القصة القصيرة

وراء الشمس

فى فجر ذاك اليوم فُتحت باب زنزانتى الرمادية …مطلقة صريخاً معدنيا حاد ، مختلط بصيحا عسكريا
ـ باب 21 انفتح يا فندم ..
،و يتبعه المنادة الروتنية بفتح باقى الزنازين .. و هكذا انفتح باب زنزنتى 21 كما اعتاد ان يفتح لسنوات طولا لم اعد قادرا على حسبها …. كعادة ، خرجت ، و خرج معى باقى سكان الزنزين الاخرى ، و اصطفوا فى طابوراً طويل ، واحد تلو الاخر ؛ فى طريقنا نحو منطقة العمل حيث نكسر الحجارة كل شىء يتكرر طيلة سنوات…. ، كعادة تلقيت مع الزملائى فى صمت مع نصيبنا اليومى المقرر من الحجارة ممزوجاً بقدراً وفيراً من الشتائم و اللعنات ، ….كعادة اخذنا نوسع الحجارة بضربات ..
ايتها الحجارة الا تنفذين؟!!
ايتها الشمس الا تبردين ؟!!.
ايها .الجوع ..العطش الا تنتهون
علمتنا السنوات الطوال من الجوع و القهر الذى لا ينتهى، ان لا ندمع ..ان لا نسمح لعيوننا ان تذرف العبرات ؛ فكل ما حولنا تحول الى حجارة.. الناس .. الاشياء ..الكلمات .، بل حتى نحن صرنا كحجارة ؛ لا نشعر .. لا نعى السنوات او من عاش.. او من مات . علمتنا السنوات انك لست انسان ..انت مجرد رقم ، هكذا قالوا لنا فى اول يوم .. لا يسمح لك بكلام مع احد ..او بالكتابة او بالقراءة ..انت دائما مراقب …لم اعد اتذكر بدقة لماذا انا هنا .. ربما لا اعرف .. ربما كما قيل لى ان الاشعارى اللعينة ..لم ترضى عنها السلطات ..لم اعد اتذكر و لم اعد اهتم .. غير ان الانسان فى داخل قد تورى خلف ظلالاً كثيفة كثافة الايام المؤلمة و السنين .

ومثل كل يوم كان كل شىء يسير كما كان عبر سنوات .. الا انه ..فجاءة اختراق الموقع العمل صيحاً حاد صدر من جهة الحرس بلهجة جافة عسكرية امره :
ـ احضر هنا 3142 فورا …
كنت انا هذا الرقم … ففى السجن تختفى الاسماء .. تصبح رقم .. مجرد .. بلا قيمة .. تصبح مجرداً من شىء يذكرك بانك يوما كانت انسان .. خاصاً نحن سكان عنبر السياسات ….تركت العمل مهرولا و محدثا نفسى ماذا فعلت يا 3142 يا رب يا منجى من المهلاكات ..توقفت امام الصول .. فى وجل ابتلع ريقى و اخفى ارتعاش قدمى و انحنائه فى قامتى من جراء السنوات التى مضت منحنى اكسر الحجارة ، نظر الصول الرقم المعلق و ..على فور قال الصول :
ـ تعال معى يريد السيد القائد السجن محادثتك …
فى صمت و وجل اتبعته بينما كان ساقى تتصادمان معا خوفا و ارتعاشاً ؛ اتجهت نحو مكتب قائد السجن ، اخر مرة ذهبت له كان من عشر او اثنى عشر سنة ..كى اعيد عليه تبرائى من ذاك الشعرا اللعين؛ الذى املاه على الشيطان فى ساعة نحس ، ان كتبه و انى اعلن اعتزارى و اسفى و انى اخطاءت و قدمت التماسا للافراج عنى كان السيد القائد الذى كان قبل السيد القائد الموجود الان.. كم قائد تغير للسجن كم سجان اتى و مضى ؛ لم اعد اعى و لم اعرف .. او اهتم …

دخلت الى مكتب السيد القائد
..اه ه ه يالها من رائحة جميلة انها رائحة التبغ ..المختلط برائحة الجلد الجديد للكراسى المكتب كلما قدم قائد جديد للسجن يعيد تجديد جلد الكراسى القديمة ..على باب المكتب ..توقفت.. خلعت حذائى .. فانا ادخل الى قدس اقداس السجن ؛ الى مكتب السيد القائد .. امام المكتب القائد الفخم .. توقفت قبل ان يطلق الصول الصيحة العسكرية رافعا يده بالتحية :
ـ تمام يافندم .. المذنب 3142 زنزانة رقم 21 يا فندم ..
فى الية رد القائد السجن له التحية بينما سيجارته فى جانب فمه الايمن ، بينما يطلاع اوراق ملف اصفر، قد علا جلدته الخارجية بعض من التأكل ، و دون عليه رقم ..انه رقمى 3142.انور سعد محمد
.و اشار القائد للصول بالانصراف ثم وضع سيجارتة جانبا و بدا يتفرس فى وجهى برهة ثم اشار الى بجلوس مطلقا كلمة سحرية كادت ان تجعلنى ادور
ـ تفضل استاذ انور ..
استاذ انور.. انا ايسخرمنى ؟!! …هل هناك تهمة اخرى يريدون لصفها بى ؟!!انه اسمى ..منذ اثنى عشر عام و انا 3142 ثم … استاذ لقد نسيت ..انى انسان
تابع القائد كلامه فى لهجة جافة ان خلت من الصرامة العسكرية :
ـ استاذ انور كنت قد تقدمت بالتماس بالعفوا و قد تم دراسته و قبل ..الواقع ان السلطات وجدت ان من الافضل ان تطلق سراحك ؛
بدا يزداد بريق عينه حدة و هو يكمل فى تمهل و تاكيد :
ـ بطبع بعد ان تمضى على بعض الاوراق التى تؤكد حسن معاملتنا لك وعدم رغبتك فى اى تعويض من اى جهة او من اى شخص عن فترة قضائك معنا بعض الوقت ..
ـ سيدى انها احادى عشر سنة و سبعة اشهر و خمسة و عشرون يوما …
ـ نعم حقا استاذ انور يجب ان تحمد لله لقد قبلوا التماسك تستطيع بعد بعض التوقيعات و الاجراءات ان ترحل من هنا … هاك الاوراق
قمت بامضائها دون قرائتها .. اخذها القائد مبتسم و هو يقول :
ـ انت محترم يا انور؛ و علشان كده انا هعمل معك الواجب … يا حضرة صول محمود .. ظبط هدوم ـ لاستاذ انورـ و روح وصله للبلده .. كمان يا عم احنا علشان انت متعاون و مضيت على الوراق مجهزين لك قرشان كده تظبط بيهم حالك .. تجيب حاجة حلوة لاهلك و انت خارج….اخرج بعض النقود ليعطيها فى يدى.. تمام يا عم .. و انت يا صول محمود وصل البيه لغاية البلد ,,,
و اعطنى الحارس بعض الملابس بينما انا فى ذهول قمت بارتدائها على عجل ؛ ثم اصطحبنى الصول” محمود ” خارج السجن ؛ لاجد نفسى خارج السجن بعد احادى عشر سنة .. التصقت بالباب الكبير للسجن خوفا من العالم خارجه .. و جدت يد تشدنى انه الصول محمود مضى بى خارج السجن الى الطريق العام، و كانما اشعر بشعور الجنين يوم يترك رحم امه …

سيارات تمضى و اناس تمشى و ضجيج ؛ انها تلك الحياة التى حجبت عنى لسنوات ، ذهول و بعض الاستغراب و كثير من الخوف هو ما كان يستعر داخلى ….اتأمل الشارع و البيوت دون كلام سار بى الصول محمود عربة ميكروباص الى الموقف ثم مكان موقف سيارات البلد كان كل شىء جديد فالموقف حتى انشاء اثناء ما كنت بالسجن .. اركبنى الصول محمود العربة المتجهة الى قريتى و تركنى لشأنى دون حتى ودع ..ومضى لحاله ..ليغتنم بعض سويعات من الراحة من جو السجن بين اهله ، على حساب تلك المأمورية ..

على مقعد الميكروباص و بين الراكب الصامتين بدا سؤال يطرق عقلى و يعصر قلبى ؛
ـ اين اذهب؟! …ااذهب الى بيتى و اولادى ؟!! انى لم ارهم منذ احادى عشر سنة ..التفت الى ان العربية اكتملت و بدات فى الحركة ، التفت الى الراكب بجوارى اسأل ..
ـ سيدى ..من فضلك .. تذهب الى ” منطقة ابوتلت ” هذة العربيات
ـ نعم ان شاء الله
ـ عند المصرف ؟
ـ مصرف اى مصرف ؟!!
راكب اخر يقول :
ـ يقصد ذلك المصرف الذى تم ردمه منذ سنوات يا استاذ نعم تمر عليه الميكروباص ..
ـ من فضلك انزلنى عند هذا المكان
انزلنى الرجل الطيب الى حيث ما قالت له .. و مضت السيارة تركتنى بمفردى اتأمل الشارع .. انها تقريبا اثنى عشر عام مضت منذ ان قامت السلطات باحتجازى بتهمة التجاوز ففى اشعارى و انتقاد رموز لها … لكن .. نعم ها هو الماذن الجامع .. انه شارعى .. نعم .. لاتذل هذة النخلة المزدوجة الراس هنا نعم هنا شارعى .. تقدمت مخترقا الطريق السريع متجها الى شارع جانبى .. كان موازيا للمصرف .. كنت اصطاد السمك انا و سعيد ابنى … سعيد حبيبى الصغير ذى العينان الضحكتان ..كان عمره ثلاث اعوام .. هو الان المؤكد شابا فى الرابعة عشر … اتغير شكلك يا سعيد .. هل لا يذال يتذكر تلك الايام عندما كنا نلهو معا ..و انا امازح امه فاطمة و اقول لها انه يشبهنى كثيرا … فاطمة . منذ احادى عشر سنة لم ارى فاطمة زوجتى ..لم اتنسم عبيرها …اه ه فاطمة …و امى التى ربتنى يتيما كم اشتقت لطعامك يا امى و لحضنك الذى يسع العالم …
ها هو البيت اقترب منه بينما بعض النسوة تجلس تتسامر على ابواب بيوتها .. اخرى تنشر الغسيل من بلكونتها ارضية و .. ها هو منزلى ببلكونته ارضية التى يعلوها منشرا للغسيل ركبته بنفسى .. نعم .. بلكونتى امام نافذة الثانية للجامع نفس الشرفة الجامع المسيجة بالحديد المشغول .. ها هو باب منزل ..استجمع انور قوة و طرق على الباب قلبه يعلو صوته على صوت طرقاته ..
انه صوت اقدام … ها هو الباب يفتح … انه طفل صعير يطل .. ينظر لى ..
ـ نعم مين ؟!!
، ـ نعم يا حبيبى
ـ ماذا تريد يا عم
ـ فى حد كبير اكلمه
تطل من الباب سيدة و قد اخفت نفسها تقريبا خلف الباب و هى تقول :
ـ نعم يا استاذ .. لم يكن صوتها صوت فاطمة .. و لا طلتها طالة فاطمة كانت الاسئلة قد شقت كبدى فقالت لها ى لهفة :
ـ سيدتى انا انور كنت اسكن هنا و انا اريد معرفة؟
على الفور و فى حركة واحدة خاطفة و عصبية جذبت السيدة الطفل و اغلقت الباب فى وجه انور مصدر صوتا عاليا
ـ لاحظت احد الجيران ما قامت به السيدة فصاحت عليها كانما اردت ان تسمع كافة الناس بالشارع …فى ايه يا سعاد مالك ؟!!
صرخت سعاد و كانما تجاوب السيدة المسنة ليسمعهاالناس
ـ مش عارفة مين الافندى ده يا ست ام محمد .؟!.
على الفور وجدت الست ام محمد و عدد من السيدات و الصبية و عدد من الرجال قد احاطوا بى قبل ان تسالنى الست ام محمد ناظرة ذات نظرة الصول محمود صول السجن
ـ في ايه يا استاذ عوز مين ؟!!
ـ ابدا يا سيدتى الحاجة .. انا فقط كنت مسافر و كنت بسأل عن سكان البيت دول لانى من زمن لم ارهم ..
ـ انت عوز منهم ايه يا سي الاستاذ ؟!
ـ انا كنت ساكن هنا و عائلتى و كنت مسافر لفترة و مش عارف عنهم حاجة
ـ اذى مسافر و مش عارف عنهم حاجة .. ال نعرفه ان كان فى ناس سكنين هنا و السلطات اخذتهم لانهم كانوا اعداء الشعب
بدا الحديث يخيف الناس حولى فتسرب البعض رويد رويد من حولى و بدا الجمع ينفض بيما اكملت السيد ام محمد الكلام بيما تتفحص وجهى محاولة تذكره :
ـ و انت عارف بقى ايه ال بيحصل لاعداء الشعب .. هو انت قريب ا الانور الله يرحمه
ـ لا يا سيدتى انا انور نفسه
ـ انور نفسه احنا عرفنا ان انور مات فى السجن ..
ـ لا انا لسة حى متعرفيش يا ام محمد راحت فين فاطمة فكرها ؟
ـ انت انور .. ايو الاستاذ انور بتع الحرية و حقوق الناس و الفقراء ..كنت صغيرة لما كنت بسمعك يا ا انور ..فاطمة .. لا ابدا لا اعرف شىء ؟!!
ما انتهت ام محمد من كلامها و قد حضر طفل صغير يشد يدها بعنف
ـ جدتى عوزك يا ماما ولوقت بسرعة
على عجل انصرفت ام محمد سريعا دون سلام حتى …
التفت انور فوجد كل الابواب موصدة بل و النوافذ .. شعر بعيون تراقبه من خلف الابواب و النوافذ الموصدة .. تراقب ذلك الشحب القادم من وراء الشمس .. اهؤلاء الذين ضيعت عمرى ابحث عن حقوقهم و ادافع عنهم ..
لم اعرف كيف وصلت الى حى العامرية … كان النهار قد قارب على النهاية .. انه بيت امى حيث تربيت … مؤكد سوف اجد مكان لى هناك ..ام ترى قد نسانى الجميع ؟!!
ها هو بيت امى … فى الظلام اسير ى الشارع المؤدى الى البيت لطالما لعبت مع اطفال فى هذا الشارع لطالما كنت و هم فقراء يحلمون و كبرنا شباب نأمل بحرية و الحق للجميع ..ها هو البيت بوابة كما هى قديمة و جميلة و ذات بهاء ..اقتربت اتحسس بوابة منزلنا القديم ..شعرت ببعض التردد هل اطرق الباب ؟ هل هناك احد يعرفنى هنا ؟ هل سوف اجد من يتذكرى ؟
استجمعت قوى و طرقت الباب ..مرة ثم اخرى ..ثم مرة ثالثة
اسمع وقع اقدام ..مصاحب لصوت هو اجمل ما سمعت من ثلاث عشر عام يقول
ـ لحظة … انه صوت امى …يا الله انها وقع اقدام امى .. نعم … انفتح الباب كانت سيدة فى الستين من عمرها ترتدى طرحة و قد اشتعل ما يظهر من شعرها وراء الطرحة بالبياض ..بينما تنظر الى وجهى و هى تقول
ـ نعم ايو ..
شل وقع المفاجىء لسانى انها امى … تنظر لى و لا تعرفنى .. اترنى تغيرت كل هذا التغير .فلم تتعرف على ؟!!. ام ترها لا تريدنى ؟؟.. تخاف مثل الجميع من هذا القادم من وراء
الشمس …حدقت فى وجها لا تعبير كانها لا ترى ابنها فلزة كبدها امامها …
اذا .. على ان اتقبل مصير ان ارحل فى هدوء .. الى اى مكان .. فلا احد يريدنى .. فانا اصبحت عباء ثقيل .. لا يريد احد تحمله
و رجعت خطوتان الى الخلف و قد هممت على ارحيل .. فى الخطوة الرابعة وجدت السيد تصرخ … انور .. انور ,, ابنى ..و هى تحتضن الهواء ..
تقابلت يدها بيدى و احضتنى كما اعتادت و انا صغير و هى تقول باكية فى وجل ولهفة :
ـ لا تاخذنى يا ابنى راحت عينى حزنا عليك يا حبيبى ..
بينما خرج شابا و سيدة اخرى اصغر سنا من الباب على وقع الاصوات .. ليحتضن الجميع الجميع …فى وجلا و بكاء ..
مرت شهور بعد هذة الواقعة حكى انور لابنه و زوجته و امه حكايات كثيرة حول السجن.. حول الاشعار …حول الحرية و.. العدل و.. الانسان
كيف ان قد يقدر الله عليك ان تنفقك عمرك كله كى تثقب ثغرة ليمر النور للاجيال مرة ..و على الرغم من ان انور قد توفى بعد هذا بسنوات و هو ممسك بيد ابنه فى سلام الا ان حكايته ظلت تردد فى عائلته و اصدقائه و تلهم عشرات منهم بالامل و النور فى المستقبل المضىء حتى و ان كان فى حالك دركات الظلام

السابق
أفهميني
التالي
قرمشة

اترك تعليقاً