القصة القصيرة

هنا المجدل

.. في شوارع المدينة الكبيرة كان يعدو في كل اتجاه وهو يصرخ بصوت مدوٍ مجلجل يتردد في جنبات الأرض وأرجاء السماء :
” أين بيتي ؟؟!! .. ” أين بيتي ” ؟؟!!..
يتوقف السابلة عن مواصلة سيرهم .. ينظرون نحو الرجل بنظرات الحزن والأسى .. يهزون رؤوسهم أسفاً وتأثراً .. وهم يدمدمون ويهمهمون :
” مسكين .. لقد فقد عقله ” ؟؟!! .
.. لم يكن طفلاً ولم يكن عجوزاً .. فلقد كان شاباً مكتمل الرجولة .
.. لم يكن رث الثياب حافي القدمين منكوش الشعر .. فلقد كان وسيماً أنيقاً يرتدي أرقى الملابس وأفخمها .. ويسرح شعره الطويل الأشقر بعناية وذوق رفيع .
لم يكن متشرداً أو صعلوكاً .. فلقد كان رجلاً فاضلاً ابن أسرة وعائلة عريقة لها المكانة والمكانة في قلوب الجميع .
لم يكن جاهلاً أو أمياً .. بل كان متعلماً ومثقفاً .. ولم يكن عاطلا عن العمل .. بل كان من كبار أصحاب الحرف وممن يحذقون فن التعامل مع حرفة النسيج التليدة .
إلى جانب تلك المهنة التي كان يحترفها ويمتهنها ( صناعة النسيج ).. كانت له هواية راقية .. فقد أنشأ في بيته الكبير في المدينة الكبيرة حجرة خاصة به .. وضع بها أجهزة لواقط ومكبرات الصوت .. بما يشبه محطة الإذاعة المحلية .. حيث كان يتولى الإذاعة من خلالها لأهل القرية لعدة ساعات في اليوم يسرد فيها ما تناهى إلى مسامعه من أخبار وأنباء .. وحوادث ومناسبات في المدينة الكبيرة ( المجدل ) .. ويقوم برفع الأذان في مواقيته ومواعيده المحددة … وقد أطلق على محطته الإذاعية المحلية تلك .. اسم ” هنا المجدل ” ..
ورغم كل هذا وذاك .. كان يجري في شوارع وطرقات المدينة الكبيرة وهو يصرخ بأعلى صوته :
” .. أين بيتي ؟؟!! ؟؟ أين بيتي ؟؟!! ” ..
* * *
… عندما استولت العصابات الصهيونية ( في حرب المهازل ومهزلة الحروب ) .. وما سميت بـ ” النكبة ” فيما بعد .. والتي حدثت إبان العام 1948 م .. كان الشاب اليافع يفر من المدينة الكبيرة ” المجدل ” إلى الجنوب مع عائلته طلباً للنجاة إثر تلك المجازر الدموية الوحشية البشعة التي ارتكبها رجال العصابات الصهيونية بحق المواطنين الآمنين العزل في المدن والقرى في شتى أرجاء فلسطين ..
كان لا يزال شاباً يافعاً وفي مقتبل العمر حينئذ .. ترك مدينته وبيته مرغماً مكرهاً – كما الكثيرين – ..
.. يومها .. بكى بكاءً مراً أليماً حتى تورمت عيناه وهو يغادر البيت الذي ترك فيه أجمل ذكريات الطفولة والصبا والشباب والرجولة المبكرة .
بعيداً عن المدينة .. بعيداً عن البيت .. كان يعيش على الذكريات الجميلة .. ويعيش الأمل في كل لحظة .. الأمل العريض بالعودة لمدينته .. لبيته .. لمحطة الإذاعة خاصته ..
.. بعد عقدين من الزمن … كان أول من قام بزيارة مدينته السليبة .. وزيارة بيته الأثير .. إثر تلك المهزلة الثانية التي حدثت .. واحتلال عصابات العدو ومن جديد لبقية فلسطين .. وأجزاء من بعض الدول المجاورة .. فيما سميّ فيما بعد بـ ” النكسة ” ؟؟!!.. في الخامس من يونيو سنة 1967م.
أحس بأن حلمه قد تحقق ( رغم المرارة الشديدة بالهزيمة الجديدة المرة الأليمة ) .. أحس بأن حلمه قد تحقق أخيراً بالعودة لمدينته .. والرجوع لبيته .. والعودة لمحطة الإذاعة المتواضعة خاصته .. ومصنع النسيج التليد خاصته … حيث مرتع الذكريات الجميلة .
عندما دخل المدينة السليبة .. ووصل إلى مكان بيته .. شعر بالراحة النفسية تغمر روحه ونفسه وقلبه … راح يستنشق عبق البيت وأريج الذكريات بسعادة .
طرق باب المنزل عدة طرقات .. خرج له رجل أشقر اللون والشعر .. ضخم الجسد والرأس … نظر نحوه شذراً .. سأله بلغته العبرية عما يريد ؟؟!! ..
الرجل كان يعرف التحدث بتلك اللغة الدخيلة .. فأخبر الرجل السمين الأشقر الضخم بأن هذا البيت بيته .. وأنه كان قد تركه قسراً منذ عقدين من الزمن مكرهاً .. وأنه يريد شراء البيت من جديد وبالثمن الذي يطلبه الساكن الجديد .. مع أنه بيته وبيت أبيه وأجداده أصلاً .
الرجل الأشقر السمين الضخم لم يرد بحرف .. أطرق طويلاً .. لوى وجهه .. زم شفتيه بامتعاض .. تفوه بكلمات قليلة بتجهم :
” غداً تأتي إلى هنا لكي نتفق ” ؟؟!! ..
لم ينم ليلته تلك بطولها … فقد بات يعيش الأمل من جديد .. فها هو الحلم خاصته سوف يتحقق .. في الغد .. بعد عدة سويعات من الوقت فحسب .. وذلك بعد طول انتظار دام لعقدين من الزمن …
.. في الصباح الباكر … كان يتوجه مباشرة نحو مدينته السليبة .. وبيته المغتصب .. وهو يحس بأنه يكاد أن يطير في السماء من الفرحة .. ويحلق بين الطيور وحتى النجوم.
في جيوبه العديدة .. كان يحمل النقود الكثيرة .. كي يقوم بدفعها ثمناً للبيت المغتصب للرجل الأشقر السمين الضخم والذي كان يتحدث بتلك اللغة الدخيلة ..
وفي قلبه .. كان يحمل الأمل العريض بالعودة لبيته .. مرتع ذكرياته التي كانت …
… في البداية .. أحس بأنه قد أخطأ المكان ؟؟!! .. فلم يعثر على البيت ؟؟!! أو أي أثر له .. وكأنه تلاشى .. كأنه تبخر ؟؟!! .
دار حول نفسه في المكان عدة دورات .. تأكد تماماً بأنه لم يخطئ الهدف … فالمكان هو المكان .. ولكن البيت تلاشى كما يبدو .. وللأبد .. كما هو الحال بالنسبة للبيوت الأخرى المجاورة ؟؟!! .
عن بعد .. كان يتناهي لمسامعه صوت هدير ” جرافة ” ضخمة تهدر في المكان بصخب وضوضاء … تزيل ما تبقى من ركام البيت والبيوت المجاورة وتسويها بالأرض ؟؟!! ..
راح يدقق النظر بشكل جيد في وجه سائق ” الجرافة ” الضخمة .. لم يلبث أن تأكد تماماً وبما لا يقبل مجالاً للشك بأنه نفس الرجل … الرجل الأشقر السمين الضخم .. الذي يتحدث باللغة الغريبة الدخيلة ؟؟!! .
الرجل الأشقر السمين الضخم راح ينظر نحو الشاب بسخرية وهزء وشماتة .. وراح يقهقه عالياً .. كشياطين جهنم ..
الشاب الذي كان قد أتى لاستعادة بيته وشرائه من جديد .. بهت .. شده ..أحس بالدوار العنيف .. بالغثيان ..
راح يخرج رزم الأوراق النقدية من جيوبه ويطوح بها في الهواء .. في السماء … في كل مكان ؟؟!!
راح يصرخ بجنون بصوتٍ مدوٍ:
” أين بيتي “”!! .. أين بيتي ؟؟!! ” ..
حانت منه التفاتة نحو الأرض .. تأكد بعدها وبما لا يقبل أي مجال للشك بأن المكان هو مكان البيت … فلقد رأى ” اللاقط ” و ” الميكروفون ” .. ” مكبر الصوت ” خاصته .. وهي كل ما تبقى من أطلال البيت ومن بقايا أطلال ” محطة الإذاعة المحلية ” خاصته .
بهت من جديد .. شده للأمر .. صمت للحظات .. سالت الدموع الغزيرة من عينيه .. التقط الأشياء المبعثرة عن الأرض .. راح يصرخ بقوة عجيبة من خلالها :
” .. هنا المجدل … أين بيتي ؟؟!! ” ..
صوته المدوي يطغي على صوت هدير محرك ” الجرافة ” الضخمة .. وصخبها الجنوني .. ويطغي على تلك القهقهات الشيطانية التي كان يطلقها الرجل السمين الضخم الأشقر …
صوت الرجل ومن خلال مكبر الصوت يتردد في جنبات الأرض وأرجاء السماء :
” .. هنا المجدل .. هنا المجدل … هنا بيتي .. هنا بيتي ” ؟؟!!

السابق
رقابة
التالي
مواسم الحصاد

اترك تعليقاً