القصة السلسة

وداعا… سانتا ماريا (2)

إلى شهداء الربيع العربي

5

كان مدخل البيت متوسط الحجم فقير الأثاث تتوسطه مائدة محاطة بكراس ثلاث ، على طرفها تقعت جمجمة صغيرة ـ ربما ـ تعود على الأرجح لسعدان من فصيلة المكاك؛ وفي الوسط ، وعلى ثوب أحمر، وُضعت كرة كرستالية وصحن صغيرـ على مقربة منها ـ امتلئ عيدانا سمرا من الفانيلا أضاعت في البيت من رائحتها الكثير. أما الجدارن، فكانت مغطاة بورق أحمر فاتح، زَيّنت أرضيته متناثراتٌ من زهور أوركيديا بيضاء ؛ على المقابل ـ منها ـ لغرفة النوم علقت لوحةٌ زيتية كبيرة لأدهمَ جامح ثائر يستعرض فحولته بشكل مثير… وفوق بابها ذاته ثًبتت صورةٌ ثانية لامرأة سمراء، شبه عارية تعوم في ضياء شمس غاربة على اليم الفسيح، تتدثر بغلالة بيضاء تنحسر فوق ركبتيها ولا تحجب إلا القليل من مفاتنها.
النور الخافت، أرخى على المكان هالة كئيبة، وغابة من ظلال، والبناء المحكم من الصخر المُصْمت جاد بصمت مطلق، أخذت تجرح سيادته ـ فجأة ـ رناتٌ رقراقة ، صافية تفيض جمالا وتتفطّر حزنا من قيثارة يواكبها صوتُ ” نتالي كاردون ” وهي تغني بصوتها الرخيم:
معك إلى الأبد.
تعلمنا أن نحبك
منذ ما شاء الله
هناك حيث الشمس طبعت بلونها شجاعتك
هنا ستبقى الشعلة،
سيبقى افق حضورك الشفاف
ايها القائد…(3)
كان المكان ـ كله ـ عائما في رطوبة منعشة جففت منابع عرقي الناضح و يسوده جو ساحر وغريب يأسر الروح بل، يذكّر بهمهمات الهياكل، وهيبة المعابد، وعبق المساجد، رغم بساطته و خلوه من أي مسحة دينية ما عدا… سبحة فسفورية من عُلى عاتق الكرسي تدلت؛ تجتر ما عبّت من ضياء طيلة النهار. لم أشعر أنى، ومتى ـ وأنا بين غمره ـ وسكينة تتنزل عليّ، وضباب الثمل ينجلي عن عينيّ، وكأن لا قطرة مُدام قد بللت شفتيّ، والخوف الساكن قراري يهمد. ودفق دمع يجرح خدي إذ ذكرت الله عرَضا واسترددت روحي الضائعة بين متاهات البحث عن الخلاص.
فجأة، الموسيقى تتوقف ـ دون إشعار كما بدأت ـ والصمت المطلق يبسط جناحيه، ويلف كل جزء حوله حتى بت أسمع دقات قلبي الراجف وترددات نفَسي المضطرب، و… سانتا ماريا تخرج لا كما دخلت، وقد عصبت رأسها بموصلي أبيض ـ تدلى طرفه على جانب كتفها ـ واكتست حلة قرمزية مهلْهَلة لكنْ، ضاقت حول صدرها وسمحت لنهديها بالتميّز بكل استدارتهما وحجمهما المتناسق مع قوامها الرشيق. مثلما سمح التهلهل للقوام عامته أن يتبدى بكل مفاتنه ويرفل في دلاله.
واجهتني بملامحها الصارمة وغشاوة الحزن المزمن تكلل حواف عينيها النجلاوين دون أن تخفي ميلاد بسمة صغيرة هرقت على محياها فيضا من الألق والسنى، ثم تقدمت نحوي بخطى ثابتة وأخذت وجنتيّ بين راحتيها و سهمت في عينيّ قليلا ثم طبعت قبلة حارة فوق جبهتي وقالت دون أن يرف طرفها:
ـ فيك ـ يا أفريكانو ـ شيئا من أنطونيو، لا ادري ما هو، هل بريق عينيك؟ ام عينيك ذاتهما؟ رغم ما بين الخضرة والسواد من تباين. فهل اللون باختلافاته ليس عامل تمايز كما اعتددنا في أعرافنا…؟ أم هناك شيء آخرُ غير ما خطر…؟
لم أردّ إلا بابتسامة تلقائية ـ ربما ـ لأملأ فراغ الجواب في حين اعتراني شعور لم أميز نوعيته ولم أجده لا مضا ولا ارتياحا إذ عرفت سبب معاملتها الخاصة لي وعرفت أخيرا دوافع قبلتها يوم الغوث ، ولكن لم يشغلني عن التّملي بصرخة الجمال الداوية حولي والتمني بان يتوقف الزمن ويطول هذا الالتذاذ الروحي الفريد ويسكن قراري إلى ما لا نهاية…
” لك الله يا (تشيكو) ، وعذر العالمين جميعا، لن الومك بعد اليوم، ولن استغرب لحالك وثملك الطافي ـ هروبا مما وممن حولك ـ وحتى من شزرك وكراهيتك لي… بل لك كل حبي وتقديري .”
أخذتْ بيدي وعيناها الجميلتين بلا قرار، في حركة دائبة تمسح محيايا ـ ربما ـ بحثا عن ما سوى العينين والبريق ؛ أما أنا فاستسلمت بدون إرادة لإرادتها حتى اجلستني على الكرسي لتجلس هي على الثاني…أمامي . وما أن استوت حتى قالت لي بصوت دافئ:
ـ ما بك ـ يا افريكانو ـ اصفررت وصمتت وكأنك رأيت شبحا ؟
رددت بكل ثقة وجاهدت ان يكون كلامي عذبا وبينا:
ـ بل السماء تدنو بألف نجم وتعمي الأرض الظلماء التائهة… يا سيدتي الجميلة.
ضحكت ضحكا خفيفا ثم ، ردت:
ـ الم أقل لك إنك لست بحارا وحسب … حين أنكرت أنك شاعر!؟
سكت مليا ثم حركت رأسها ـ صعودا وهبوطا ـ ثم نبست :
ـ أوو…أوو.. لعل منظر الجمجمة استفز مشاعرك، لن ألومك ، فأنا أيضا ترهبني صور الموت وظلالها..
وهي تتكلم مالت بحركة خفيفة بيمينها على الجمجمة لتسقط على الأرض وتتحول شظى أقفاح من فخار لازب…فشعرت حقا بعد هذا بارتياح وخلاص من تيار تساؤلات تنهش ـ دون توقف ـ فكري…
أخذت بيديّ كلتيهما وجعلتهما ـ معا ـ متوازيتين تتوسطهما الكرة الكرستالية و أردفت :
ـ ركزْ على نفسك، حاول فتح بوباتها المغلقة ، انس كل ما حولك ـ هنا ـ وتخيل أنك تمشي في غرفة مظلمة وراء خيط رفيع من نور يدب نحو منبعه قد… يعنّ لك، لا تتكلم ولا تقاطعني إن شرعت في الكلام…
أطرقتْ طويلا، طويلا، ثم رفعت رأسها.
كان وجهها شاحبا ، وعيناها الهدباوان شبه مغمضتين وفمها ممتلئ الشفتين مفترا عن نصف بسمة لا عنوان لها أما… يداها فكانتا مثل قطع جليد ؛ مما دفع بي أن أسحب يديّ بهدوء مفرط في الحذر، لكن لم أفلح ، قد كانت تشد عليهما شد ملزمة …
صارت تزفر زفرات متتالية ومتباعدة تتخللها آهات عميقة ثم، نبست:
ـ أه ، اشم رائحة قهوة بالجوار. ما أطيبها !
يتغلغل عبيرها إلى الأعماق فينعش موات الأفكار ويبسط رحاب الخيال المديد…
لحظتها، شعرتُ بابتلال في فمي ورائحة القهوة تعم الأجواء وكأنها تطحن على مقربة مني، تلمظت لا إراديا ـ فوجدت من طيبها الكثير، ومن مرارتها الأكثر في فمي مما يؤكد لي أني بالكاد رشفت منها رشفة؛ فالتفت حولي التفات الخائف وقشعريرة تذرع ـ صعودا ـ جسدي بحثا عن حبل يربطني بين الواقع والوهم فما وجدت إلا الظلال تتراقص بشكل مَهيب على إيقاع ميل ذبلات الشموع الواقدة . استعذت بالله واستغفرته، وتابعت الاصخاء:
ـ أرى امرأة… بلا ملامح، أرهقها الانتظار، وقتلتها الرتابة، ترص اقداحا ، تملأها قهوة ساخنة ما ان تصير فاترة حتى تعيدها إلى الكوز ، إن لم تهرقها… ولما يشتد يأسها تهرع نحو الشرفة ، تتهجأ حركات السابلة، تبحث بينها عن هرولة مالوفة او سحنة معروفة… حينا ، وحينا آخر تطالع وجه السماء لعلها ترى نورسا تائها على جناحيه رُسمت تباشير الإياب…
آه من حرقة الغياب… انتظار الموت أمرُّ من ارتقاب الغائب…
وأنا شَدِه أتابعها ، متحير في أمرها، أحاول فك رموز رسالاتها، متسائلا كيف لها أن تقتحم دائرة افكاري وتتطلع على ما يجول في خاطري وتلامس عن بعد حتى هاته تشغلني واشغلها… ؛ أفاجأ بوجهها وقد اصبح أكثر إشراقا وبسمتها المأسورة تتحرر وقسمات الحزن تتلاشى شيئا ما ، وصوتها يعلو دون أن يفقد من نبراته الهادئة ، الجميلة شيئا ، وتتابع :
ـ الربيع يعانق الدروب، دروبكم…يتدلى ياسمينا وحبقا على الشرفات والنوافذ…
الزهر بكل ألوان الطيف ينبثق من تحت الأسفلت العفن الصلد ، يضيع في الأجواء عبير الانعتاق و ينشد كسر شوكة الاستبداد…
السنانين من كل الأعمار والأجناس تشق الجادات والشوارع تردد أناشيد الحرية وتهتف بسقوط النظم والفساد…
تصمتُ، وقتا ليس باليسير حتى أخال أنها لن تعاود الكلام وما تنفك كذلك حتى تفتح عينيها لتبدوا أكبر وأكبر ، وتحذق فيَ ـ طويلا ـ دون أن تطرف وكأنها عالقة بين نوم ويقظة ، إلى أن ينفجر صمتها عن ضحكة هيستيرية مجلجلة كان لها رجع الجدران… ولمّا تبلغْ الضحكة مداها حتى تحولت إلى شبه نحيب حاد تتخلله زفرات وآهات مثقلة بالحزن والأسى، ثم تجعل تند عنها كلمات متقطعة آنا وآخر متتالية وبينة:
ـ الربيع… لم يك ربيعا وإنما … فصل خارج إطار الزمن ، قل: آن انبثق عن طلق عسير من خاصرة دهر عقيم..
فالأزاهير تموت ـ يا حسرتك ـ قبل أن تدرك الإثمار، يخنقها القتاد ويخرقها العوسج فتنزف، وتنزف؛ وعند الغسق ، وقبل الفياق تذبح السنانين، وتحرق… وما لم تطلْه النار والأيدي الآثمة يرمى في غياهب الأقبية…
يموت الخوف… وتفقد الحياة معناها، والموت معناه.
يحمى الوطيس داخل الميادين وتزداد حدة الهتاف، فيهرب الطغاة تحت جنح الظلام خلسة… كالفئران من فلك مخرّم يتقادفه الغمر الفوار…
يصير البارود، دخانُه ودويُه أسياد الأجواء. وتعلو لغة السحل فيتساوى عند ربك القائد والمقود…
تلين ـ إذاً ـ قناة الجبابرة تحت هدير الشارع المتزايد، فتتبدى ـ يا سيدي ـ تباشير الحرية على أعناق الرياحين والزهور الذاوية و تهدأ العاصفة… وتكنس الميادين… وتنطفئ النيران…
تقهقه بصوت حاد وأكثر من جهير وتضيف:
ـ كانت… سوى… نيران مفتعلة لحرق تلك الحشائش… السائبة ، الواهمة، الحالمة ،والرؤوس اليانعة ! حفاظا على الغاب، وقوانينه الأبدية…وما كان لقيصر عاد لقيصر، وما كان لله… ما… عاد… لله… !
وها شيخك… أرى الآن ، تقلب وجهه في الميدان، حائرا، ضائعا بلا بوصلة، يعاني الأمرين: مرارة الخديعة ومرارة النزف لا يسلو ولا ينسى إلا في حضرة الحفيدة حبيبة… حين تلهو بين يديه او تشد على شاربيه…ا
ما أن طرقت كلمة “شيخك ” سمعي حتى تذكرت كل الرفاق الدرب وحضر هو بتميز بل، عنّ طيفه ذاتُه أمامي من خلال ظلال الشموع ،عالقا بين الأرض والسقف هيولا، فوق رأسينا، تتبدى سحنته وأساريره شيئا، فشيئا، بينما كانت هي ـ سانتا ماريا ـ مغمضة العينين ،شاحبة الوجه متغضنته من شدة تشنج باد بجلاء ، تنضح عرقا يسيل على الصدغين ويترآى حبيبات منتظمة على الجبهة، لعل جهدا كبيرا تبذله خلال تركيزها الروحي هذا …
الاندهاش، وغرابة المشهد الفريد لم يمنعاني من ملامسة الطيف لأ ستيقن من حقيقة التجلي لكن ما أن حاولت حتى بخبط قوي متوال على الباب يهتك ستر الصمت ويغصب السكينة الثاوية حولي ويجعلني أعود إلى عالمي الأرضي وأنتبه بعد غفلة ـ يعلم الله دوامها ـ أني ما أنا إلا عالق منذ أمد بأرض لا وجود لها على خرائط العالم ولا تمت لي بصلة.. أمام امرأة فاتنة تتصبب عرقا و هي تتثاءب و ترتق خلفها شرنقة الغيب…
متعبة بدت، وكثيرا مرتعبة، لعل السفر بين غياهب الغيب والضجة المباغتة هدّ نفسيتها فتفتّت بأسها وانمحت من علا وجهها صرامتها وشدتها بيد ان مسحة الحزن ظلت تُسوّره.
هزت رأسها مرات ،ثم أرخت به على ظهر الكرسي وجعلت ترنو إلى السقف وتميل به يمينا وشمالا امتعاضا وحنقا.
حثما… فككت طلاسم الجلبة وفهمت رسالتها. ولمْ ألبث أنْ قاسمتها إدراكها لما سمعت رغم جلجلة الطرق العنيف على الباب الحديدي صوت التشيكو وهو يبكي بكاء متهدجا ويصيح: ” سانتا مريا، سانتا ماريا، لا…لا…سانتا ماريا ”
عندئذ انبريت هارعا نحو الباب الرئيس الخلفيّ طالبا الخروج لكنْ، سانتا بإشارة آمرة وبوجه صارم منعتني من ذلك ثم قالت بنبرة ملؤها عتاب وحسرة… دون أنْ تنظر لي:
ـ ما كان ليعمد إلى هذا ابدا ! لو لم تكن ـ أنت ـ هنا ـ الغيرة أظلمت بصيرته، وحب التملك فجر عدوانيته… خبيثٌ ما ـ وما أكثرهم ـ استشعر ردة فعله العفوية فأنبأه بتواجدك عندي.
بعد قليل انمحى أثر “شيكو” من الأجواء؛ ربما شخص ما أبعده أو كلت يداه ، والطرق أتعبه فاستسلم وتولى.
سكتت هنيهة شاردة، ساكنة تمسح بعينيها الجدار أمامها وكأنها تعد اوركيدياته البيضاء المزينة له ثم تابعت:
ـ لتدْر… لا حديقة خلفية لي تعج رجالا ! ولما تتضمخْ ـ قط ـ أجواء بيتي بعرق واحد منهم؛ فانطونيو ـ ولا ثان سواه ـ امتلك قلبي؛ كان كل حياتي وأضحى بعد موته طيفه ، وذكراه عالمي. ما كنت بتولة ولكني غدوت عميدتهن…
أكثر من عشرين سنة وأنا سجينة ماضيّ ، رهينته ، تمتلكني أحداثه وتفاصلها البائس منها والجميل، بل، تلفني بين أحشائها كقوقعة سرطان ناسك تصد عني تيارات التغيير وتحميني من ” أمنيزيا ” كان لها أن تبعثني يعثا جديدا فوق درى أحزاني ويأسي لولا مقاومتي الضارية لها
إن ـ أنت يا عزيزي ارتهنتك الجغرافية، إحداثياتُها فأنا ـ بدوري ـ علقت على خطوط الزمن ، زمن ولى وانمحى. فكل منا ! مقيد إلى بعد يحول وانعتاقه ..
ساذج من قال أنّا أحرار… ! لنا مشيئتنا، وأنّ إرادتنا…ملك يدينا، لا…لا شيء لنا .هو وحده من يرسم خطانا ويبتدع حتى عواطفنا وانفعالاتنا
كانت وهي تحادثني تتأنق في كلامها، ولا تعجل به لسانها، على مهل ترسله وبجرس حزين تلونه، مما جعل مني القلب ماخوذا والعقل مسلوبا حتى… الإرادة. فبكيت إذ دمعّت وارتعشت إذ ارتعدت، وهرعت لها وأمسكت بيديها وهززتها إذ بدت كغريقة تمد يديها من تحت غمر يغطيها وموج يلعب بها وقلت لها :
ـ أيْ ماريا ! أما آن الاوان لتعودي لنفسك وتلملمي ما تبقى من شتات روحك ؟ كفاك جلدا للذات وهروبا من أمر حتمية لا مردّ لها، يكفيك رحيلا في متاهات ماض لا يتجدد ، وتشبتا بخيط قد انقطع…تحاولين ربطه، عودي… مادام نسغ الشباب يجري في عروقك… لا تبقي في الماضي، ولا تحلمي بالمستقبل، بل وجّهي عقلك نحوَ الآن. عودي فالأرواح لا تنال من وفائنا وودادنا لأن عطاءنا يكون من دمنا ولحمنا فكيف لها ذلك وهي تفتقر لهما…؟ كل بذلنا هباء ما دمنا لا نتلقّى رضى إلا رجع رضانا يتردد بين حنايانا يسوّغ لنا حمق فعلنا…
6
لا حظت فجاة تهلل وجهها واوْردّادَ خديها الشاحبتين وانسدال يديها اللتين كانتا ابدا متشابكتين على صدرها…وكأنها تحررت من قيود لها أو وحطت عنها وزرها الذي انقض ظهرها، ولمحت ايضا قد انمحى أثر الحزن المزمن من حول عينيها فبدتا أكثر جمالا…سمهريتان تفيضان ذكاء و…شبقا جليا ذكه تغير حالها وربما … خلوتنا…
وقفتْ وبخطى مشت نحوي…وأمسكتني على طريقتها التي اصبحتْ لدي مالوفة لحظة ،ثم قالت بصوت أرق من الرقة ذاتها :
ـ ابق معي هذه الليلة آنسني… لا تتركني فلربما انتكسُ وتخور قوتي وأضيّع بين متاهات التردد طريق خلاصي…
فاجأتني بطلبها هذا …فما كنت منتظرا مبادرتها ولا عرضها، فقلت لها وأنا اتردد بين الإقبال والإعراض عنه:
ـ لا…لست في حال نفسي يسمح لي بذلك. قد فاجأتني… ولم أكن أترقب ان يؤول الحال على هذه الشاكلة بيننا حتى نردم ما بيننا من هوّة ولمّا يكنْ تواصلنا في ما سبق إلا نظرات ـ احيانا دافئة ـ ولحظات بوح تقاسمنا خلالها ما عدا قطرات نبيذ وخيطا من دخان ؛ فلو كانت المبادرة صادرة عني لاستسغتها ولاستحمدت قبولك بل اعتززت به ايما اعتزاز فليس من السهل وجدت ان استفرد بحضوة عند امراة عظيمة تستفرد باهتمام جمهور الرجال دون أن أمنحها عدا صمت وخلوة حكيم وظلال حبيب لها بين عيني…
تطلعت إليها لأستقرأ وقع كلامي عليها وردة فعلها من خلال اساريرها ، فوجدت بركانا على وشك الانفجار، ولبوءة متأهبة للانقضاض يتردد رجع غضبها جليا بين ضلوعها ويلمع حنقها ومضا بين عيونها، فجلست من جديد امامها وأسندت دقني على متكإ من يديّ استعدادا لهجومها ومحاولا إعادة الأجواء إلى حالها.
إني لم استقبح كلامي إلا بعدما وصلت إلى منتهاه ، واستذكرت قول جدتي يوما وهي تسر لي : « إن لا شيء أفظع عند المرأة من أن تعرض نفسها على رجل ويصدها ببرودة وكبرياء…» فما يكون حال امراة ـ يا الله ـ بقوة رجل وسناء نجم يلعق الرجال تراب رجليها طمعا في لفتة منها وكلمة طيبة ورضى…؟
استعظمت كثيرا خطئي ووددت أن تشّرع الجداران امامي و أهرب من أمامها . قد آلمتها بل…ذبحتها .
لزمت الصمت لحظة ثم استجمعت شيئا من جسارتي ، وكثيرا مما لدي من آليات الإقناع وفن الحوار وقلت دون تلعثم:
ـ عفوا سيدتي إن كنت فظا غير لبق فلو تركتني حتى يستقر حالي النفسي لوجدتني أقر لك قائلا: « إنك امرأة سكنت قلبي قبل أن أراك و منذ أن جعل أكسير الشباب يجري في دمائي متدفقا ، حملتك صورة في حلي وارتحالي، بحثت عنك في وجوه نساء العالم عند بوبات كل المرافئ ،كنت بالنسبة لي مثل تلك الموجة العالية والصاخبة التي يحلم كل ركمجي ركوبها لتحمله على بساطها هناك حيث تتلاقح الغيوم وتتعانق الأبخرة… ولما وجدتك هنا…غرقى بين الزبد والمرجان ظننتني ادركت سدرة المنتهى…لكن لما قرأت صفحاتك وغصت في حاضرك وماضيك صرت بالنسبة مثيل تلك الموجة القاصمة لصروح السفن والعابتة يدها بكل من يجسر على مواجهتها فيجد الربابنة الشداد في مخاتلتها والهروب من كل تيار قد يحملها..بقدر ما احببتك بقدر ما بت أتحاشاك وأتراجع عن بوحي لك بحبي وهيامي بك.
اختلست النظر إليها فوجدتها ساكنة هادئة ، مشرقة المحيا، فحمدته لمرور العاصفة بسلام وعودة السكينة والامن .
سارت نحوي ثم قالت لي بنبرة لا تخلو من وداعة:
ـ صرت تخافني إذاَ… ! ليت شعري كيف ينقلب الوله خوفا، ويصير الوجد نفورا؟
وأنا اقف قلت لها:
لا تحاولي ان يكون فكرك مكانيكيا ، فالأحاديث الوجدانية لا تكون ابدا صريحة أحادية المعاني بل إنها متغيرة تغير وضعنا النفسي وشدة انفعالنا .
ـ وما يعني هذا ؟
لم اردّ، بل ادخلت يدي داخل سترتي بينما امسكت بالأخرى طرفها الأيسر وجعلت أحل خياطة رفيعة كشف انفتاقها عن جيب سري اخرجت منه كيسا زهري اللون لم أدر حتى الآن اي خاطر مجنون دفع بي لأفعل به ذلك ولا ما السبب؛ ثم دفعت به إلى ماريا و أومأت لها بهزة راسية مني لتفتحه.
دون تردد اخذت الكيس وأخرجت منه ثلاث لآلئ مثاليات التكوير وأكبر من عين بوم، تفحصت اللقية فتهلل وجهها بشرا واوردت خداها ثم صاحت:
ـ آه…آه..انت أنطونيو يعيده لي اليم؛ البارحة … ظلاله تلألأت بين عينيك واليوم وعده إلي من يديك…قل لي إنك انت هو… قل لي إنك انت هو…
كانت في حالة مضطربة لم تستطع ان توافق فيها بين اللفرحة والحزن…بين الضحك والبكاء فشرعت تدور كنحلة حول نفسها ربما لتجد خيطا يربطها بين الواقع والوهم… بين الحقيقة والخيال . بين الماضي والحاضر ولتسوعب المفاراقات والتوافقات
سعدت لحالها، واستعجبت من قدرتي ـ انا الملاح ـ على تكسير حياة رتيبة لامرأة لم تعرف فرحة حقيقية مذ ما يربو على عشرين سنة .
استكانت بعد حين ثم قالت لي بكل هدوء :
ـ قل لي إنك انت انطونيو…قل.
رددت بشيء من الجفاء والشدة:
بل أنا رجل بسيط مقدوره أن يرميه البحر على شاطئ امرأة طالما حالما بها… ويهم الآن بمغادرتها… !
ـ لم ار رجلا مثلك قط ، يجرح ويبلسم، يضحك ويبكي… أنت لغز عساي يوما افك طلسمه !
صمتت هنيهة وهي تطالعني بنظرات ملأى بالرقة والحياة ثم أخذت تقبل هديتي قبلات متعددة وطويلة دون أن تميل لحظها عني و لما اكتفت دستها في صدريتها، ثم ضمت يديها في تضرع و امتنان دلالة ـ بلاشك ـ على تصالحها مع ذاتها وعودة تباشر الأنس والسلوى إلى روحها وقالت لي :
ـ شكرا لك، شكرا لك، إنك بحق أبهجتني وحسستني بأحاسيس غادرتني زمنا حتى نسيت التفاعل معها فلا تؤاخذني إن لمحت شذوذا في انفعالاتي.
كانت تحادثني وهي تخطو نحوي، ولما صرنا وجها لوجه طوقتني بكلتا يديها بل ، ضمتني إليها ضما حتى صار رجفها رجفي ونبض قلبها، رجعه يتشظى داخل بدني.
ظللنا هكذا على ذا الحال دون ان يحاول أحد التخلص من هذا التوحد الحار والساكن فاستحليت دفء جسدها الفائر أنوثة واستعذبت عزف أرجلنا المتعاشقة كدوالب ساقية نخرها صدأ السنين. وفجأة، ودون مقدمات انفلتت مني بكل رفق؛ وبجرأة اخذت تقبلني؛ قاومت مقاومة خفيفة غير اني ما لبتت أن انخرطت في لعبتها تحت ضغط شذى رضاب شفتيها النديتين وأنفاسها العبقة بطعم الجعة واحمر شفاه خفي وملوحة دمع على خديها انهطل …
فيض من القبلات إلإكزوتيكية ما تملّيت بها قط، ولم اعرف لطعمها قبيلا ، دفقها هزني هزا وجعلني كائنا يعوم في بحر من السعادة والنشوى بل يلهبني من رأسي حتى اخمصي قدمي لأغرق في نهر دافق من العرق الساخن، وجدتني فيه احترق، فتقت إلى نسمة باردة تحد من احتراري. وشلال بارد ينهمر علي وينعشني …
إلى البحر يحملني لجه إلى الأعماق ثم يرميني إلى شط مطيرة سماؤه…
إلى عاصفة من من ندف ثلج وبرد تغسلني من عرق طالما اجترته مسامي .
كل خوفي من الماء بكل تجلياته تلاشى وكأنه ما سكن ذاتي يوما، وصارت دمدمات الموج حولي تعلو وتعلو وكأنها تدعوني إلى التصالح معها، دفعت عندئذ سانتا ماريا بهدوء مفرط حتى افْتكّ تشابكنا وهرولت شطر الباب الرئيس للبيت سالكا ممرا طويلا ، فصاحت آنئذ ماريا :
ـ أفريكانو…أفريكانو إلى اين؟
دون أن التفت رددت بصوت جهير:
واداعا …سانتا ماريا…وداعا … سانتا ماريا…البحر يناديني…قد حل زمن الرحيل.
سحبت المرتاج فانفتح الباب بمصرعيه وانطلقت جاريا نحو البحر.
أمامي وعلى ناصية الأفق كان غيم يجري على وجه القمر لم يمنع نورَه من أن يخلع على المويج المترادف على الشاطئ قشيبا لجينيا وفي فمي كنت ما ازال أتمطق عناصر القبل وبين متاهات سمعي ظللت استعذب رجع نغم الأرجل المتعاشقة مما جعل حرارة بدني تعلو وحنيني إلى ماء بارد يكبر ويكبر…وسرعتي تزداد. ولما لامست رجلاي الماء ارتميت في أول موجة.
أخذت أسبح واسبح. لم تثنيني لا جزمتي الثقيلة ، ولا بذلتي المتخمة بالماء صوب مركبي الذي حددت سلفا وجهتي نحوه . ما أن امسكت مرساته حتى تسلقتها وصرت على ظهر مركبي، وتجردت من ثيابي عامتها إلا من سريل .
وأنا امشي على ارضيته، أعبر مساحته طولا وعرضا بخطى وئيدة وكأني أصافحه، اشعره بوجودي عليه إذ بجلبة حولي وصياح ثم صوت أجش مالوف لدي يقول : « هل نرفع المراسي يا…رايس »
التفتت ورائي فوجدت ملاحيّ جميعهم وفي احسن حال صافحتهم عناقا وقبلا وسألت:
ـ الم تغادروا؟
رد أكبرهم و أخبر هم:
ـ نعم… وكيف لنا ذلك ؟، الا تعلم أن ليس في عرف الملاحين والربابنة نسيان صلة الخبز و الملح… ! ؟ ما اللوجهة إذا؟
رددت بكل أريحية وامتنان .
ـ لا تهمني اليوم الوجهات بقدر ما يهمني مغادرة هاته الأرض والانفلات من سحر كالبسوا…ليذهب احدكم ويبحث لنا عن دليل يخرجنا من متاهات هذه الخلجان المرجانية…

النهاية

بدأت تباشير الصباح تنطبع على السماء الرمادية واخد المشرق يتورد شيئا ، فشيئا، و هلّ حرف رقيق من قرص الشمس ينبثق من المحيط، بينما المركب يتوغل شيئا، فشيئا وسط اليم ، يشق عبابه في انسياب ودعة ،وعلى ميْمنته وميْسرته كانت اسراب من الدنافيل تساير اندفاعه قدما ، تتقافز وترطن بطرطقاتها الغريبة وكانها تودعني. وورائي كنت أتابع بين الفينة والأخرى جزيرة سانتا مريا تتراجع وتتضاءل لتندمج مع الافق وتنمحي وكأنها ما كانت في حين لم يغادرني طيف امرأة لعينيها الجميلتين النجلاوين حكايا و لقبلها سحر وعبق ما انمحى طعمها من فمي وما بارح…
برغم الارتياح الكبير الساكن وجداني ، كنت حزينا، منفطر القلب ؛غصة تقتلني ، وانكسار يحول دون استمتاعي بنشوة الخلاص.قد وجدتني لم استسغ ابدا ان اترك ورائي امرأة حلمت بها سنين وبحثت عنها سنين ، منذ فجر ميلاد كمياء الحب في قراري، بعد ان كانت قاب قوسين وأدنى مني تهديني روحها . فكرت ان اعود ادراجي لكن خوفي من الأسر اثناني…
ربما هجعة طويلة ابدد خلالها جيوش وسن ثقيل تحاصرني، وعياء كبير يحاول هدّي…كفيلة أن تحدث لي شرخا من السلوى والاعتدال النفسي أستكين بينه .
أعطيت لرئيس الملاحين خطاطة الرحلة وإحداثياتها، ورؤوس تعليمات، ثم سرت نازلا إلى الكوثل حيث بيتي …نزلت الأدراج، خطوت خطوات، فعلقت بأنفي رائحة طيبة كطيب الياسمين خلال الليالي المقمرة تَبعْت خيطها فقادني قدما إلى حجرتي.. دلفت إليها فرأيت امرأة شبه عارية تعوم في ضياء شمس شارقة على اليم الفسيح تتدثر بغلالة بيضاء تنحسر فوق ركبتيها ولا تحجب إلا القليل من مفاتنها !
مشدوها … ابتسمت وانحنيت انحناءة متضرع وقلت بكل وقار واحترام :
ـ مرحبا بك سيدتي في مملكتي.

3ـ تشي كيفارا هو المقصود هنا في الأغنيية.

السابق
الفهد العطشان
التالي
المــلثـــم

اترك تعليقاً