الرأي

هل تستطيع كورونا أن تُنحي أمريكا

هل تستطيع كورونا أن تُنحي أمريكا عن قيادة العالم
انتشرت في الأيام الماضية حالة من الهلع أصابت العالم جراء تفشى فيروس «كورونا»، والذى انطلق من إقليم “ووهان” الصيني، لينتقل منه ليس فقط إلى باقي الأقاليم الصينية، وإنما متجاوزاً الحدود إلى العديد من المناطق الأخرى حول العالم، حيث إنه لم يقتصر فى نطاقه مجرد المحيط الإقليمي لبكين، فى القارة الآسيوية، وإنما امتد إلى أوروبا والشرق الأوسط، وحتى الولايات المتحدة، ليصبح الفيروس بمثابة بالونة اختبار للحكومة الصينية، حول مدى قدرتها على التعامل مع الأزمة، فى إطار الخطوات التى تتخذها استعدادا لاحتلال صدارة المشهد الدولي، ومزاحمة الولايات المتحدة ؛ خاصة فى الوقت الذى تتجاهل فيه الولايات المتحدة القيام بدورها كقوى دولية مهيمنة على النظام الدولى، فى حماية العالم من المخاطر، تبدو قوى جديدة قادرة ولديها الاستعداد التام للقيام بهذا الدور لتقدم نفسها كقوى مؤثرة، وذلك بالتزامن مع انطلاق العالم نحو حقبة جديدة.

بيد أن تداعيات الفيروس القاتل ربما لا تقتصر فى أبعادها على الجانب الصحي، وحالة الهلع المترتبة عليه، وإنما تمتد في أبعادها إلى ما يمكننا تسميته بـ«خريطة النظام الدولي الجديد»، فى ظل صعود العديد من القوى الجديد، وسعيها نحو تدشين عالم جديد متعدد الأقطاب، بعدما نجحت الولايات المتحدة فى الهيمنة كقوى وحيدة، في إطار نظام أحادي القطب، منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي فى التسعينات من القرن الماضي.

وقد حذّرت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية في عددها الصادر خلال الأسبوع الماضي من قدرة فيروس كورونا على إعادة تشكيل النظام العالمي، منبهةً من أنّ الصين تناور لتقود العالم في حين تفشل الولايات المتحدة الأمريكية في التعاطي مع الوباء.. في تقريرها، قارنت المجلة بين استجابة الولايات المتحدة الأمريكية والصين للوباء، معتبرةً أنّ المؤسسات الحكومية الأساسية، انطلاقاً من البيت الأبيض ومروراً بوزارة الأمن الداخلي ووصولاً إلى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها قوّضت الثقة بقدرة وكفاءة الحوكمة الأمريكية.

واستشهدت المجلة بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتغريداته، مشيرةً إلى أنّها أثارت الشكوك في النفوس وأدت إلى حالة من الارتياب إلى حدّ كبير. وتابعت المجلة بالقول إنّ القطاعيْن العام والخاص أثبتا أنّهما غير مستعديْن لإنتاج الأدوات اللازمة للفحص والاستجابة وتوزيعها، مضيفةً: “وعلى المستوى العالمي، عزز الوباء نزعات ترامب إلى العمل بمفرده وكشف عن مدى انعدام استعداد واشنطن لقيادة استجابة العالم (للوباء).

وأوضحت المجلة أنّ وضعية الولايات المتحدة بصفتها قائدة للعالم على مدى العقود السبعة الماضية استندت إلى الثروة والنفوذ والشرعية المنبثقة من إدارة الولايات المتحدة للملفات الداخلية وتوفير المنافع العامة العالمية (السلع التي يحتاج العالم إليها) والقدرة والاستعداد لحشد وتنسيق الاستجابة العالمية للأزمات. وأضافت المجلة: “وباء فيروس كورونا يختبر عناصر القيادة الأمريكية الثلاثة. وما زالت واشنطن تفشل في الاختبار حتى اللحظة”.

في المقابل، بيّنت المجلة أنّ الصين تتحرك بسرعة وبراعة لاستغلال الفجوات التي خلّفتها الأخطاء الأمريكية، لافتةً إلى أنّها تعمل على ملء الفراغ لتتموضع كقائدة للعالم على مستوى الاستجابة للوباء. وأوضحت المجلة أنّ الصين تروّج لنظامها الخاص وتوفّر مساعدة مادية لبلدان أخرى، بل بلغت حدّ تنظيم عمل حكومات أخرى. وتابعت المجلة: “تدرك بكين أنّه إذا نُظر إليها على أنّها قائدة (للعالم)، وإذا نُظر إلى واشنطن عل أنّها عاجزة أو غير راغبة في لعب هذا الدور، فيمكن لهذا التصوّر أن يغيّر بشكل أساسي موقع الولايات المتحدة في المشهد السياسي العالمي من جهة، والسباق على القيادة (قيادة العالم) في القرن الحادي والعشرين من جهة ثانية”.

هذا هو باختصار التقرير الذي وضعته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية عن “دور كورونا في إعادة تشكيل النظام العالمي.. هكذا تستغل الصين الفشل الأميركي”، والذي قد ترجمته للعربية الأستاذة فاطمة معطي ؛ والسؤال الآن أليس من المبكر الحديث عن بدء انهيار نظام دولي بعد استفحال وباء كورونا في الغرب أكثر من الشرق.. لماذا تحاول مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية تصوير الأمر كما لو أنه نهاية القيادة الأمريكية والغربية للعالم لمجرد أن الغرب يقف عاجزا عن مواجهة الوباء… أما زالت أمريكا تمتلك كل زمام القيادة في العالم مقارنة بالصين وحلفاءها… ألا يكفي أن الدولار عصب الاقتصاد العالمي ما زال في يد أمريكا.. ألا تمسك واشنطن بخناق البشرية جمعاء من خلال شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.. هل تريد الصين أصلا منافسة أمريكا علي قيادة النظام الدولي.. ألا يعتمد الاقتصاد الصيني نفسه علي الاقتصاد الأمريكي وتوابعه.. لكن في المقابل ألم تظهر الصين الآن في خضم جائحة الكورونا الدولية علي أنها نجحت حيث فشل الغرب.. ألم تفشل أمريكا وأوربا في تأمين المعدات الطبية لمواطنيهما لمواجهة الوباء.. ألا يمكن أن توديا أزمة كورونا بأمريكا كما أودت أزمة السويد ببريطانيا.. ألا يترنح الاقتصاد الأمريكي أمام الصعود الصيني الرهيب حتي قبل كورونا.. أليس متوقعا أن تتربع الصين علي عرش الاقتصاد العالمي خلال سنوات.. ألم تأتي أزمة كورونا لتضع العالم علي مفترق طرق تاريخي وتجعل من الصين محط أنظار الشرق والغرب.. أسئلة تقلق العالم وتقلق المفكرين والباحثين .

انني اعتقد أنه ليس مبكرا ، فكما نعلم أنه منذ اعتلاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرش البيت الأبيض، فى 2017، على خلفية اختلال التوازن التجاري بين البلدين، وهو ما عرف بالنزاع التجاري ، والذي تعود أسبابه الحقيقية منذ أكثر من 30 عاما عندما بدأت الصين فى ثورة صناعية واقتصادية كبرى جعلتها تصبح إحدى القوى العظمى المحركة للاقتصاد العالمى وكانت السبب الرئيسى فى ارتفاع أسعار السلع والخامات الرئيسية فى مطلع هذا القرن؛ حيث شكّلت زيادة الطلب الصينى عامل ضغط قوياً رفع أسعار أغلب السلع الرئيسية لمستويات لم يرها العالم منذ عقود وفى بعض الأحيان تسببت فى رفع أسعار بعض السلع لأعلى أسعارها فى التاريخ، مثال على ذلك البترول الذى ارتفع ذات يوم إلى مستوى الـ ١٥٠ دولاراً، وهو أعلى سعر لبرميل النفط منذ اكتشافه، تنبهت الولايات المتحدة لهذا التهديد المقبل من الشرق وقررت أن اللحظة حانت للمواجهة، التي تهدف لتعطيل التطور الصيني المقبل بسرعة صاروخية فبدأت ما يسمى بالحرب التجارية والتي تهدف إلى : تقليل فارق الميزان التجاري الذى يميل بشدة لصالح الصين، عبر زيادة صادرات الولايات المتحدة للصين وتقليل وارداتها منها، والقضاء أو التقليل من جرائم سرقة الملكية الفكرية والجاسوسية الصناعية، والتى ترى أمريكا أنها السبب الرئيس فى التقدم الصيني الذى يسرق، ثم يبدأ البناء من حيث، انتهى الأمريكان مع قدرات صناعية قوية ورخيصة، وإعادة الصدارة لأمريكا فى سباق الاتصالات؛ حيث أصبحت الصين عن طريق شركة هواوى رائدة لتكنولوجيا «٥ج» والتى سينتج عنها قفزة تكنولوجية عالمية قد تكون الأكبر تأثيرا منذ اختراع الإنترنت، ووقف الدعم الحكومي للشركات الصينية الكبرى المدعومة من الدولة بطريق رسمي وغير رسمي وذلك كما قال محمد الهوارى في مقاله بعنوان “الحرب التجارية والتمهيد للنظام العالمي الجديد”.

وبعيداً عن هذه المواجهة المباشرة تتعقد الصورة أكثر بعدد من المواجهات غير المباشرة فى آسيا والعالم كما يقول محمد الهواري في مقاله السابق ، حيث إنه من ناحية تبدو الصين أنها تستعمل كوريا الشمالية كأداة لتهديد السلام العالمي وخاصة جارتها الجنوبية الحليفة الكبرى للولايات المتحدة. فى نفس الوقت تضغط أمريكا على الصين فى هونج كونج عن طريق دعم الثورة هناك بالتعاون مع حلفائها الإنجليز وهى مواجهة فى الفناء الخلفي للصين. أيضا انتهزت الصين فرصة صدام ترامب مع الأوروبيين وتحاول ملئ الفراغ الذى قد يسببه غياب أو تقليل حجم التبادل المالي والتجاري بين الحليفين التقليديين. وأخيرا اضطرت الولايات المتحدة أخيرا لعمل تغيير كامل فى سياسة التعاون الخارجى والمعونات الخاصة بها والمطبقة منذ عقود لمواجهة مطامع الصين التوسعية المتمثلة فى مشروع أو مبادرة الحزام والطريق Belt and Road والتي وصلت حتى لإيطاليا وتبدو وكأنها تشق طريق نفوذ صينى يحوط العالم وخاصة قارة إفريقيا التي هى فى أمس الحاجة للمعونات والتمويل.

وبدون الدخول فى تفاصيل المواجهات التي يطول الكلام فيها وشرحها، ما يهمنا هنا التقريرالصادر عن البنك الدولي وصندوق النقد والمؤسسات الأمريكية ومراكز الأبحاث، والذي كشفت عنه مؤسسة بلومبيرغ عن الصناعة ولحركة التجارة الكونية والصراع علي الأسوق العالمية وعلي حركة التجارة، حيث تؤكد علي أن الصين متجه إلي إنزال أمريكي عن عرش الكون اقتصاديا، وحين تُنزل الصين أمريكا عن عرش الكون اقتصاديا ، فإن هذا يعني أن مركز الاقتصاد انتقل من الغرب إلي الشرق ، مع ما يترتب علي هذا الانتقال من انتقال للفعل السياسي والدور القيادي والريادي التي تقوم به الصين.. يكفي أن أعطيك بعض النماذج وبعض الأمثلة… حاليا هناك مشروع بالصين تحت عنوان هذا المشروع ” صنع في الصين في 2024 و 2025 وفق المعطيات التي بين أيدينا ووفق الأرقام التي تكلمت عنه بلومبيرغ الصين ستكون حصتها من الناتج العالمي من الاقتصاد العالمي في سنة 2024 فإن الصين ستكون في حدود 32 % بعد كورونا متوقع أن تنزل نسبة مساهمتها إلي 28.3%.. الولايات المتحدة الأمريكية كانت حصتها من النمو الاقتصادي العالمي 13 %.. ستنزل حصتها إلي 9.2% خلال عام 2024.. في حين سترتفع حصة الهند إلي 15 % كي تصبح الهند هي الدولة الثانية بعد الصين في المساهمة في نمو الناتج القومي العالمي.. إذا أخذنا هذه المعطيات يتأكد لنا أنه فعلا الصين هي التي تتقدم علي أمريكا وأمريكا بدأت في التراجع عن عرش الكون اقتصاديا.. وهناك أيضا مؤشرات تكلم عنها صندوق النقد والبنك الدولي تؤكد علي أن الصين في عام 2030 ستكون الناتج القومي للصين في 2030 64.9 تريليون دولار وسيكون الناتج.. وقد تم عمل مقارنة ما بين الناتج القومي عام 2017 و 2030.. في 2017 كان الناتج القومي الصين في حدود 15 تريليون دولار سيصبح في 2030 64.4 تريليون دولار.. الهند كانت 9 تريليون دولار في عام 2017 سيصبح الناتج القومي للهند 46.6 تريليون.. الولايات المتحدة الأمريكية كان الناتج لقومي 22 تريليون دولار سيصبح الناتج القومي في 2030 حوالي 31 تريليون دولار أي أن الصين أكثر من ضعفي الناتج القومي الأمريكي ، هذا إذا أخذنا أيضا نسبة النمو.. نسبة النمو في أمريكا لا تتجاوز 1.2% بينما نسبة النمو في الصين في أسوأ حالاته كما هي الآن هي 5.6%.. إذا قسنا نسبة النمو بالنسبة للحركة التجارية ، فإن هذا أن الصين سابقة أمريكا والهوة ما بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الصيني تكبر يوما بعد يوم هذا إذا ما أخذنا نسبة العجز بالنسبة للميزان التجاري الأمريكي سيكون هناك فائض عند الصين..

السابق
السراب
التالي
وقاية

اترك تعليقاً