القصة السلسة

وداعا…سانتا ماريا (1)

إلى شهداء الربيع العربي

أحن للبحر… حين يتجشأ عبيرا بنكهة القريدس ممزوجا بالرذاذ المالح القادم من الأعماق، وأشتاق … وتشتاق نفسي لهدهدة الفلك ساعات سجو الموج في صدر القيظ وآناء سكون الريح والقطرس أسرابه ناشرة أجنحتها في المدى من فوقي، كما أتوق للغفوة أصيلا مستندا الصاري تؤنسني قعقعات النوارس الجاثمة على الجؤجؤ؛ وهي تدبر مشاريع العودة إلى الشواطئ البعيدة لكن…السواحل أبت أن تلفظني؛ إنها تشدني لها وكأني… بَضعة منها…
في قراراتي تتولد طردا ودون توقف رغبةُ جامحة في الإبحار … في معانقة الآفاق الآبقة بين زرقتي الأفق والماء ، فأنساق لها طوعا وكرها، يحثني الشوق إلى ذوي القربى والبعدى ، ويدفعني افتقادي لجغرافية فريدة لا مثيل لها إلا حيث وطني؛ بيد أني ما أن ألامس الصاري أو أشد بيدي على موجه الدفة حتى تسكن يديّ رعشة ، وتساورني دوخة ، ويجتاحني وهن فظيع يقعدني أرضا وأنا غارق في يم من العرق البارد… فأتراجع القهقرى خائبا إلى حيث كنت…
ذا الحال الغريب صار ينتابني ـ أنا الملاح الدرب الذي عرك البحر وعركه ـ منذ أن جنح مركبي (العنقاء) على هذه الجزيرة الملعونة ذات فجر؛ بعد صراع ضار ومرير بين عباب موج جائع وريح عاتية وأمطار طوفانية ما عايشت لها ـ في حياتي البحرية ـ قبيلا؛ فصرت إذاً مأسورا بين خلجانها لا أقوى حتى على المشي فوق المويجات المنحسرة على سواحلها أو أعفر ـ في عز القيظ ـ يديّ برمالها البليلة استحلابا للرطوبة والانتعاش ساعات الظهيرة بل، صرت بلا عزيمة ولا إرادة ؛ مسكونا بخوف ممسك بتلابيب مهجتي، كامن يطفو لدى كل فجر وليد ؛ لا تتلاشى حدته إلا عند الهجوع، خوف ينتصب كمسلة ينسل من بين كل قطرة ماء يسوقها قطر أو ضباب أو رذاذ موج غاضب …خوف كرّهني القطر… بل الماء في كل تجلياته حتى بت لا أستحم إلا وأنا مخمور…
كل من كان معي من الملاحين تدبروا أمرهم وغادروا، حين يئسوا من حسمي وضاقوا من تلكؤي، وتركوني عائدين رغم ما كان بيني وبينهم من أواصر الملح وعلاقات القائد والمقود؛ ورغم إغراءاتي الجزيلة لهم مما تحصل لي من خير البحر، ورغم … ورغم كل محاولاتي بإقناعهم بأن حدسا في داخلي يوحي لي بأن الرياح التجارية لن تعرف إلا استقرارا نسبيا هذا الموسم كما هو مألوف خلال السنوات الكبيسة لكن… لم افلح.
هكذا على حين غرة ألفيتني ذات يوم على أرض غير أرضي وبين قوم لا يمتون لي بصلة عدا صلة الإنسية ولغة ركيكة رشفتها كلمة ، كلمة على أبواب مرافئ العالم ؛ عالقا بين الإقبال والإعراض، لا قرار لي ، ممزقا بين النكوص والعزم ، بلا جرأة ولا حسم، ضائعا وحيدا بلا سند أمسح الفضاء طولا وعرضا أنّى عذت بنفسي علني أجد بين أبعاده بويْبا أنفذ من خلاله هروبا من هذه الهاوية؛ أو سببا يفك عقدتي ويعافيني من فوبيا بلل تحول دون خلاصي …

1
طال الأمد فغدوت أبيت الليل أصارع السهد ، أنسج من خيالاتي منافذ للعودة وبوابات مشرعة بلا عسس للهروب إلى أن يتلقفني الكرى خلسة لدى مشارف الفجر ليرميني الصحو ضحى على الشاطئ منهارا تطوقني أكوام هسهسات ليل تتفتت هباء…تباعا تحت ضياء النهار.
حسرة و ارتباكا، أجدني ـ بطريقة آلية ـ قد أشعلت سيجارة ومن عقبها ثانية …فثالثة ؛ اعتقادا مني أن ترسم ـ لي ـ كميائياتها ـ مخرجا من دوامتي أو تمدني بمفتاح يعيد فتح بوابات الهروب لكن …لا شيء يطالعني غير شبح الخوف، وإحساس بانمحاء روح المغامرة والحسم في ردود أفعالي …
أحاول أن أتمرد على ذاتي ناكرا استسلامها وخنوعها لأهواء وهواجس مجهولة تحول دون انطلاقي و انعتاقي فأجِدُّ خالقا من انكساري ووجلي وترددي بل من كل طاقاتي السالبة فيضا من العزم أحرر به مراسي السابتة في قرار اليم فما أجني غير الوجل…غير الوجل .
هروبا من وضعي القلق وبحثا عن متكإ أعتضد به لاستعادة توازني الروحي والنفسي وحفاظا على سلامة عقل لي بات قاب قوسين أو أدنى من الجنون، عودتني المشي ـ على غير هدى ـ كل صباح هائما بين عوالم هذه الجزيرة، استنطق جغرافيتها “الفونا والفلورا ” كلتيهما .
قد كنت أتفحص الطير عند وقعه وطيرانه وأدقق في ألوان ريشه وأشكال مناقيره… أما العشب فلم يستهوني قط؛ كان رتيبا، سواده سرسخ وبعض أشجار البنسوان بزهره القاني المنبث هنا وهناك والذي كان إلى حد بعيد يكسر من مضض رتابة المشهد.
طالما كنت أحس ـ وبكل كل يقين ـ أني على كوكب آخر غير الأرض أو اني في دوامة كابوس رتيب سرمدي خاصة حينما كنت اصادف في طريقي من زواحفها أشكالا غريبة يصعب حتى تصورها… لكن، سرعان ما كان يتبدد إحساسي هذا حين ألمح ـ عن قرب ـ طائر الدوري ـ طائري المفضل ـ ولو بحلة مخالفة قليلا لما عهدته عليها يحوم حولي، فأشعر حينئذ بالأنس والسلوى.
في الغالب… حينما ينال مني الوعث والصخر المسنن أكون قد أشرفت على طرفها وصرت معتليا أعلى تضاريسها، هضبة تتناهى على شكل جرف سحيق يلطم الموج مدا وجزرا أقدامه يستوطنها خميس عرمرم من الأطيش(1) أما علاها فاستأثرت به جموع من طير الفرقاطة وفلول من النوارس القمامة وعدد يسير من طيور الكركر والنسور.
أول يوم لاقتحامي لها استفزني نتنها…
فخليط السلح والبيض الفاسد ؛ وصور الموت والحياة المتنطعة في الأرجاء بين بقايا العظام وجسوم الطير والهوام الهائمة والمتفسخة على بعد متقارب… والريش والأعشاش الفائرة بالفراخ كان له ريح تعافه النفس وتأباه بل، يهز الجسد هزا ويدفعه قهرا ليرجع كل ما في أحشائه حتى العصارة…دفع بي لأعود ادراجي لكن، توقي للهروب من الرتابة وغريزة حب الاستطلاع المتوقدة بي جعلاني أتحمل وأثبت في مكاني ـ رغم الوهن والعفن ـ ضاغطا على بطني بيد وبأخرى على فمي خوفا أن أرميَ أمعائي بعدما أرجعت كل ما جادت به معدتي من بقايا هضمي…
انتصبت متحديا الالم ، وطفقت أشق طريقا وسط مملكة الطير…
لم ألق ترحيبا عدا النقر المتواصل على رجلي كلتيهما وساقيّ ؛ و رفسا على كتفي من طيور أكثر شراسة وجسارة مما أرغمني على التعجيل بالخروج والوقوف على حدود المستعمرة واكتفي باستطلاع المشهد الرهيب .
استعظمت البانوراما… كبرها واستغربتها كظاهرة وشرعت ـ على مهل ـ أمسحها طولا وعرضا ، وكأني أراها لأول مرة ؛ رغم لصوقي بالبحار وشطآنها سنين طوال …
ولما البياض الرتيب أرهقتني نصاعته، عذت بالبحر الممتد أمامي في المدى لأريح بصري على بساطه الأزوردي؛ فاتفق ان كان وقتها دنافيل تتقافز جذلى هناك، وهنالك ، ولفيف من أرماث على مشارف الأفق يصارع نواتيها موج البحر وبطش لجه القامس؛ مما خلع على رحابة اليم الرتيبة غلالة من السحر والجمال… اضجعت نفسي القلقة على نسيجها وساخت بين ثناياه فاعتراها دفء هدأ من قراراتها الراجفة، فأحسست عندئذ ـ ولأول مرة ـ أني موجود…أني حي… في غربتي ! وما أن انكفأت على جانبي دونما أدنى قصد مني حتى تبدى تحت نظري المرسى الطبيعي المنحسر بين الحيود المرجانية وهو يكاد يضيق بمراكب ـ على قلتها ـ راسية في فوضى عفوية ؛ ورغم المسافة وعيني الكليلتين من حد السهد تبينت بسهولة وسط الأفلاك مركبي، و حتى مرساتيه المرخاتين على جانبيه. كم افتقدته ! لعله ، هو أيضا افتقدني وافتقد أديم العباب الثائر حين يشقه… كما لم أجد صعوبة في التعرف على الدساكر المنبثة على امتداد الساحل ولا على تلك المتوغلة داخل الأحراش بل، ميزت بوضوح حتى مقهى سانتا مارية من خلال شكله ولونه حيث أقضي بعضا من نهاري و كثيرا من ليلي…
وجدت ذا المشهد اللامتناسق، الجميل ! سجنا وعناصرَه قضبانا تعصرني داخلها، وذاك الاحساسَ الجميل الذي غمرني بفيضه ـ قبل قليل ـ وتشربت نفسي الكئيبة زلاله فانتشت…إلا إباقا لحظيا سرعان ما انمحى لدى تذكري أسري القسري… وحلت محله غمامة حزن ظلت تتعاظم داخل صدري ما فتئت حتى تفجرتْ صرخةً ملء فمي: ” فك أسري أيها الرب “.
تحت شجرة ” بنسوان ” حانية الأغصان ؛ ارتميت ـ استرواحا إلى ظلها واتقاء لفح الشمس الاستوائية المتسللة من خلال ضباب في طريق التلاشي … ـ ثم غفوت وقتا ليس بيسير ، ما تنبهت منه إلا إثر شد على شعري ونقر او طرق على رجلي …وحين فتحت عيني وجدتني محاطا بأكثر من طير.
رويدا ، رويدا استويت جالسا واستندت الجذع حتى لا أفزع زواري فينفضوا … وجعلت أتأمل المناقير الصفراء والأجنحة الناعمة المنسدلة على الخوافي ،فالأرجل الكفية القانية والعيون الفاقعة المحدقة بي ؛ عيونا لا تطرف ولا تميل وإن همت إلا لتتصدى لكل غريب عن السرب . ارتعبت ارتعابا منقطع النظير ازدادت حدته حين وجدتني استحضر مشاهد تحفة هشتشكوك: ( الطيور ) بكل تفاصيلها مشهدا، مشهدا وكأني بالكاد رأيتها…لكن سرعان ما تبدد هلعي حين سعت الجموع لحالها وظل بعضها رابضا بالجوار دونما اهتمام بي وكأني جزء من عالمه، آنئذ ترجلت في تؤدة وجست خلال الأعشاش …فكنت أمسح ـ احيانا ـ على رأس ساكنيها أو ارجع ما تناثر من حجرها وقشها أو أعيد ما ضاع من فراخها إلى مكانه أو أدود عن أخر من الهجمات الفضائية للكاركر والنوارس… من دون مبالاة بما كنت ألاقيه من نقر تتفاوت حدته بتفاوت وضعية صاحبه ولا مهتما بمخالفة قوانين الطبيعة والغاب الأبدية ، وما فتئت كذلك حتى اشرفت على نهاية المملكة حيث الجرف السحيق يغسل رجليه منذ الازل وهو ينشد نغمة الصراع الأبدي بين اليابسة والبحر…
عدت أدراجي بعد حين والشمس مائلة للغروب حثيث الخطى خوفا ان يباغتني المغيب بظلامه فأتوه،وأضل عن طريق العودة الملتوي…
2
هكذا بات ديدني منذ أن اكتشفت الانشغال بالطير نافذة أهرب من خلالها إلى فضاء لا محدود ولا رتيب ، بدد بتنوعه سحب كآبتي وأقبر إلى الأبد كثيرا مما كان يربطني بماضي وتطلعي ،وجعلني مستسلما لا مقاوما ليد القدر الخفية، طائعا لدفع مدها ، وجر جزرها…
فها أنا ـ الآن ـ من جديد ، لدى مساء جديد ، ارتكن مكاني المعهود في رحاب ” مقهى ماريا “بعد عودتي من مملكة الطير وحيدا، لا مؤنس لي، إلا زجاجة ” روم ” من عصير قصب سكر معتق وبروح الفانيلا منسم ، أستحلبها عبا استطوالا لعمرها ،واستمدادا للنشوة المانحة إيايا ، نشوة اهرب عبرها مما تبقى من عالمي القلق.
اليوم على غير عادتي لم أتيمم المقهى عند نزولي من هضبة الطير وإنما عرجت على النزل حيث أقيم ، وأخذت حماما ساخنا، جعلت ماءه ينهمر من فوقي شلالا متحديا فوبيا البلل المالكة أعماقي .
لم أكن مخمورا ولا جسورا بل، لم يكن لي بد ؛ فالطيور كانت ـ اليوم ـ كريمة معي إلى أقصى حد… ! لعلها باركتني او… لعتني ، لا أدري. ! فعلى غير عادتها أمطرتني بسلحها مرات ومرات ؛ مما جعل عملية التنظيف الآني الذي اعتدته صعبا ولا ذي جدوى …وجعل مني كائنا متحركا نتنا لا يحتمل حتى نفسه . ولما استكفيت، لبست بذلة بيضاء فوق قميص أرجواني عضدت ياقته بربطة عنق سوداء واعتمرت قبعة وانتعلت جزمة بعد تلميعها ومن عطر لديَ أفضت الكثير عليً؛ علني أتخلص من خليط الروائح الثقيلة العالقة بأنفي وبثيابي المهملة منذ أمد طويل، وقبل ان أخرج أطللت طلة على المرآة فردت بكل صدق عليّ بوجه قمحيّ اللون زائغ البصر مضطرب الأسارير غير ان اللحية الكثة الرمادية أرخت عليه اعتدالا…
هندامي غير المألوف لدى رواد المقهى جعلهم ينظرون إلي بشكل ما عهدته عندهم بل، صاروا يتهامسون ويومؤون ـ خلسة ـ نحوي. اتقاء لنظراتهم المستفزة استدرت كليا جهة المشربة فصادفت السيدة ماريا من ورائها تحدجني هي الأخرى وكأنها تراني لأول مرة، وما أن أدركتْ أنّا صرنا وجها لوجه حتى افتر فمها عن بسمة كسرت من تقاسيم محياها الصارمة، أتبعتها بقبلة هوائية ؛ رددت على التحية بإماءة رأسية وببسمة حاولت أن تكون معبرة عن مشاعر ودي واحترامي، ورسولا لامتناني اللامتناهي..
3
أنى ، وأيان رأيت هاته المرأة او خامرني طيفها أتذكر جنوح مركبي على هذه الجزيرة وعلوقه بين حيودها وهو يترنح ذات اليمين والشمال تحت صوط الرياح الهوجاء ولطم الأمطار الطوفانية، وأستذكر ـ مستعجبا ـ نظراتها الغريبة لي و يديها الدافئتين على وجنتي وقبلتها الحارة على جبهتي وهي تبارك لي نجاتي وتهنئني على سلامتي.
فلولاها لمُزق المركب ـ مركبي ـ إربا، إربا والتهمني اللج ومن معيَ أولا فقروشه،
هي من دفعت برجالها إلى غوثنا رغم خطورة الموقف، و استحالة المهمة ، وهي من أضافتنا حتى تيسر لنا أمر المغادرة. لكن… لم يكن لنا ذلك…بل لي !.
تحكي الجزيرة: إنها يوم زواجها وعدها خطيبها ” انطونيو” أن يقدم لها ثلاث درر بحجم عين بوم مهرا لها واعترافا له بحبها، فبكر مبحرا، لكن … لم يعد غير رمثه مهشما على الشاطئ ، فظلت المسكينة ـ رغم ضآلة الأمل في عودته حيا ـ تنتظره ملازمة الساحل، عيناها لا تفارق البحر.
للمبيت وللاحتماء هي ومن معها من حر شمس الظهيرة العمودية والأمطار المفاجئة ابتنت عريشا …
ومع توالي الايام أخذ الأمل يتلاشى واليأس في القلب يكبر ويكبر وعلى الشاطئ ، العربش يتسع ويتسع حتى أضحى مقهى تُشد إليه الرحال من كل حدب وصوب…
تناست ـ إذا ـ ماريا حبيبها انشغالا بإدراة مقهاها وزهدت في الزواج وردت كل طالب يدها حتى سميت :” بِسانتا ماريا ”
صار الرجال كلهم يجلونها ويكبرون فيها وفاءها إلا تشيكو ظل يراودها ، ويراودها لتقبل به زوجا بيد أنها ما لانت ولا عنت رغم انه تمرغ في ظلها وجثا على ركبتيه مقبلا رجليها ؛ ولم ييأس إلا حين قالت له بكل صرامة :« لن اقبل بديلا لانطونيو ولو بالقمر ماشيا ».
بعدها أضحى ـ المسكين ـ قريبا منها مثل ظلها لا يُرى إلا مترنحا نصف صاح متبطئا زجاجة خمر …
لم يكن يقترب مني كان نظره إليّ ـ ابدا ـ شزرا منذ حلولي ، وازداد لما لا حظ معاملة ماريا المميزة لي وتوددها ؛ فغالبا ما كانت تجالسني لنشرب معا كأسا او كاسين وأحيانا تقاسمني حتى سيجارتي رغم انها لا تدخن إلا لماما ….

4
أخذت الخمرة تفتح مغالق البهجة في روحي وتغشى كمياءها كياني باذرة في كل منطقة إحساس مني خدرا أثقل ـ بعضه ـ جفني وشوش من رؤيتي وسمعي فبت لا أميز من وما حولي، وغدا حديث رواد المقهى وجلبة المقصف عدا ضجة مبهمة تائهة بين هدير الأمواج المتلاطمة على الشاطئ الصخري المنسل من خلالها كنسيم بارد ليلة صهد لا يحتمل يطرق سمعي…
أنا رجل عندما يبلغ عندي الانتشاء ـ مُداما ـ ذروته يتعاظم داخلي الأمل ، وتغمرني موجة من السعادة لا حدود لها، وأضحي أحب الحياة والإنسان وأسمو فوق كل عُقدي حتى تنتفي ، وتزيد درجات الجسارة عندي لتتحول إلى تودد وانفتاح عن من حولي. وقد أغني وربما أرقص … و لأحافظ على هذه الدرجة من الانفعالات ثابتة أتوقف عن الشرب وأجعل أدخن على مهل لا غير.
تبعا لعادتي هذه ، دفعت بقنينة الخمر مبعدا إياها عني ثم مددت رجليّ مدا وتراجعت وراءَ مرخيا كل حملي على ظهر الكرسي و شرعت أحشو غليونا لي وجدته ـ عَرَضا ـ صحبة تبغ هافاني داخل جيب بذلتي المهملة …
الهبت الذخيرة وعببت منها نفسا عميقا؛ وأنا انفث حمولتها في الهواء درت مائة وثمانين درجة وواجهت رواد المقصف جاعلا المشربة ورائي ، وأخذت أمسح الجموع بتأن فردا، فردا أتهجى قسامات الوجوه واستقرئ الحركات انشغالا عن حديث النفس وهروبا من واقعي الرتيب.
لا جديد، الكل غارق في الأكل والشرب والحديث العام ؛ فلا انشغال ثان هنا ،عدا الصيد وأحوال البحر ومشاكل وحلول صيانة المراكب.
فالحياة بسيطة اقرب إلى البدائية ، بله الإرسال التلفزي …لا وجود له. والأخبار لا تتجدد إلا من خلال ما يعرفه المرسى الصغير من نشاط… فهو المتنفس الوحيد ودونه الموت.
وأنا في عز الثمل، سائخ بين تلافيف غيمة من السعادة والسلوى تتخللها ومضات من الماضي القريب والبعيد تتحول غصات وآلاما نفسية سريعا ما تتلاشى تحت إكسير النبيذ القوي إذ … بيد ناعمة تكبس كتفي وصوت انثوي دافئ كرنة مزهر يخترق من ورائي دمدمات المقصف المثقلة بالقهقات واللغو هامسا :
ـ كأن نورسنا قد انفرجت أمامه آفاق العودة وشرع يفرد جناحيه ؟
لن تكون مخاطبتي إلا سانتا مرايا؛ لن ولا أخطئها ، ولن تكون امرأة أخرى غيرها ! فلا أنثى تجسر هنا على ذلك رغم تعدادهن… ربما قسماتي الصارمة وطبعي الانطوائي لا يحمسهن…على الاقتراب مني
استجابة لذات الصوت الرخيم التفتت، فوجدت ـ طبعا ـ سانتا ماريا وهي تطالعني على نحو جديد محمل بالاستغراب وكثير من الاستعجاب .
دونما كلام، أدخلتُ أصابعي بين لحيتي الكثة امسدها وشرعت أتأملها ـ سانتا مريا ـ على طريقتها .
لم ألمح تغييرا اعتراها منذ عرفتها عدا غضون رفيعة تمددت حول عينيها، وما دونها لا جديد… !
نفس التنورة السوداء، ونفس الشعر المعطل المنسدل بالكاد على الكتفين، ونفس الطلعة الكئيبة ؛ هي، هي لا تغيير…
دعوتها ـ اخيرا ـ للجلوس فلبت وهي تعب من كوز جعتها دون أن تميل عينيها عني، ولما استوت قالت:
ـ كأني بك قد عقدت سيور جزمة العودة… أتمنى لك رياحا طيبة ووجهة خلاص آمنة .
ابتسمت ابتسامة سطحية لأكسرمن حدة أسارير سخطي وقلقي ثم رددت:
ـ أو تظنينن أن ” كا لبسو” (2) أعطتني حريتي فأطلقت يدي؟ لا…وكلا فقد صرت ـ أخيرا ـ أرى من خلال عينيها الزبرجديتين عدا قبرا مهجورا بلا شاهدة وسط يباب، تسوره الغربة ويظلله النسيان.
« أه ـ يا ماريا ـ من الموت بعيدا عن الأهل ، حيث لا فاه يلهج بالصلاة علي او يد تلمم ما تناثر من تراب على جانبي رمسي … !»
زفرت زفرة عميقة وهي تربت على ذراعي مواسية وقالت:
ـ لا تذبح خيولك وطولَ انتظارك لجهوزية العربة، فتنغلق إلى الابد كل البوابات… ولا تحزن…وتغتم فرب غد قريب أكرم بمئات الآماسي
ـ كيف ، لا أحزن؟
ونصال الشوق نيران لا تنطفئ . داخلي
تحرقني ، تذيبني جوى ،
لا تخبو ثورتها ولا تخمد.
أحن، إلى أمي، وخبز أمي،
إلى بسمة جارتي من خلف الزجاج
إلى الرفاق…
إلى السنانين وهي تلتاذ بشرفتي
ساعة الغروب.
أحن …وأحن
ويضل الحنين بين الخوف والرهاب،
موجة صدى تتردد لدى كل فياق…
تقاطعني سانتا ماريا بتصفيقة صامتة قائلة :
ـ البارحة عرفتك بحارا واليوم، أجدك شاعرا . ما هذا يا افريكانو؟
وأنا أدلق في جوفي كأسا ملأى نبيذا لأحافظ على درجة انتشاء بدأت تتلاشى، رددت :
ـ لست واحدا ، وإنما هو الحزنُ ـ يا سانتا ـ حينما يزهر بين العيون الجافة ، واليأس لما يينع بين الحواني الكظيمة…
لم ترد ماريا، وإنما ظلت تهز رأسها هزا خفيفا وهي تحدجني حدجا لمحت فيه بريق حيرة وتردد بل أمرا ما تريد ان تفاتحني به.
لم يخب ظني، إذ ما لبتتْ أن سحبت من بين يدي غليوني ، ثم تأملته هنيهة، وعبت منه ما عبت ثم أفرغت الحمولة الدخانية بطريقة استقراطية لا تخلو من غنج وتأنق و قالت سائلة:
ـ هل تؤمن بالبارابسيكولوجي أي …التخاطر عن بعد؟
ـ ثقافتي ضحلة، تنحسر عند الشواطئ وما بين السماء والماء، ولكن بما أن سيدتي تؤمن بها ، فلم لا أعتقدها؟ حتى وإن لم افهم معناها…
تبسمت ثم دفعت لي بغليوني وقامت ثم قالت بصوت بارد:
ـ هيا اتبعني.
كمُنوّم لبيت أمرها ولم أع ردة فعلي اللإرادية حتى تخطيت المشربة ووجدت نفسي وسط دراها.

1 ـ الأطيش أو الأباطروس
2 ـ جنية اسرت اوديسيوس ( الأوديسيا)

السابق
الذات الضائعة
التالي
مهاجر

اترك تعليقاً