القصة القصيرة

والسُّؤالُ يَتَدَلَّى

، تنتفض النَّشْوَةُ في الأوصالِ..الذكريات تنحدِرُ من الماضي شلالا..أتثَاءَبُ..أضحك بنعُومَة لذِيذة، هم يرحلون.. يبكون.. يتألمون. على شَفَتَيَّ أخذَ يَتَدَلَّى السُّؤَالُ كنبْرَة حَنينٍ..! أعْصُر ذاكِرتِي بِقُوَّة.. أصْرُخُ مُعترفًا: أنَا بَعْضٌ من ذلك الصَّخَبِ..!
1- رنوتُ بعيدًا..رَجَوتُ الفَجْرَ أن لاَيَنْبَلِجَ، أن لاتعبُر أنوَارهُ الغيُومَ، هذا لايعْني أنِّي مُتشائمٌ أو مُحبَطٌ.. كلا .. الحَيَاةَ سَتَنْتَهِي غَدًا أو بَعْدَ غَدٍ..إن أردتها كانت وإن رفضتها كانت، دَاهمتني رغبة جامحَة في البُكَاءِ، ورَغْوة من الحنين، وأنا اسمعُ هذه الخطب الرنّانة والمواقف المخجلة وفتوى النيتو وتكبيرات النصر، فأرمِي بدمْعَة واحتفظتُ بكلِّ الدُّمُوع..البُكاء صار يبكي على البُكاء، الدُّموع مرميَّة على قارعَة الطريقِ، تبحثُ عن من يُجَفِّفُ منابعها؛ طواحِن الأسئلة الهادرة تهدْهِدُ على الكلمات تريدُها أن تصرخ، تنتفض النَّشْوَةُ في الأوصالِ..الذكريات تنحدِرُ من الماضي شلالا..أتثَاءَبُ..أضحك بنعُومَة لذِيذة، هم يرحلون.. يبكون.. يتألمون. على شَفَتَيَّ أخذَ يَتَدَلَّى السُّؤَالُ كنبْرَة حَنينٍ..! أعْصُر ذاكِرتِي بِقُوَّة.. أصْرُخُ مُعترفًا: أنَا بَعْضٌ من ذلك الصَّخَبِ..!
2- أنا الذي تمنيْتُ أن تأتي السَّنوات العِجاف، ودعَوت الله أن يُهلك الحَرْثَ والنَّسل، فيضطر الفلاحُون الفقراء إلى بيْع مايملكون، فاشتري أراضيهم وماشيَّتهم بأبْخس الأثمان، ثم أجبرهم على تزويج بناتهم أو تسخيرهن خادمات في البيوت، أنا الذي بحَّت حُنجرتي تأييدًا، واحترقت مشاعري من أجلهم، فجأة..التفت يمنة ويسرة كالمفجوع، فوجدتُ نفسي كالصفصافة وحْدي في منحدر تعزف على أغصانها عواصف الخريف، تنساب الذكريات كابوسًا من الغموض تملأ أفقي الفواجع..تنهمر الدموع على وجنتيَّ فأزيلها بطرف كمي دُون أن اشعر.. رُحْت..الْهَثُ خلف السَّراب..ولا سراب لاتضيع في متاهاته الفُرص، ابتسامات البراءة صارت ذِكرَى، تساءلت لماذا رموا يوسف ذات تاريخ في الجب؟ لماذا قتلوا محمد الدرة؟ من قتل شيخا طاعنا في السن يُدير حلقة علم؟ لعلهم كانوا يصنعون الحيْرة والأحزان والفواجع في ثوراتهم، ويُحضرون لزمان يُخطف فيه الأطفال تشفيًا وانتقامًا، بصواريخ الغدر والفتنة يدكون العمران، فيردم الأحياء تحت الأنقاض، أطفال اليوم لايباعون وإنما يقتلون ثم يرمون في المزابل؟ لماذا الأطفال مُستهدفون كالعلماء؟هيَّ عولمة الأطفال أم قتل الحياة..! في الأمر سِرُّ بل أسرار؛ يريدون من فرعون أن يعود فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم؛ رحل فرعون العابث وبقيت زمرته هنا وهناك..تفسد..هم يخافون من التغيير.
3- آه..التغيير يجتاح البيوت كسيل العرم.. في بيتنا المنهوب أجد من يتشهى أن يَعُود إلى الماضي، يتشهى البداوة العذراء والعيش في الخيام، ينتعش برشة من عَطن الإبل وروث الدواب، يستقبل القطيع ويرحل في المتاهات، يخرج من خيمته ليعرض نفسه للبيع، يتمنى أن توهب له الْحُور العين “.. والتمني مقابر الحمقى..” عَربد به الجهل فانتفش مخدوعًا، وصاح: على شاطئ دجلة هم ينتجعون، تبكي الفرات غربتها، يتناسل الحُزن في الشام، في مصر الفقهاء أفتوا بتدمير الشام وهم يجلدون يجلدون الذات بالمليونيات، ومن قبل أفتوا للتحالف وللنيتو، في الشام حِكايات ترويها الجدات النائحات، على حروف أسئلة الأطفال سنحيي ذكرى الرَّحيل، جاء البؤساء الملثمون، حُفاة عُراة يحملون الموت، هذه فرصة لتهويد القدس، في مطلع كلِّ شمس نفتِّش عن بيُوتنا، في المساء نحتمي ببقايا الأطلال ننتظر الهول، رحلت الأماني وتلاشت هباء، أوغادٌ ينهشون لحم صبيِّ وأشلاء الأمهات فرْجة للصعاليك، يانبض الفُؤاد رُويْدك..عند اللقاء نرتدِي ثوبَ الأحزان ونحتضنُ تربة الأوْطان لنكتبَ على الأطلال ولا نهْدأ بنوْم، مانسي الزمان فواجعنا وما ننساه، السُّؤال يبقى يتدلى حابلا بالهُموم، لماذا النُّفوس تُعرض للبيْع؟ لماذا يَنقادُ الكل لجلادِيهم ويرضى الجميع بخراب الديَّار؟ من هول ما أسمع وأرى سأبقى مُحْتفظا بحقِّ البكاء إلى حين.

السابق
وقالت ريحانة جدّف
التالي
طيف الأصيل

اترك تعليقاً