الخاطرة الطويلة

هل كان حبّا

حسبت أنّ تلك كانت آخر رسائلي إليك..هل تذكر ؟
لكن ها أنا أكتب إليك من جديد..
هي رسالة لن تصلك على أية حال و لن تقرأها..
لا أفهم لماذا نكتب رسائل نعرف مسبقا وعن يقين بأنها لن تصل إلى أصحابها؟ ربما لأننا لا نكتب دائما إلى الآخر، بل نكتب لنا نحن، أو للآخر الساكن فينا أبدا..
” ما الذي يحدث حين يلتقي رجل غيرُ عادي بامرأة غيرعاديّة ؟ ” سألتني ذات لقاء كأنّما تسأل نفسك…
لا أذكر بمَ أجبتك…لكنّي أفكّر في ذلك الآن…نعم ما الذي يحدث ؟
للأسف يا صديقي، و يا رفيق الزمن الجميل، نحن، أو لنقل القدر / عذرا أيها القدر… هذه خيبة أخرى نعلّقها على مشجبك / القدر لم يسعفنا في تمديد عمر اللقاء فضيّعنا فرصة أن نعرف الذي كان سيحدث حقا..
أذكر أنّك قلت لي و أنت تبتسم و تمعن النظر في عينيّ…يوما ما، أنتِ و أنا، سوف نبتدع رؤية جديدة في العلاقة بين الذكر و الأنثى ، و سوف نؤسّس معا ” المدرسة اللاعادية في الحب “.
كان ذلك و نحن في أوج الشباب، أيام كان للأحلام قداستها و بكارتها و نقاؤها، وكانت العواطف مغلّفة بسياج العفاف و الحياء ..و الحب ينمو و يزهر في قلوبنا الغضّة بأناة و احتشام.
جمعنا عشق الأدب و الكتب و طوّقتنا معا غواية الكلمات، و كنا، رغم لقائنا يوميا بحكم الدراسة، نفضّل الرسائل كوسيلة لتواصلنا…
و كانت، منمّقة بخط يدينا، مشبعةً بالشعر، مترعة بالشوق، معطّرة بالأخيلة، متخمة بالتساؤلات عن الوجود و الحب و الإنسان، تسافر منك إليّ و منّي إليك تحت أجنحة الكتب التي كنا نتعب في اقتنائها، وكانت تدور بين مجموعتنا من عشاق القراءة كما تدور كؤوس الحبب، فسكرنا بـ ” ماجدولين ” و ” البؤساء ” و ” كنا خجولين ” و ” اللاز “، و غيرها.
هل تذكر إحدى رسالاتي التي وصفتَها بالقنبلة ؟
كنت قد طويتها داخل ” سأهبك غزالة “* راجية منك أن تقرأ الرواية… كتبتَ لي في ردّك : “… هذه ليست رسالة بل قنبلة… قنبلة في كتاب !..” و أضفت…” حبيبتي أنت أروع بطلة متخصّصة في التفجيرات الروحية..! ”
طبعا يا روح البراءة لم يأت ” يوما ما “. خان ميعاده. و لم نؤسّس سوى لخيبات تناسلت و تكرّرت كلعنة مجوسية.
تذكّرتك هذا المساء..فانتشيت.
أحسست بالدفء و السكينة و غمرت روحي حالة من الصفاء أجدها دائما حين أفكر فيك.
ما أجمل تلك الأيام و ما أنقاها !
من قال أنّ جرار الذاكرة لا تمتلئ بغير الأحزان، و لا تختزن سوى الدموع و الآهات..؟
كم نظلم الذاكرة و في مجلّداتها، دائما، فصل واحد على الأقل ربيعي، وردي، مضيء…مشرق، و جميل في كل شيء، حتى في أحزانه.
ذلك كان فصلك.
أليس غريبا هذا الحنين إلى ماضينا يا صديقي ؟ ولماذا يظل الماضي حاضرا فينا، يأخذ كل هذه المساحة من تفكيرنا و شعورنا و أبجديتنا، فنكتشف أنّنا نحياه أكثر من مرّة واحدة.. نجتره ونستذكره و ندوّنه…غريب أنّنا لا نكتب كثيرا عن المستقبل، لا وجود للمستقبل إلا في قصص الخيال العلمي ! ليس سوى الماضي، نستعيد أحداثه، ننبش في زوادة الذكريات بحثا عن بصيص حب نقيّ أو لحظة مشاعر بكر صادقة.
لم أكن مهيأة لاستقبالك.
كنت أقف في الشرفة، أطالع وجه القمر، و أبثّه وجع قلبي من الزمن القبيح حين خطرت على بالي وبدا لي أنّ فيك شيئا من القمر، نعم، فيك منه، في علوّه وترفّعه، في سكونه وغموضه، في لامبالاته بالظلام، لأنّه لا يعرف سوى أن يكون منبعا للنور.
رأيت ذكراك، يمامة بيضاء وديعة ناعمة، تحطّ على شبّاك روحي، بكل هدوء، وسمعتني أناجيك و قلبي يسألني عنك..ترى ماذا فعلت به الأيام ؟
جميل الذي كان بيننا يا صديقي…و لكن، هل كان حبّا ؟ مشروع حب لم يكتمل؟ تقاربا روحيا ؟ صداقة أدبية ؟ مراهقة من نوعٍ فريد ؟ لا أدري…
سخيف هو السؤال…أليس كذلك ؟ سخيف لكونه بلا جدوى، و أيضا لأننا دائما نكدّر صفو الذكرى بغيم الأسئلة..
لا أفهم لماذا نصرّ على خنق مشاعرنا بحبل التعريفات و التفسيرات ؟
لماذا نصرّ على التسمية ؟
لا يفقد الأشياء جمالها، يا صديقي، مثل الرغبة في حشرها داخل مسمىً ما.
مهما يكن الذي كان بيننا فقد كان استثنائيا، ممنوعا من التكرار ربما لأنّه كان انسانيا في المقام الأوّل أو لأننا كما كنت تقول “.. يحب أحدنا الآخر بالفكر رغم أنّ الحب من وظيفة القلوب. ”
هل تصدّق أنك الآن معي؟ و أنني أراك بكل وضوح رغم السنين و المسافات؟ أرى قامتك الفارعة وجسدك النحيل، عينيك السوداوين العميقتين، شعرك الأسود الكثيف، وجهك الأسمر و ابتسامتك المعبّأة بالمعاني والتي كانت دليلا على مزاجك… كنت أدرك من شعاعها ما إذا كنت تضمر الحزن أو الفرح أو العتاب أو الشوق أو تخفي رغبة ملحّة في البكاء.
في لقائنا ما قبل الأخير..بعد فترة من البعاد… مددتَ يدك إليّ بدفتر و بحزمة رسائل..لم أفهم.
قلت لي…
“هذه رسائلك إليّ… هي كنزي…إنها عندي أغلى مما كتبت ميّ لجبران أو سيمون ديبوفوار لسارتر، لذلك أخشى أن تضيع مني في زحمة الأيام.. أرجوك دوّنيها بخط يدك على هذا الدفتر…و سامحيني..ربما ستؤلمك بعض التفاصيل، لكن هي فرصة لكي تعرفي كم كنا رائعين..”
ونقلت كل رسائلي إليك بخط يدي على صفحات الدفتر..
وكتبت لك…في ذيل الصفحة الأخيرة :
آخر ما يمكن أن أقوله :
يا رفيقي كل شيء بقضاء
لا تقل شئنا فإنّ الله شاء.
في لقائنا الأخير…مددتُ إليك يدي بالدفتر..كنت أنظر في عينيك، في التماعة الدمع فيهما، و كنت تنظر في التماعة الخاتم في اصبعي..
ثم غصصت بالعبارة..
“إذا… اتّخذت قرارك؟ المهم أن تكوني سعيدة و أن تكتبي دائما و لا تنسي…حياتك غالية جدا عندي و لو في يوم أردت بيعها سوف أشتريها بكل ما أملك… و ما لا أملك. ”
وافترقنا على يأس…اللقاء .

مجموعة سكوت..

السابق
شهيد
التالي
اجتثاث

اترك تعليقاً