهم ومسرحياتهم .. ، فهل نحن من صنعنا هذه المخلوقات العجيبة التي داست على أصابع رغباتنا و تطلعاتها بعجلات سياراتهم الفخمة .. وكنا بكل غباوة نصفق على قرارات نهش لحم أحلامنا و تفريغ عروق دمائنا من بلاسم الأمل وترياقات العزيمة، وحرق جلدنا بروح ملح الهزيمة.. و نهش بعصا بلادتنا عواسج الضباب التي كانت تحجب عنهم ضياء الظهور.. سيحاول المارد اللاحم أن يخفي دلائل جرائمه ليتقمص دور الضحية ، وستحاول جهات دخيلة متطفلة التدخل لحماية هذه الكائنات الفاسدة ضمانا لاستمرارية هذه الأرهاط في حاضر ومستقبل الجزائر كي لا تحرم من قسمة الشهد والعسل كحق كسبته بالنصب و التماكر والتحايل .
العدالة التي قيل عنها قديما أنها جليلة عمياء، هي نفسها العدالة التي ستقطع رؤوس حرباء هذا الفساد الملتبس ، لن تلتفت إلى العواطف ، ولن يضعفها أنين التوسلات، ولن تتنكر لصدق مرآة الحقيقة، ولن تسد أذنيها عن سماع أهات الوطن المجروح .. بل ستطبق قانون أجدادها لتحقق العدل المنشود دون النظر إلى قبضة نفوذ هذا أو صولة ذاك ..
– الجمعة الحادية عشرة،استعان الحراكيون في رسم لوحاتهم المدهشة على جدران ساحتي البريد المركزي و” موريس أودان ” ونفق ” غار حراك ” بألوان الصدق والجسارة والحرية، وعكس رقي هذه اللوحات مستوى نضوج و نباهة ووعي الجزائري الذي أخرج عظامه البالية من مدافن النسيان ونفخ فيها من روح الحراك .. وبرهن الحراكي لأرباب الفساد أنه الفينيق الأسطوري الذي بعث من رماد الإخفاقات والخيبات، لا يمل ولا يتعب ولا ينسى ولا يستسلم ولا يتراجع، لا يمل من الإمساك بجلابيب جمعات الطهر والخروج إلى شارع الرفض وفي يده حمائم شعاراته الواضحة، ولا يتعب من مناظرة نظرتهم القديمة له على أنه طفل صغير أهوج لا يكب، ولا ينسى موقفهم منه على أنه مجرد جعل بشري مقلوب على ظهره تكبله سلاسل العجز وتحنيه رياح الخور وترهقه صخرة سيزيف الملعونة، ولا يستسلم لطغيان اليأس ولافتراءات دعاة البأس، ولقوانين غاباتهم الجارحة، ولا يتراجع عن الطريق الذي يسلكه كي يبلغ الضوء الذي سيبزغ من نجم رؤية الوطن المتحرر من فتنة دراويش السياسية ومن سحر مخابيل الكياسة ومن أشراك عصابة النهب وسماسرة السلب ومرتزقة الابتزاز، هواة اقتلاع شجرة الأخوة من جذورها وتسميم بئر البلاد بسموم الإحنة والشحناء واستبدال تاريخ الأبطال بقصص قصيرة، وتقسيم اسم الجزائر إلى حصص صغيرة تنتهي بعودة ليل الرق وذل العبودية و سلاطين الاستعمار ..
– الجمعة الثانية عشرة، سارت المسيرات الصائمة عارية الرأس حافية القدمين تلفحها حمارة القيظ، لم يثن عزيمتها وخز إبرالجوع ولا لهيب رمضاء العطش وهي تردد شعارات الاحتجاج والاستنكار لإسقاط أوتاد فم الفساد .. جمعة أخرى برهنت على أن سلطة الشعب استعادت مفاتيح شوارع الرفض وكسرت ظهر رياح المجانة و البذاءة والخطر، وعجلت بإطلاق سراح صفير نسر الحقيقة وإلقاء القبض على مهندسي سلطنة العصابة .. كان لابد أن يحدث كل هذا حتى نكتشف هشاشة البيت الذي يأوينا وقسوة ربه علينا وعلى أمنا المسكينة ونذالة أصحابه الأطمال وهم يحومون حولنا لإخافة شعلة الأمل المتقدة فينا، وكان لابد من تكبير الصور الصغيرة لقطارات سنين الفسالة والخسة وسكك السفالة والخساسة لرؤية بشاعة فضائح أنصار المداهنة والخزي والعار، والنبش في أوراق الآثام القديمة لتعرية العلاقات المشبوهة بين شياطين الصولة والسلطة، وأبالسة الزعامة والمال، وملاعين الشره والمصالح، وعفاريت المنافع والنهم.
كل صرخة خرجت من مغاور حناجر فرسان الحراك، وكل زفرة كانت محبوسة في محاجر أنفاسهم، وكل دعاء نطقت به عصافير ألسنتهم، كتب عمرا جديدا للجزائر التي مزقت كفن الجليد وأحرقت ذكريات النحيب وطلعت من قبر الليل على وقع زغاريد جياد الجليل ، ومواويل نوارس الجود، وأهازيج ربابات الجفجف والبليل، وامتطت صهوات أفراس الحرية على مرأى ضياء نجم الكف الخصيب.
الجمعة الرمضانية رسالة ربانية لنظام دميم يسبح في هلامية عجائبية، يفكر بلغة ميتة ويتكلم بلكنة مدهشة، ويكتب بلهجة زئبقية خبيثة، ويعقب بإشارات ركيكة، يقترح الحلول الوهمية ويسكن الأبراج العاجية ، ولا يهمه إن كان يستمع إلى ولولة طبول غربان النوازل والبلايا أم إلى زقزقات حساسين الرغد والفرح أم إلى زهزقات دفوف الزهم والترح أو إلى زهازج جان الهوس و الخرف.
– الجمعة الثالثة عشرة، لا لشق عصا طاعة الحراك، ولا للمشي خلف طنين ذباب الكذب والافتراء، ولا لتصديق زيزيم زنابير الفتنة، ولا للسقوط في فخاخ وشيش أفاعي الفزع والرهبة، ولا لتشتيت وحدة الصف، ولا للخروج من جنة الحلم القديم، ولا لتقسيم خريطة الانتماء، ولا لتغيير راية البلاد، ولا للتطاول على نشيد الجبال، ولا لتخوين من صانوا ميثاق العهد وناصروا مسيرات الرفض بدون إراقة قطرة دم واحدة، ولا للتموقع في ممرات المصالح الضيقة، ولا للتخلي على أمل الخروج من قبضة دمس المشقة وبراثن الأوحال، ولا لزعزعة عرش العزم و الشكيمة، ولا لتعطيل عقارب ساعة ميدان التغيير، ولا لتأجيل ميلاد جمهورية تعانق سماء السلام و الحرية، ولا لغيظ وكيد التشكيكيين، ولا لتكسير جسر الحماسة و الجسارة والثقة، ولا لتدعيم جعجعة طواحين الخواء، ولا لتأييد كل ما تقوله سنابك الريح لأنياب الظلام، ولا لمصافحة الأيادي المخضبة بعرق الخطايا والآثام، ولا لمصاحبة الأصوات الطالعة من حناجر خناجر الأحقاد والعداوة والضغناء، ولا ـ وألف لاـ ولا لتمزيق الحبل السري الذي يصل أخوة جيشعب بمشيمة رحم الوطن، ولا لدسيسة فصل رأس مبدأ الجزائري هو العربي والشاوي و النايلي و القبايلي والتارقي والمزابي عن جسد حقيقة كلنا من أجل جزائر بلا قضبان دياجير نظام الفساد الآبد.. جزائر تسع كل بساتين و بيادر أحلام أبنائها وكل كنوز ثقافات جهاتها الأربع ..
– الجمعة الرابعة عشرة، ليس لنا إلا حبها الكبير يجمعنا تحت عهد جناحيه ليبعد عنا لسعات سعير هاجرة اليتم ووغرة التشتت ولهبان أصفاد القسوة، ولها محارب قلوبنا تحتمي في دفء صلوات حبنا من لدغات صر الغلوليين وعضات فكوك الماكرين ودهاء نشاب الانتهازيين ، يتدفق ربيع صافات حسنها، ومسك أنفاس عفتها، و نعومة مخمل روحها، و تغاريد كنانير فراديس ذاكرتها، و أريج أوركيد دمها، و وميض لآليء مبسمها، ونشيد سموق نخيل عزتها في عروق ثورة الابتسامة، تبارك ابتهالات فراشات الأمل و بواشق الرفض والحرية وتراتيل الأرض لأهاليل السماء الثامنة، تكنس بمكانس الفرقدين حجرات الفجر وأفنية الشمس، و تلمع زجاج شبابيك الضوء، وتفتح بوابات قلاع الهواء، وتحمس قطعان أحصنة الصباح، و تفرش سجاجيد الساحات، و تزبرج راية البلاد بسنا الفيروزج و بنور العقيق وببريق الزمرد واليشب، وتدفع مع الحراكيين عجلات عربات الحراك لإطاحة أسوار سلطان المذلة والإذعان ، ولتهشيم غرور جليد شوارع الصمت و الوجوم ، و لاختراق عجرفة حواجز إمارات الارتياع والفزع .

لم يعد هناك أي مكان يتحمل حماقة مراجيح السذاجة، وهوج ثرثرة مزامير الحجايا، وخبل أهواء رمل اللهو و السهو و المزاح و النسيان، وبهرج مسرح الهزل والتنفيس و الترف، لقد كبر طفل الفجائع والحوائن والمحن فشلح لثام الأكاذيب عن وجه طنجرة الوعود الفارغة، وبتر أذرع طواحين الأوهام وداس وهو في طريقة إلى ساحات الحراك على جراد الخوف، وذباب القلق وصراصير الشك و الهواجس.
في الشارع المفتوح على قبلة الإنعتاق والحرية تعلم ربيب سياط الحرائق كيف يواجه فظاظة أغلال سنين الشدائد والضنك وآثار جراح كلاليب الضيوم والضيق، وكيف يزرع شتول صبره في فدافد القنوط، وكيف يسخر العواصف والرياح بما تشتهي سفائن أحلامه، وكيف يحفر بأزاميل إرادته خطب صرخاته، وكيف يعيد لعرش الأرض تاج الماء وصولجان السماء وذهب الشمس ومرجان البحار وسيوف الجبال، ومآذن النجوم ومفاتح الأبراج، وصوان الأنهار وصهيل الخيول في براري الفراسة، و أتراس فرسان الأصالة ، و كبرياء زيتون الانتماء و نخيل العلو والعزة ..
ربيب شهقة البعث في آيات الفينيق عرف كيف يمسك بقرون ثيران حنقه وغضبه، وبجذوات سخطه وكمده، وبلظى جوعه، وبجمرات عطشه، و بحبال ذكريات غصاته وغمه ومناوحه، فلم يسمح لأي أحد أن يقترب من مدينة أشجانه أو ترجمة كتاب أتراحه وأوجاعه، أو نشر بيانات مواقفه ورسائل عناده وصموده، وأخرج من كنائن صمته نبال صيحاته وهو يعلم أن للحقيقة وجه واحد و للجبناء أقنعة كثيرة قذرة.. وأن معركته الكبيرة ضد من سجنوه في زنازين الأسى وعذبوه بأكماش و شوكات الظلام المسمومة، وخذلوه حين دفنوا مشاعل مبتغاه في دياميس النسيان، ورعلوه بطعنة نجلاء، وخانوا ظهر دياره بضربة موبقة، و أطفئوا نور الأماني في قناديل حياته، و أحرقوا سنابل رجائه ونهبوا خيرات حقول عمره، و أخفوا عنه خريطة جرح الوطن المتعفن، وعبدوا غيلان الفساد في معابد الردة وصادروا بصيص الأمل المرابط في آخر النفق .. وأن اللات التي كانت ترفل في ثوب الخزعبلات قد سقطت من علياء ترهاتها وحان لميزان العدالة أن يطهر الجزائر من درن أخطبوط العصابة ..
لغز العقبة الوعرة مازال عند وعده.. سلمية و سلمية وسلمية حتى تشرق شمس الصفاء فيأتلق أديم سماء الحق، ويتراجع مد غزوات البغي و تتبد أساطيل غيوم البهلة والهم ، ولا لجزائر من فخار يمشي على ظلها تجار الهوية ويركب ظهرها عشاق العجوزة الشمطاء عدوة ملحمة الماضي و قطار الحاضر و رؤى المستقبل.. ولا لجزائر بلا حماة طول وعرض سوار الأرض وقلعة العرض.. ولا لنظام فاسد شوه بمخالب نار الإحنة وجه جنة البلاد و سمح للهمج والغوغاء باصطياد غزلان الفتنة ببيدوات البهاء و قطع رؤوسهم بمديات نصف حادة .. و قد حان لعدالة المنجل أن تقتلع جذري الفساد من جذوره ليتطهر التراب المتوضئ بدماء مليون ونصف المليون شهيد من دنس الأوغاد والأفناء والأرذال.

السابق
المهرج
التالي
تفوق

اترك تعليقاً