القصة القصيرة

هذا ليس وقت تقسيم الميراث

كَبر الأب في السن و شعر أن نهايته قَرُبت , فأرسل إلى أبنائه الأربعة يستدعيهم للقاءه و لرؤيتهم , و لكن أولاده كل منهم في بلد شكل داخل الوطن الواحد , وحضورهم قد يأخذ وقتا و هنا وصلت رسالته إليهم و بالفعل اخذ كل منهم يرتب أحواله و يأخذ متاعا و طعاما يسد به جوعه في الطريق , فالطريق طويل و شاق , و وصل الأولاد إلى طريق النهر و كان الجو عاصفا ممطرا و تقابلوا جميعا معا و ذهبوا في مركب يشق بهم عرض النهر , و هم في الطريق تناقشوا في الميراث و ظل كل منهم يقول أنا سوف اخذ الدار و قال آخر الدار ليست ملك و أنا أخوك الكبير و أحق بها منك و قال آخر و أنا سوف اخذ نصف الأرض واترك لكم النصف الباقي و هنا قال آخر : أنت تحلُم الأرض كلها لي و سوف اترك لكم المال لتتقاسموه فأنا ادري بالزراعة عنكم , و هنا تدخل آخر و رفض هذا الكلام و زاد الشجار بينهم حتى وصل إلى التشابك بالأيدي , و هنا تمايل المركب يمينا ويسارا و شعر احدهم بالخوف فقال : هنغرق هنغرق , و لم يلتفت إليه إخوته الذين شغلهم الشجار و الميراث و لم يلتفتوا إلى ما يحدث حولهم.
شعر الأب المريض بتأخر أبنائه فطلب من أخيه الذي يصغره بعض الشيء أن يذهب إلى شط النهر لكي يرى هل أتوا ويطمئنه و بالفعل ذهب إلى شط النهر و رأي من بعيد مركب تتمايل يمينا ويسارا في وسط النهر و لكنه لم يكن يرى جيدا من بداخل المركب , فظل ينادي على من في المركب و يقول : ماذا يحدث ؟ , ماذا يحدث ؟ و لا أحد يجيب , و لا أحد يعلم سبب تمايل المركب بهذه الشدة و هنا تجمع كثيرا من أهل البلد على شط النهر يشاهدون تمايل المركب من بعيد , و قال احدهم هؤلاء أبناء أخيك و هنا وصل الخبر إلى الجميع حتى وصل إلى الأب المريض فتحامل على نفسه و تسند الحوائط و الجدران مسرعا في خطوات بطيئة تسيرها صحة عليلة وخوف ظليل يحيط بصاحبها ليطمئن على أبنائه مرددا و هو يمشى : لطفك يا رب , سترك يا رب , رحمتك يا رب , أولادي أولادي.
وفي المركب زاد الشجار بين الإخوة فأخذ احدهم فأسا من المركب و حاول أن يضرب أخاه بها و لكنها سقطت في المركب (( فخرمته )) و هنا تدفق الماء منها و حاول احدهم أن يسد الخُرم و لكن ظل الاثنين في شجارهم و حاول ثالث أن يتوسطهم ليحول دون شجارهم و مازال رابعهم يحاول إنقاذ المركب و لكن المركب امتلأت ببعض الماء حتى تبللت أقدامهم و التيار في النهر شديد جدا و يجرف المركب معه و الريح عاصفة لا تساعدهم , فصرخ أخيهم الذي يحاول إنقاذ المركب قائلا كفي شجارا : هذا ليس وقت تقسيم الميراث , أبيكم مازال حيا ينظر إليكم.
و هنا توقفوا جميعا عن العراك و نظروا إلى الشط ليروا أبيهم المريض يقف ينظر إليهم و الناس تحيط به ليستند عليهم و هنا تركوا الشجار و استيقظوا على كارثة تحيق بهم بالفعل فحاولوا إنقاذ المركب و لكن المركب كانت قد اقتربت من الامتلاء , فطلبوا المساعدة , لعل وعسى أن يساعدهم احد من على الشط قائلين : ساعدونا ساعدونا , النجدة , فقال احدهم هذا عقاب الله لنا , اللهم اغفر لنا وارحمنا . وقال أخر , يا رب لا أريد مالا أريد أرضا أضع قدمي عليها , و قال آخر ندر على إن ظللت حيا أن أبقى في خدمة أبي ما حييت , و زاد دعائهم و بكاءهم و علامات الخوف على وجوههم.
وهنا اقترب منهم مركبا , فهللوا و فرحوا و حمدوا الله , فقال لهم قائد المركب : أرسلني أبيكم إليكم لأنقذكم , فذهبوا معه و وصلوا إلى أبيهم فأخذوه بالأحضان و حمدوا الله على نجاتهم و هنا قال قائد المركب للأب كما وعدتني !!!!! فقال الأب و أنا عند وعدي وهنا سأل الابن الأكبر بماذا وعدته يا أبي ؟ فقال الأب : وعدت بنصف ثروتي لمن ينقذكم , و لو كان طلب مالي كله و عمرى أيضا لأعطيته إياه و أنا راضى , و هنا ظهر على وجههم الذهول و كأن كارثة قد حلت بهم و نسوا أن الله قد أنقذ حياتهم من الموت , فقال الأب إن قائد المركب هذا هو الوحيد الذي وافق على أن ينقذكم و يغامر بحياته في مثل هذا الجو و شدة التيار , بينما رفض الآخرون!.
وهنا تذكروا أنهم على أرض ثابتة و أن هذا كان قمة أمانيهم و أن كل هذا المال كانوا سيتركونه و أن الله أعطاهم فرصة أخرى في الحياة لعلهم يصلحوا من أنفسهم , و هنا قالوا جميعا في نفس الوقت : الحمدلله , نشكرك و نحمد فضلك يا الله
كِبر سن الآباء ليس معناه قُرب الميراث و لكنه يعني طاعة للآباء تقربنا إلى الجنة
أرض ثابتة تحت قدمينا كنز كبير افتقدناه في هذا الزمان
حقا هذا ليس وقت تقسيم الميراث

السابق
ضجيج
التالي
حسَكة

اترك تعليقاً