القصة القصيرة

وعَلَى أعْتَابِ بَيْتِهَا.. تزْرَعُ لهْفَتَهَا..

01-ذَاتَ نَبْضٍ، وَقَفَتْ الأسْتَاذَةُ {سَلْوَى} حَالِمَةً عِنْدَ أعْتَابِ بَيْتِهَا، والأحْلاَمُ تُفْسِدُهَا التَفْسِيرَاتُ الْوَاهِيَّةِ، تَتَأَهَبُ لِلْخُرُوجِ وقد أوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا لِمَنْ كَانُوا فِي الانْتِظَارِ، كَانَتْ مُتَحَفِّزَةً جِدَّا لِلحَظاتِ القَادِمَة، تُحَرِّكُ رَأْسَهَا جَيْئَةً وَذَهَابًا، تُقدِّمُ خَطْوَةً وَتُؤخِرُ أخْرَى، طيفٌ يخْتَفِي خَلْفَ الأَشْبَاحِ، هِيَّ امْرَأَة مُكتنَزَة لّحْماً وشَّحْماً، تَزْرَعُ فِي الشَوَارِعِ لَهْفَتَهَا، تَلُوكُ أرْغِفَةَ الْجَرْيِ، مُسْرِفَةً فِي تُوْزِيعِ الابْتِسَامَاتِ المُغْرِيَّة مَجَّانًا، تُزَاحِمُ فِي مَطالِبِهَا الرِّجَال، يَغْمُرُهَا إحْسَاسُ رَهِيبٌ وَمَشَاعِرَ مُخِيفَة، هِيَّ تَتَحَرَّكُ كالسُّلْحَفَاةِ مُتَبَجِّحَةً، مُخْتَالَةً كَالطَّوَاوِيسِ، تَكْتُبُ سُخْطَهَا وعُنْفَهَا عَلَى شَكْلِ تَغْرِدَاتِ، لاَ أحَدَ يَقْرَأُ لَهَا التَوَافِهَ، أوْ يَهْتَمُّ لِهَذَيَانِهَا، تَسْتَعِدُّ لِلْقيَّامِ بِتَنْفِيذِ مُهَمَّةٍ قَذِرَةٍ، كُلفتْ بِهَا عَلَى النَّقِيضِ، تُشْعِلُ فَتِيلَ نَارَ الْفِتْنَةِ وَالْخِصَامِ، هِيَّ امْرَأَةٌ مَاكِرَةٌ مُتَنَكِرَةٌ سَاخِرَةٌ، لَهَا خِبْرَةٌ فِي اصْطِيَّادِ قُلُوبِ الْبُلهِ وَالْمُغَفَّلِينِ، وَبُكلِّ فَظَاظَةِ وَرُعُونَةٍ تَتُوقُ إلَى أشيَاءَ لا تعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا سِوَى التَهْرِيجِ، كَلِمَاتٌ تَرْقُصُ فِي كَفِّ شَيْطَانٍ، أخَذَ قلبُهَا يُكسِّرُ تَفَاصِيلَ الزَّمَن، تَعْتَرِيهَا نَوْبَةٌ مِنَ الضَّحِكِ الهِسْتِيرِي تَارَةً، وتَارَةً أخْرَى تنْخَرِطُ فِي بَكَاءِ مَرِيرٍ يُشبِهُ الْعَوِيلُ، فَجْأَةً تَنْسَحِبُ مِنْ الْمَشْهَدَ السِيَّاسِي الْفَوْضَوِي نَادِمَةً، بَعْدَ أنْ خَابَ مَسْعَاهَا، مَشْهَدٌ اسْتدْرِجَتْ إليْهِ اسْتدِرَاجًا ذَاتَ فَوْضَى، يَعُجُ بِالأَوْحَالِ، هيَّ مُهَيَّأَةٌ لِلكذِبِ وَالْبُهْتَانِ، مُتَرَدِّدَةً فِي تَوْبَتِهَا، ليَقُولَ عَنْهَا النَّاسُ أنَّهَا زَعِيمَةٌ، “وَالزَّعَامَةُ كِذْبَةٌ ” يَتمَلَّكُهَا إحْسَاسٌ غَرِيبٌ، مُجَنْدَلٌ بَبَيَارِقَ الْخِزْي وَالْعَارِ، جَعَلَ خَطَوَاتِهَا تَتقَهْرُ إلَى الْوَرَاءِ، صَمْتٌ يَلِيهِ ضَجِيجٌ، صَخَبٌ يَلِيهِ صَمْتٌ عَجِيبٌ، هِيَّ تشْعُر بالرُّعْبِ والنَّدامَة والأسَفِ الْعَمِيقِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَجِدُهَا مُصِرَّةٌ عَلَى الْعَبَثِ، تَرْتَكِبُ حَمَاقَاتٍ بَشِعَةٍ فِي غَايَاتِ الضَّرَرِ، الْخَطَايَا تُؤلِمُ الْمَرْءَ وَتُذِلُهُ “..ومَا بُنِيَّ عَلَى بَاطِلٍ فَهُوَ بَاطِلٌ..” والمَرَأةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَهَلَةٌ وخَاضَتْ غِمَارَ السِيَّاسَةِ بِعَوَاطِفِهَا انْحَرَفَتْ، وَسَقَطَتْ فِي مُسْتَنْقَعِ الرَّذَائِل “..سَلَوَى” لَمْ تُمَارِسْ السِيَّاسَة “..جَهِلَتْ شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْهَا أشْيَاءُ..” هِي مُنْدَفِعَةٌ في مَوَاقِفِهَا، رَافِضَةً مِنْ أَجْلِ الرَّفْضِ، سَاخِطَةً، مُذْنِبَةٌ فِي حَقِّ الْعِيَّالِ، تَكَسَّرْتْ أحْلاَمُهَا فِي دَيَاجِيرَ الظَّلامِ، السِيَّاسَةُ مُغِامَرُةُ التَحَدِّي الأصْعَبُ، الْمَرْأةُ الشِرِّيرَةُ الْعِرْبِيدُ إذَا رَكِبَتْ أمْوَاجَ الْمَسِيرَاتِ الْفَوْضَوِيَّةِ الصَّاخِبَةِ،أفْسَدَتِ وتَاهَتْ وفَقَدَتْ طِيبَتَهَا وَألَقَهَا، وَضَاعَ حَيَاؤُهَا، وَقُتِلتْ أنُوثَتَهَا، تِلْكَ انْزِلاَ قَاتٌ لاَ انْتِمَاءَ لَهَا وَلاَ عُنْوَانًا سِوَى التَهْريجِ، إنَّهَا تَكَادُ تَفْقِدُ وَعْيَهَا فِي المُعْتَرَكِ السِيَّاسِي، تَقِفُ حَائِرَةً مُضْطَرِبَةً بَيْنَ الدَّهْشَةِ والْفِطْنَةِ، تُحْصِي أحْزَانَهَا، الشَّوْقُ يُرْبِكُهَا حَنِينُّ تَتَوَسَّدُ أصْدَاءَهُ، تَتَذَكَّرُ فُضْلَيَاتِ النِّسَاءِ، فتُفْقِد هُدُوءَهَا وَتَثُورُ فِي اللَّحَظَاتِ الصَّعْبَةِ، واللَّحَظَاتُ المُلِهِمَةِ أمْوَاجٌ مُتلاًطَمَةٌ صَاخِبَةٌ تَتَكَسَّرُ هَارِبَة، تُريدُ غَيْمَة تَسْبَحُ مَعَ أخْرَيَاتٍ تُشْبِهُهَا، وفِي حُضْنِ الْغَيْمَةِ الرَّاحِلَةِ ينَامُ الْحُلْم الْجَمِيلُ، حُلْمٌ فَقَدَتْهُ مِنْ خِلاَل سُلوكِهَا الأهْوَجُ، وَتَصَرُفَاتِهَا الرَّعْنَاءُ غَيْرُ الْمُسْتَسَاغَةِ.

02 – والجِرَاحُ تُنْسِيهَا الْجِرَاحُ، تَنْبَعِثُ الْكَلمَاتُ مِنْ أحْرُفٍ هَارِبَةٍ، وذَا الْفُؤَادُ يَرْتَعِشُ، يَبْحَثُ عَنْ دِفْئٍ وَسَطَ الْعِيَّالِ أفْسَدَتْهُ، تَهْمِسُ هَمْسًا طَوِيلاً، تُنْصِتُ إلى أصْوَاتٍ تخْترِقُ الْهَجْرَ، تُمْسِكُ بِتَلاَبِيبَ الْعِيَّال، تصْرُخُ: هَذَا أخِي فكيْف يَفِرَّ الْمَرْءُ مِنْ أخِيهِ؟ وذَلِكَ ابْنُ الْعَمِّ فَكيْفَ أهْجُرُهُ ؟ والآخَرَ جَارٌ، وَالْجَارُ كَادَ الشَّرْعُ أنْ يُوَرِّثهُ ! تبْحَثُ عَن حَرَائِرَ الْمَدِينَةِ الْمَاكِثاَتِ في الْبَيْت، مُسْتَنْجِدَةً بالمُثَقَفَاتِ مِنْهُنَّ الْعَامِلاَت، ليَرْسُمْنَ معًا لِيْلاً صَافِيَّا، وَهَلْ يَسْتَجِبْنَ لَهَا وَهِيَّ مَنْبُوذَةً ؟! الَّليْلُ تلبَّدَتْ سَمَاؤُهُ بِالغُيُوم الدَاكنَة، والسَمَاءٌ الجَدِيدَةُ تشِعُّ فِيهَا النجُومُ الْمُتلألئِة، تبْحْثُ عَنْ أصْدِقَاءَ وجِيرَان، يَركضُونَ خَلفَ الحُبَّ والْمَودَّة الْحَارَةِ الْعَمِيقَةِ، تَنْفِضُ الغُبَارَ عَنْ أكْدَاسٍ مُكَدَّسَةٍ مِنْ الذِكْرَيَاتِ الطيَّبَةِ، وَيَا ليْتَهَا كَانَتْ بِحَقٍ طيَّبَةِ، وَعَلَى حِينِ فَجْأَةٍ تقُولُ بِنَبْرَةٍ مُتَوَدِّدَةٍ، وَبِصَوْتٍ أجَشٍّ وَعُيُونٍ دَامِعَةٍ:آهٍ..مَاذَا يَحْدُثُ فِي الْبَيْتِ الأمِنِ؟ يَا إلَهِي..لَقَدْ جَفَّ بَرِيقُ الْقَلْبِ، وَتَلاَشَتْ أحْلاَمُنَا؛ إنِّي أسْمَعُ أصْوَاتَ أشْخَاصٍ نَكِرَةً، قَادِمَةً مِنْ بَعِيدٍ، تَزْرَعُ الْفِتْنَ بيْن أفْرَادِ الأسْرَةِ، كبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ وَتَتَوَعَّدُ، فَتَباً لِهَؤُلاَءِ الأوْغَاد الَّذِينَ لاَ نَاقَة لَهُم فِي الأمْر ولاَ جَمَلَ، سِوَى التَخْلِيطِ، يَا إلَهي، شَعُرْتُ بِذَلِكَ الْغَلَيَانِ، نُفُوسٌ مَرِيضَةٌ – إِي وَ اللهِ- انْقَلبَتْ ذَوَاتُهُمْ فجْأةً إلَى مُجرَّدَ أدْوَار تَمْثِيليَّةٍ، يقُومُونَ بِهَا دُونَ وَعِيٍ مِنْهُم عَلَى مَسْرَحِ الأحْدَاثِ، كُلُّ مَا تَسْمَعُهُ وَتَرَاهُ هُرَاءٌ وافْتِراءٌ وكَذِبٌ عَلَى الْعِيَّالِ، سَمَّيْنَاهُ يوْمَئِذٍ ظرُوفًا، لَمْ يَكُنْ لِحِكَايَةِ الاخْتلاَسِ أنْ تَنَامَ، كَمَا نَامَتْ مِنْ قَبْلُ حِكاياتٌ تُشبِهُهَا سَكنَت الرُفُوفَ، أَكَلَ الدَّهْرُ عَلَيْهَا وَرَمَى بِفَضَلاَتِهِ، ضَعُفَ الطَالبُ والْمَطلوبُ، انْهَالَتُ الذِكْرْيَاتُ وَاضْطَرَبَتْ الأعْصَابُ، وافْتَرَشَ الكلُّ ذَاكِرَةَ البُيُوتِ الخَاوِيَّةِ، أذْرُعُ الاسْتعْمَار تمْتدُّ كَالثَعَابِينِ مُرْتَعْشَة لِتَلتَهِمَ, ذيُولٌ الْعِصَابَاتِ تَتَحَرَكُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً..تُمَنِّيهَا، لِتُعِيدَ لِلْفَاسِدِينَ مَجْدَهُمْ الآفِل”.. وَالْخَائِنُ شَكَّاكُ والأَجْرَبُ حَكَّاكُ..” نَحْنُ نَرْتَمِي هَكَذَا سَبَهلَلَ فِي أحْضَانِ الْمُفْسِدِين ولا نَنْتَبهَ، نَمُدُّ أيْدِينَا لِلْغَرْبِ مُتَوَدِّدِينَ وَنَسْتَجِدِيهِمْ ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةِ حِصْنٌ حَصِينٌ لِلبَشَرِيَّة، الرَّجُلُ لاَ يَعْرِفُ قِيمَةَ الْمَصَائِبِ إلاَّ فِي بَيْتٍ تُدِيرُهُ امْرَأَةُ صَالِحَةٌ..! “سَلْمَى” أيَّتُهَا الطيِّبَةُ الْمَخْدُوعَةُ فِي بَيْتِكِ دَعِي عَنْك الاسْتِمَاعِ إلَى نَعِيقِ الْعَابِثِينَ، مِمَّنْ يَحْمِلُونَ بُذُورَ الشَرِّ، إنَّهُمْ مَصْدَر كلِّ بَلاَءٍ وابْتِلاَءٍ، مَهْلاً أخْتاهُ.. أتعْلَمِينَ؟! أنَّ الأمَمَ الرَّاقِيَّةَ تَنْشُدُ الْمَجْدَ بِوَعْي أبْنَائِهَا المُسَلَّحِينَ بِالحِكمَة، العَارِفِينَ بخَبَايَا الأمُور، وإنَّ وَرَاءَ “..كُلَّ عَظِيم امْرأةً حَكيمَة..” تسْقُطُ الْكَلِمَاتُ الذَّائِبَةِ مِنْ صَوْتِهَا، تَلْتَزِمُ الصَّمْتَ بَعْضَ الْوَقْتِ، تُلاَمِسُ الحُرُوفَ الْمُضِيئَةِ بِصَوْتِ الْمَحَبَّةِ، وَ تَنْتَصِرُ الْحَقِيقَةِ النَّاصِعَةِ الْبَيَاضِ، تَلْتَفِتُ إلى مُحَدِّثِهَا وتَرْمُقُهُ “..الْعَيْنُ بَارِعَةً فِي إخْفَاءِ أحْزَانِهَا..” يَنْظر إليْهَا مَشْدُوهًا، الكلمَاتُ يَنَابِيعَ تَتَفَجَّرُعَلَى شَفتَيْهِ، يَقُولُ مُتَألِّمًا: لَمْ يَكُنْ الضَبَابُ كَافِيَّا لإيقَافِ الفوْضَى، وَلاَ الشَّمْسُ الْحَارِقَةُ قَادِرَةٌ لِوَحْدِهَا عَلَى طَرْدِ الذُبَابِ، تنْظُرُ إلَى مُحَدِّثِهَا وَهِيَّ مُبْتَسِمَةً، تقُولُ بِنَبْرَةِ تَهَكُم غَيْرَ مَلْحُوظَةٍ: غُفْرَانَكَ.. لاَ تلُمْنِي فاللَّوْمُ لا يُجْدِي في الْمَوَاقِفِ المُحْرِجَةِ، تتنَهَدَ بِعُمْقٍ تَنْهِيدَةً مُريحَةً، وَبِصَوْتٍ مُتقَطِعٍ جَهُور تَقُولُ: بِلَهْفَةٍ وحَنَانٍ الآنَ فَهِمْتُ، فلنَبحَثُ جَمِيعًا عَنْ كَلِمَةٍ بَسِيطَةِ ولَكِنَّهَا مُضِيئَةً مُعبِّرَةٍ عَنِ الْحَياَةِ السَّعِيدَةِ..

السابق
وجه في الحلم
التالي
درس

اترك تعليقاً