مقالات

هل السيميائيات مجرد تأويل؟

هل السيميائيات مجرد تأويل؟وهل القراءة فهم وفقه؟

كانت موضى البحث منذ سنوات خلت تقتضي أن يشفع العنوان بتزكية من قبيل “مقاربة سيميائية” “قراءة تفكيكية” ليكون البحث حديث الموضوع حداثي المنهج ويكون صاحبة من نخب الطليعة التي تحسن الفهم عن الآخر وتحسن إجراء أدواته تنظيرا وتتطبيقا.. إن مراجعة بسيطة لعناوين الدراسات التي دفع بها أصحابها إلى المطابع تكشف عن ذلك الهوس. فهل أضافت هذه التزكيات شيئا إلى المناهج المسمات أم أن المناهج نفسها مجرد مساحيق براقة تغطي تجاعيد وجه أتلفته تجاعيد الزمان؟.

يذهب “روبرت شولز” في مؤلفه “السيمياء والتأويل” إلى أن السيمياء تضع نفسها في منطقة الحدود المضطربة بين الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، تجد فيها الأولى كزازة الصرامة العلمية، بينما ترى فيها الثانية تراخيا (1) واضطرابها ذاك يفتحها على التأرجح بين التفسير والتأويل. ففي حين يقف التفسير عند حدود الدلالة البيِّنة للدوال، يجنح الثاني إلى التهويم بعيدا عن سلطة الدال والمدلول معا. الأمر الذي يربك القراءة السيميائية كثيرا، وينتهي بها في كثير من المقاربات إلى ما يشبه النقد التقليدي المُجَمَّل بالرسومات والبيانات فقط. ذلك أن:« الناقد بدخوله حقل “القراءة” سيقع تحت وطأة الممارسة التأويلية، أو تحت سحر الاستجابة الشخصية، إلى أن تضيع المنهجية السيميائية المتماسكة في شراك التفسير القديم.» (2). لأن إغواء التأرجح بين المعارف الإنسانية والاجتماعية، يفتح أمام القارئ منظومتين معرفيتين، يمكنه استغلالهما استغلالا واسعا في استنطاق دلالات الرموز والعلامات. ومن ثم يكون طابع القراءة السيميائية طابعا انتشاريا، سهميا، يذهب في كافة الاتجاهات سعيا وراء الاحتمالات التي يمكن أن يومئ إليها الدليل في إطار العمل الفني.
غير أن عمل العناصر السيميائية في سياق النسق الإبداعي، لا يمكن أن تُفَسَّر بعيدا عن الإطار الذي يكتنفها أصالة. تلك هي الفكرة التي يشدِّد عليها “ماتيس” حين يقول:« كل عمل فني هو مجموعة إشارات مبتدعة أثناء التنفيذ وحسب حاجات المكان. ولا تملك هذه الإشارات أي تأثير خارج الإطار الذي ابتُدِعت فيه. وتتحدد الإشارة بالنسبة للحظة التي استعملها فيها، والغرض الذي تسهم فيه.» (3) واعتبار العمل الفني –مهما كان وسيطه- جملة من الإشارات المبتدعة، يوحي لنا بارتباط العلامة الموظفة في النسق بالقصد الكامن وراءها، وارتباط هذا القصد أولا بأطر إنسانية واجتماعية يمتح منها مقوماته الدلالية. وكأننا إزاء الإشارة، والعلامة، والرمز، نقف أمام الأغراض التي صاغتها على نحو خاص، لتأدية المعنى المنوط بها. فإذا عزلت هذه العناصر عن نسقها ونظامها المبتدَع، أضحت عاطلة من كل معنى.
وربما فسر لنا هذا الوضع الخاص نفور العلوم الاجتماعية من السيمياء، كونها تجنح في التعامل مع العلامة إلى التأويل الذي يقلل من شأن الترابطات الواضحة داخل النسق الإبداعي، ويهوِّم في مجال الاحتمال الناشئ عن ترابطات أخرى أقل صلة بالقصد الذي أنشئت العلامة من أجله. فإذا هي عادت تتملى حقيقة الإشارات خارج الإطار الفني، لم تجد لها من أوشاج تربطها، وكأنها استفرغت من الدلالة الحية التي كانت للقصد أولا. وهو خطر يتهدد القراءة حين تروغ بعيدا وراء المحتمل من الظلال التي قد يسوقها التأويل قسرا. مادام التأويل مجرد مهارة :« تتضمن إجراءات صامتة وحدسية» (4) تجد في فسحة النص الأدبي المجال الذي يستدعيها، والطاقة الكامنة التي تستحثها، فتنساق وراءها. وأغرب ما في التأويل أنه لا يقوم إلا على هدم تأويلات سابقة، وكأنه يحتل في وسطها مركزا يخوِّل له ردَّها، وأن يوسِّع من خلال الرد موقعه الجديد الخاص به، ريثما يكون هو بدوره عرضة لهدم لاحق. وهي علاقة قائمة على العنف في عرف “ميشال فوكو” (5) وجوهر التأويل -عنده- أن يتمثل في مجموعة من المعارف والتقنيات التي تسمح باستنطاق الرموز واكتشاف معانيها. والجمع المعاين في “المعارف” و”التقنيات” يحيل العملية التأويلية إلى ضرب من الفهم الشمولي الذي تقدمه المعارف، ولون من التحليل الدقيق الذي تسمح به التقنيات. وكأننا في العملية التأويلية إزاء نشاطين: نشاط الفهم والفقه، ونشاط البلاغة والقواعد. وهما الصعيدان اللذان يشتملان على حقيقة الأثر الأدبي المنجز. صعيد يتصل بالخبرة والتجربة الذاتية التي تمتد بعيدا في أغوار الغياب والماضي السحيق، مُلامِسة الميثي البعيد، وصعيد يتصل بالحضور القائم في الصياغة عبر الوسيط الفني وفيه شكلا.
تلك هي عين النتيجة التي ينتهي إليها “سعيد علوش” حين يحدد المراد من القراءة على أنها الفهم أولا، وأن الفهم إنتاج لمعنى، والفهم الأدبي:« أن نتساءل عن استراتيجية الإنجاز السيميائي الذي يسمح بالعبور من مادة الكتابة إلى الدلالة، التي تظهر في شكل فعل القراءة. وهو فعل يظهر سهلا في الظاهر، إلا أنه معقد في عمقه.» (6) ذلك أن العبور –الذي تحمله العبارة أصلا في نعتها- هو الانتقال من مظهر الحضور الشكلي، إلى سمك الغياب الغيبي الذي تنطمر فيه خصوصية الذات المبدعة، وهويتها، وانتمائها، وثقافتها. فالاستنجاد بالتنوع المعرفي وتعدده ضرورة تمليها طبيعة الفهم والفقه، كما أن الإنصات إلى حدس القراءة ضرورة تستوجبها طبيعة الألفة بالنفس الإنسانية. ومن ثم يكون إنتاج المعنى مشاطرة بين ذاتين. ذات النص/المبدِع، وذات القراءة/المتلقي.
من كتاب. حبيب مونسي. شعرية المشهد في الإبداع الأدبي. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر.2010.

السابق
خرافة
التالي
إسقاط

اترك تعليقاً