الخاطرة الطويلة

هذه شهادات السيدة هالة

هالة القمر راع بالشنان يفزع قطعان الخرفان، تطرد فلول الظلام وعلى عرشها تنشد السلم والسلام، فوق كوكب لا سلم ولا سلام، تخلع أوراق التوت، تتعرى العورات، وتكسر شوكة مجانين أحلامهم أوهى من بيت العنكبوت٠
يحني لها الكرماء الرؤوس، وفي حضرتها يحمل اللؤماء المعاول والفؤوس٠ وحدك الشاهد علينا، ونحن نخشى الفضيحة، من عبث المشنقة والمقصلة بالأعناق البريئة، وحدك تمسحين بنورك مسرح الجريمة، وأرضنا من الشط إلى الشط جريمة وذبيحة، من جزر الوقواق إلى أرض الكنانة، من الربع الخالي إلى أرض الخيانة، اغتصاب وقتل وطعن في الأنساب، باسم السطوة، باسم السلطة، باسم المشنقة والمصلحة، نركع، فنستف التراب، ومن رعونتكم نذوق العذاب، واجب القطيع نحو الراعي أن لا يجادل، أن يطيع٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ شاهدة عيان على جرائم العميان، يشربون النبيذ، ينحرون الشاعر من الوريد إلى الوريد، من صدره يريدون استئصال قوافي القصيد، ينسون أنه من أعجاز في الأدمغة – من جديد – تحيى القصيدة، فيفنى الجلاد في غياهب القبور، ويخلد المجلود -أبد الدهر- في الصدور، ويورق في عالم الشعر والقصيدة٠
وحدك هالة القمر٠٠٠أضأت عتمات الكأس، فتجرع سقراط ما فيه ثمالة القهر ممزوجة بطعم الحرية، في عالم لا يتذوق عذوبة الحرية، مات سقراط٠٠٠ اغتيل سقراط، اتحدت سينه بالسين، اتحادا مباركا، فما ماتت الفلسفة، وفي السماء٠٠٠ في الهواء٠٠٠في السحاب٠٠٠في الخراب٠٠٠ وحتى في السراب و الضباب، أزهرت حروفها أشواكا تسحب من حلوق أعدائها سحبا، واخترقت ملفوفة بذهبيات الشمس حجب غربالهم، فما أغباكم أعداء الفلسفة والقصيدة ٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ تمسحين من نفوسنا ثقل الضجر، فأنت الشاهد الصامت، يلاحظ ٠٠٠ يدون٠٠٠ يسجل٠٠٠ ولا يتدخل في شؤون أرض، جحدوا نعمة حاميها، فأملهم ألى حين، لكن، لعنة أعتى من لعنة لوط والنمرود وعاد وثمود، ستنزل عليهم غيثا مدرارا٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ بخرقة حقيقة تمسحين غبار تاريخنا المسجى فوق بساط سحري لا ينتهي، تاريخ مغلوب، يحكي فيكتمون أنفاسه، يتكلم فيقطعون لسانه، يراقب، فيغرزون- بوقاحة- في عينيه الأصابع٠ مسكين تاريخنا، فصلوه سراويل قصيرة على مقاس مؤخراتهم الثخينة، لكن غباءهم أنساهم أن لكل تاريخ تاريخ، وأن لكل مؤرخ مؤرخ يراقبه ويعد أنفاسه، وأن تاريخ التاريخ يسجل في سجلاته الأبدية خيرهم وشرهم ، كيف يحيون، وكيف يموتون٠ ولا ينسى شاردة ولا واردة، يقتحم عليهم مواخيرهم، فيسجل حتى لحظات صهيلهم، وهم يلعقون كعوب الغواني، ويستحمون بدماء الأبرياء والفلاسفة والشعراء، يدون فضائحهم على البردى ٠٠٠ على صخور البحر٠٠٠ على أوراق الشجر٠٠٠ وينحتها نحتا على أدمغة البشر، وعلى وجه القمر٠٠٠ ويلغي مفعول تاريخهم المزور، فهو يخشى تزوير الحقائق٠ تاريخ التاريخ عابر القارات، خارج عن حدود الزمان والمكان، محفور بعمق بالمبرد والأزميل في قلوب الناس ومتاهات الزمن٠ استأصلوا إن استطعتم القلوب من صدورها، وأوقفوا حركة الزمن ٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ تعرفين نفاقهم السياسي وعفونة دجلهم، وحدك تعرفين أنهم يحللون ذبح الأصول والفروع، باسم المصالح حتى لو كانت وهمية وبلا مصالح٠ تلتمسين الموضوعية في ما يسرده تاريخهم، تستعصي عليك، فتتفين في وجه الثورالأبيض٠٠٠ تتفين في وجه الثور الأسود٠٠٠ تتفين في وجه الثور الأحمر٠٠٠ تتفين في وجوه ثيران تقاتلوا، اقتتلوا فقتلوا باسم الفضيحة في ظلمة الليل، وفي ضوء النهار، وما عرفوا – يوما – للقتال سبيلا٠
وحدك هالة القمر٠٠٠بعينك الساهرة المفتوحة، تعرفين أن من نفض غبار الفتنة بين الثيران الثلاثة، هو من اغتصب أرضنا، واستباح عرضنا٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ تعرفين أن فيروس التزوير يربى كالأسماك في أحواض عشاق نظافة تاريخ يسرد- بخيلاء – وقائع الأمس، ويتغنى بأمجاد أيام الصحراء الخوالي، ولا يحلل، ولا يدرس وقائع واقع موبوء مثخن بالجراح، متخم بالأمراض والأدران حتى الثمالة٠ فوضع عجلة الحي على السكة السليمة أولى من التغني بأمجاد ماض هارب٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ من وراء الجبال تلوحين كل يوم ، تنتشين بجمال نورك، لكنك تغضين الطرف خجلا عن متاهات٠٠٠أه عفوا٠٠٠ عن تفاهات نعيشها بكامل قوانا العقلية، فنجري لاهثين مع اللاهثين وراء التغني بالمهازل، دون أن ندري أن مصيرنا مآله المزابل٠ اعذروني، هذه زلة لسان، وهو رخو لا عظم فيه، حلزون بلا صدفة٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ تحكين وتبالغين في حكيك، فكلما لمع نورك ، وتوهج قمرك، لنا من حكاياتنا تحكين حكاية:
وما أكثر حكاياتنا ! وما أجملها! وما أوسخها!
وبدون عناء ولا عياء، تجدين قاموس حكاياتنا متخما بالتناقضات، من قاف القاتل قابيل، إلى حاء حب متيمي الصحراء العربية، إلى جيم الجنس والجنون في الغرف المعتمة، إلى خاء الخيانات العظمى، والاستخراء على الأمم والشعوب٠٠٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ حكيت لي يوما حكاية، وأنا أداعب نسيمات الليل، وأنتشي بروائح أعشاب أمسا ( منتجعي المفضل بشمال المغرب)، وقد بزغ القمر مبكرا مكتملا، بعين حوراء واسعة، وأنت تلفين قرصه بفستانك الفضي، وتعكسين لمعانه على صفحة ماء نهر أمسا الرقراق، وقلت:
– أيها الساهر ما بك؟
– أريد سماع حكاية من حكاياتك٠٠٠من حكاياتنا يا هالة:
– حكايتكم صرع، صراع بين نور النفوس وظلام القلوب، بين خير أخياركم وشر أشراركم، بين صحوة ماضيكم وكبوة حاضركم، بين حبكم وكراهيتكم، بين تعاستكم وشقائكم، بين حكامكم ومحكوميكم، بين ٠٠٠ بين ٠٠٠بين ٠٠٠
وقتها خبا وميضك يا هالة، فاحمرت عين القمر، وتوردت وجنتاه، أصبت بنوبة خجل، فما سبب خجلك منا، من أفعالنا؟ فنحن منذ فجر التاريخ، لاعيب فينا، من جرائم (تأبط شرا) إلى جرائم نيرون يستلذذ صراخ رعاياه، وهم يحرقون تحت أنقاض روما، إلى تدمير العواصم العربية في عصرنا الحديث، لكنك تنشدين أنشودة رياح الغضب مع السيدة فيروز:
– الغضب الساطع آت٠٠٠آت٠٠٠آت٠٠٠آت٠
هذه سحابة صيف عابرة يا هالة، لن تؤثر على نظافة تاريخنا، فكل من يتجرأ على تدنيسه باسم الموضوعية، تتلمس قفاه سيوف الفاتحين، ومقصلات العصور الوسطى٠
تحجمين يا هالة، عن تعداد مثالبنا، تتنفسين الصعداء٠٠٠ فنشرب – معا- نخب نظافتنا، فلا مكان للأوساخ بيننا، نحن منزهون عن الأوساخ، نحب من الثوب الأبيض الناصع، اللباس والعمامة والكفن، فهو رمزطهرنا، وصفاء نفوسنا، فلا تتحاملين علينا يا هالة، رعاك الله٠
تلمعين جمالا يا هالة، يستدير القمر، يلتصق بناصية ذلك الشامخ كالقرادة، وعلى عرشه تتربعين، وتمسحين عنه غبن الظلام، ووشا ح سواد الليل ، ويسري نو رك في ربوع سماء تلتقي زرقتها بزرقة البحر، في التحام أبدي، وبلا نهاية٠ يبتعد القمر عن الأرض، يعبر طيفه الجبل من السفح إلى القمة، فيفتر حديثنا عن التاريخ، وعن كل عربي في عالم تعطل فيه الضمير الإنساني٠
أنت آلهة جمال تغار منها الشمس يا هالة، ترسمين جمال الجمال على جمال أديم السماء الجميلة، اختلس منك لحظة، أجمع جيماتك والميمات، تنفلت من بين شفتي جملة: أجمجم٠٠٠ أجمجم٠٠٠ أجمجم٠٠٠ فأنا أفهم، ولا أريد أن يفهم غيري حديثي معك يا هالة، فالمبالغة في الفهم هاوية لا قرار لها، وعدم الفهم منجاة من حر السؤال والتساؤل٠حديثي سر سأبوح به لك وحدك يا هالة، عند مقدم قمر كل ليلة مقمرة٠
خجلك يا هالة ٠٠٠ حياؤك يا هالة، درس لنا – نحن – الذين لا نخجل ولا نستحيي من واقعنا المريض الذي تنهشه الكلاب، وربما سيساعدنا ذلك على تشكيل وعي جديد، وبناء تفكير جديد يليق بحساسية المرحلة الراهنة٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ تجلين جمال الحقيقة، تكشفين بهاء الغانية الغجرية الحوراء، تفكين من مربطه الحصان المجنح، فيمتطيه الفلاسفة والشعراء، وعلى وجه القمر يرسمون وجه الإنسان، فتتغنى به قوافي القصيدة، ويهيم به العشاق، ويفيض في تفسير طباعه العلماء٠ وجه احتفت به الأعراف، وقدسته الأديان، وفي عصرنا داسته الأقدام، ونحر نحر الأنعام، بلا تكبيرة ولا بسملة٠
غوصي في صغائرنا يا هالة، عدي خطايانا، فقد فقدنا ماء الوجه، لم يعد للاستحياء في قواميسنا مكان٠اتركينا٠٠٠اتركي واقعنا المجروح، فجراحه لن تندمل أبدا، لاحاجة لنا بوميضك يا هالة٠ فنحن قوم ملأنا البر حتى ضاق عنا٠٠٠ قوم ملأنا البحر سفينا٠٠٠قوم ألوف الكلب، هزيل البعير٠٠٠ قوم لا نرضى ببعراننا إلا محمرة كالدجاج في أكياس من الأرز الصيني الممتاز، لكنها لا تكفي إلا للنسر وحده، فإذا شبع النسر شبع صغاره لا محالة٠
على وجه القمر ياهالة، ترسمين جلجامش ثلثه آلهة، وثلثاه بشر، وحش يصارع الوحوش، الوحوش تتصارع، أنكيدو قش هش تحت حوافرها، جلجامش يهزم خمبابا ٠٠٠ جلجامش يقتل خمبابا٠٠٠أنكيدو شاهد عيان ٠٠٠ أنكيدو يلبس لباس القتل- قهرا- فجلجاميش هو الكبير، وكلامه هو الكبير، فمن يتجرأ على الإفصاح عما يراه أو يحس به؟ فالكبير من الجريمة براء، والصغير مدان ولا حق له في البراءة، لأن الكبار يمضغون بأسنان الصغار، قانون الظالم والمظلوم، القاهر والمقهور٠
جلجامش يفشل في تحقيق الخلود٠٠٠ جلجامش يموت ٠٠٠ تهزمه حية رقطاء، يتفشى العداء بين الزواحف والبشر٠٠٠عبء جديد على كاهل التاريخ والمؤرخين، إلا النظيف منه٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ تدركين جدلية صراع الحاكم والمحكوم، القاتل والمقتول، الجلاد والمجلود، القوي والضعيف، النملة والفيل، بوفسيو والسبع، هم علمونا، ونحن صغارا: (لا تحتقر كيد الضعيف، ربما تموت الأفاعي بسموم العقارب) لكن، عندما كبرنا علمتنا الحياة: أن” البقاء للأقوى، لا للأصلح ” فقد حكوا لنا يا هالة، يوما حكاية:
أن بوفسيو طائر أصغر من حبة التين، تحدى الأسد، واحتل العرصة التي كان يستظل بوارف ظلالها، فنشبت بينهما حرب طاحنة، بين ذوات الريش والمخالب، بين ذوات الحوافر والأظلاف، وقد شارك في المعركة حشرات من ناموس وبعوض وذباب، وما تزال الحرب قائمة إلى يومنا هذا، وما تزال هذه الكائنات المجهرية تستبيح جسد ملك الغابة، وتعفر وجهه في التراب٠
وحدك ياهالة القمر٠٠٠ تحكين لنا حكاية : نيرون أحرق شعبه، أحرق مدينته لكن تحت أنقاضها شعبه٠ فكانت روما يلفها اللهب، تستغيث، بمن ؟ لا أحد يسمع صراخها، يغتصبها نيرون، يشرحها بخنجر القمع والقهر المسموم٠ ومن يتجرأ على سماع صرخات ضحية نيرون؟ إنه نيرون، لكن من هو نيرون ؟ :
طاغية لم يحسن اختيار شعبه، اختار الشعب الخطأ، ومارس اللعبة الخطأ، فهو يستحق كل شعوب الأرض٠٠٠ يسحق كل شعوب الأرض، فشعبه لا يستحقه، فليحرق هذا الشعب، ليختار غيره، فالشعوب كثيرة، إنها كالأحذية، والأحذية لها مقاسات، ونيرون هذا لا يختار إلا المقاس الذي يليق بقدمه المقدسة، التي تسحق الشعب كالبعوضة، فالشعب كله لا يساوي فردة حذاء نيرون٠ فهذا الشعب يشوش عليه، وهو يمارس السلطة والتسلط، فلتحرق المدينة عامرة لا خالية٠ الشعوب مضغة شوينكوم، يلوكها الفكان، وبعد التعب من المضع والطرطقة، ترمى في مزبلة تاريخ الشعوب٠
وحدك هالة القمر٠٠٠ الشاهدة على جرائم نيرون وأمثاله، من المجانين بالعظمة من أول جريمة يرتكبها إنسان في حق أخيه الإنسان ٠٠٠ من جريمة قابيل يستبيح دم هابيل إلى محرقة روما، إلى محرقات البشر في العواصم العربية في القرن الواحد والعشرين٠ وحدك الشاهدة على جدلية الجلاد والمجلود ٠٠٠ القاتل والمقتول٠٠٠ الظالم المظلوم ٠٠٠ الحاكم والمحكوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها٠

السابق
حج
التالي
كُنْ

اترك تعليقاً